ذكر الامام الطبري رحمه الله في تفسيره:
فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبِيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} هَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي بَيِّنَهَا لِعِبَادِهِ فِي الطَّلاَقِ ، وَالرَّجْعَةِ ، وَالْفِدْيَةِ وَالْعِدَّةِ وَالإِيلاَءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُبَيِّنُهُ لَهُمْ فِي هَذِهِ الآيَاتِ ، حُدُودُ اللَّهِ مَعَالِمُ فُصُولِ حَلاَلِهِ ، وَحَرَامِهِ ، وَطَاعَتِهِ ، وَمَعْصِيَتِهِ {يُبَيِّنُهَا} يُفَصِّلُهَا ، فَيُمَيِّزُ بَيْنَهَا ، وَيُعَرِّفُهُمْ أَحْكَامَهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَهَا إِذَا بَيَّنَهَا اللَّهُ لَهُمْ ، فَيَعْرِفُونَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، فَيُصَدَّقُونَ بِهَا ، وَيَعْمَلُونَ بِمَا أَوْدَعَهُمُ اللَّهُ مِنْ عِلْمِهِ ، دُونَ الَّذِينَ قَدْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ، وَقَضَى عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا ، وَلاَ يُصَدِّقُونَ بِأَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، فَهُمْ يَجْهَلُونَ أَنَّهَا مِنَ اللَّهِ ، وَأَنَّهَا تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حُمَيْدٍ . وَلِذَلِكَ خَصَّ الْقَوْمَ الَّذِي يَعْلَمُونَ بِالْبَيَانِ دُونَ الَّذِينَ يَجْهَلُونَ ، إِذْ كَانَ الَّذِينَ يَجْهَلُونَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِهِ قَدْ آيَسَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَصْدِيقِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ بَيَّنَهَا لَهُمْ مِنْ وَجْهِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَلُزُومِ الْعَمَلِ لَهُمْ بِهَا ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ بَيَانًا لَهُمْ مِنْ وَجْهِ تَرْكِهِمُ الإِقْرَارَ وَالتَّصْدِيقَ بِهِ.
|