
2012-02-01, 11:09 PM
|
|
عضو جاد بمنتدى أنصار السنة
|
|
تاريخ التسجيل: 2012-01-30
المشاركات: 367
|
|
أثر العبادات في حياة المسلم
 أثر العبادات في حياة المسلم محاضرة ألقاها عبر الهاتف الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر في جمعية إسلامية في أمريكا
(مطبوع ضمن مجموع كتب ورسائل عبد المحسن بن حمد العباد البدر
نشر دار التوحيد بالرياض عام 1428هـ)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضلَّ له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقِّ ليُظهره على الدِّين كلِّه، فبلَّغ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ، ونصحَ الأمَّةَ، اللَّهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومَن سلك سبيلَه واهتدى بهديه إلى يوم الدِّين.
أما بعد: فالسلام عليكم أيها الإخوة المسلمون المستمعون في أمريكا ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله عز وجل لي ولكم العونَ والتسديدَ، وأن يوفِّقنا جميعاً لِمَا يُرضيه.
وحديثي معكم في الموضوع الذي رغبتم الحديثَ فيه؛ وهو أثرُ العبادات في حياة المسلم، فأقول: العبادةُ اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وهذا هو أحسن ما قيل في تعريف العبادة، وللعبادة أهميةٌ عُظمى؛ وذلك أنَّ الله عز وجل خلق الخَلقَ وأرسل الرسلَ وأنزلَ الكتبَ للأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾، أي: خلقهم الله لأمرهم بعبادته ونهيهم عن معصيته، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾.
والعبادة أنواعٌ كثيرة؛ منها الخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والإنابة والاستعانة والاستغاثة والذبح والنذر وغير ذلك من أنواع العبادة.
ومن العبادات؛ أركان الإسلام وهي التي اشتمل عليها حديث جبريل المشهور، حيث سأل النَبِيَّ صلى الله عليه وسلم عن الإسلام فقال: «أن تشهدَ أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً» أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عمر رضي الله عنه، وهو أوَّلُ حديث عنده في كتاب الإيمان (8).
وجاءت في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حيث قال عليه الصلاة والسلام: «بُنِيَ الإسلامُ على خمس؛ شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت، وصوم رمضان» وهو أوَّلُ حديث عند البخاري في كتاب الإيمان (8)، وهو في صحيح مسلم (19).
ثمَّ إنَّ العبادة لا بدَّ في قبولها من شرطين؛ أحدهما: إخلاص العمل لله، والثاني: تجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا بدَّ من تجريد الإخلاص لله وحده، فلا يُشرَكُ مع الله غيره، ولا يُصرفُ من أنواع العبادة شيء لغير الله سبحانه وتعالى، و لا بد من تجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يُعبد الله إلاَّ وفقاً لما جاء به الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا هو مقتضى شهادة أن لا إله إلاَّ الله وشهادة أنَّ محمداً رسول الله؛ لأنَّ مقتضى أشهد أن لا إله إلاَّ الله إخلاص العمل لله وحده، فلا يُصرف شيء من أنواع العبادة لغيره، بل تكون العبادات كلُّها خالصةً لوجهه سبحانه وتعالى، ومقتضى أشهد أن محمداً رسول الله أن تكون العبادةُ وفقاً لِمَا جاء عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فلا يُعبد الله بالبدع والمحدثات والمنكرات التي ما أنزل الله تعالى بها من سلطان، بل تكون العبادة وفقاً للسنة، ولما جاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
والحاصلُ أنَّ مقتضى أشهد أن لا إله إلاَّ الله إخلاص العمل لله، ومقتضى أشهد أنَّ محمداً رسول الله تجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا بدَّ في أيِّ عملٍ من الأعمال أن يكون لله خالصاً وأن يكون لسنة نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم موافقاً ومطابقاً، فإذا اختلَّ أحَدُ هذين الشرطين بأن فُقد الإخلاصُ، أو فُقدت المتابعةُ، أو فُقِدَا معاً فإنَّ العملَ مردودٌ على صاحبه، ولا يقبل عند الله عز وجل، قال تعالى في بيان ردّ العمل بسبب عدم الإخلاص: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾، وقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في بيان ردِّ العمل إذا كان مبنياً على بدعة: «مَن أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ» رواه البخاري (2697)، ومسلم (1718) من حديث عائشة رضي الله عنها، وفي لفظ لمسلم: «مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ».
وقال عليه الصلاة والسلام: «فإنَّه مَن يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسُنَّتِي وسُنَّة الخلفاء المهديين الراشدين تَمسَّكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة» رواه أبو داود (4607)، والترمذي (2676) من حديث العرباض ابن سارية، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
وقد بَيَّن عليه الصلاة والسلام في حديث الثلاث وسبعين فرقة الذين يَدخل منهم النار اثنتان وسبعون فرقة، وفرقةٌ واحدة تنجو، بَيَّن عليه الصلاة والسلام أنَّ هذه الفرقة الناجية هم الذين كانوا على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
وقال الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه: «لن يصلح آخر هذه الأمّة إلاَّ بما صلح به أوّله»، وقال رحمه الله: «مَن ابتدع في الإسلام بدعةً يراها حسنة فقد زعم أنَّ محمداً خان الرسالة؛ لأنَّ الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فما لَم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم دين». الاعتصام للشاطبي (1/28).
ولا يكفي أن يقول الإنسانُ أنا أعمل بهذا العمل وإن لَم يأتِ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ قصدي طيبٌ وقصدي حسنٌ، والدليل على هذا أنَّ النَبِيَّ عليه الصلاة والسلام لَمَّا بلغه أنَّ رجلاً من أصحابه الكرام ذبح أُضحيتَه قبل صلاة العيد قال له عليه الصلاة والسلام: «شاتُك شاةُ لحم» أي: ليست أضحية؛ لأنَّها لم تقع طبقاً للسُّنَّة، إذ إنَّ السُّنَّةَ أن يبدأ ذبح الأضاحي بعد صلاة العيد، أما الذبح قبل الصلاة فإنَّه يكون في غير وقته فلا يعتبر، والحديث أخرجه البخاري (5556)، ومسلم (1961)، وقال الحافظ في شرحه في الفتح (10/17): «قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: وفيه أنَّ العمل وإن وافق نيَّةً حسنة لم يصح إلاَّ إذا وقع على وفق الشرع».
ومِمَّا يوضح ذلك أيضاً أنَّ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، صاحب الرسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى أُناس وقد تَحلَّقوا في المسجد، ومع كل واحد منهم عدد من الحصى، وفيهم رجل يقول سبِّحوا مائة، هلِّلوا مائة، كبِّروا مائة، فيعدون بالحصى حتى يأتوا بهذا الذِّكر، يعدونه بذلك الحصى، فوقف على رؤوسهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال: «ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن! حصى نعدُّ به التكبيرَ والتهليلَ والتسبيحَ، قال: فعُدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمّة محمد! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم متوافرون، وهذه ثيابُه لم تَبْلَ، وآنيتُه لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلَى مِلَّة هي أهدى من مِلَّة محمد صلى الله عليه وسلم أو مفتتحو باب ضلالة؟! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلاَّ الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه»، هذا الأثر رواه الدارمي في سننه (1/68 ـ 69)، وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة (2005).
يتبع...
|