رد: أثر العبادات في حياة المسلم
وأمّا الآثار المترتبة على العبادات فمنها؛ انشراحُ الصدر، وراحةُ البال، وسَعةُ الرزق، وسلامةُ الإنسان وارتياحُه واطمئنانُه.
وقد جاء في القرآن آياتٌ كثيرة، وفي السنة النبوية أحاديث عديدة، تدلّ على تلك الآثار، وعلى أنَّ تقوى الله عز وجل والأعمال الصالحة يترتب عليها سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.
قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾ فإنَّ هذه الآيةَ الكريمة اشتملت على ذِكر العبادة، وعلى ذِكر الأثر المترتب عليها في حياة المسلم، وهي أنَّ من اتقى الله عز وجل وآمن به فإنَّ الله تعالى يُثيبُه ويعطيه في الحياة الدنيا من الرزق، ويفتح عليه من بركات السماء والأرض وذلك بإنزال الأمطار، وإخراج النبات والكنوز من الأرض.
وقال عز وجل في أهل الكتاب: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ فإنَّ هذه الآية الكريمة، هي مثل تلك الآية السابقة، ﴿لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ يعني من الأرزاق التي يُنْزِلُها الله عز وجل إليهم من السماء بسبب المطر، وكذلك مِن تحت أرجلهم مِمَّا ينبته الله عز وجل في الأرض من النبات والزروع، وكذلك مِمَّا يخرجه الله عز وجل من الكنوز، وما ذكره الله في هاتين الآيتين عن أهل القرى، وأهل الكتاب، هو من الثواب الدنيوي على الإيمان والتقوى، وأمّا الثواب الأخروي للمؤمنين المتقين فقد ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيم﴾.
وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا﴾ وهذه عبادة، ثم ذكر الأثر المترتب على ذلك بقوله: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، فإنَّ إصلاحَ الأعمال، ومغفرةَ الذنوب في الآخرة، من الآثار المترتبة على العبادة، فقد اشتملت هذه الآية الكريمة، على ذكر آثار تترتب على العبادة في الدنيا وفي الآخرة، ففي الدنيا إصلاح الأعمال والتوفيق والسداد، وأن يكون الإنسان يسير إلى الله عز وجل على بصيرة، وفي الآخرة مغفرة الذنوب، وتكفير السيِّئات.
وقال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ فهذه الآية الكريمة فيها أنَّ تقوى الله عز وجل وهي عبادتُه وطاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه يترتب عليها الإخراج من المآزق ومن الشدائد، وكذلك يرزق الله عز وجل مَن أطاعه واتقاه من حيث لا يحتسب.
وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ فإنَّ من الآثار المترتبة على تقوى الله عز وجل أن ييسِّر له الأمور، وأن يهيِّئ له سبل الخير، وأن يفتح الطرقَ التي توصله إلى سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.
وقال عز وجل: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ وهذا من الثواب الأخروي المترتب على تقوى الله سبحانه وتعالى.
وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم﴾ فهذه الآية الكريمة تدل على أنَّ مَن اتقى الله عز وجل، وعمل بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم يجعل له فرقاناً يفرق به بين الحق والباطل، ويسير إلى الله عز وجل على بصيرة وعلى هدى وهذا في الدنيا، وأمّا في الآخرة فيثيبه بتكفير السيِّئات ومغفرة الذنوب، ومثل قول الله عز وجل في صدر هذه الآية ﴿إن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ قول الله تعالى في آخر آية الدَّين: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ﴾.
وقال تعالى فيما حكاه عن نوح وقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ فإنَّ هذه الأمور من الآثار المترتبة على العبادة، فالعبادة هنا هي الاستغفار والآثار المترتبة عليها في هذه الآية هي أنه يرسل السماء عليهم مدراراً، ويُمددهم بالأموال والبنين، ويجعل لهم جنات ويجعل لهم أنهاراً.
ومثل هذه الآية ما ذكره الله عن هود وقومه في قوله: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾.
ومثلها أيضاً ما ذكره الله عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقومه في قوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾.
وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ففي هذه الآية الكريمة أنَّ الإيمان والعمل الصالح يترتب عليهما أن يحي الإنسان حياة طيبة سعيدة، معمورة بتقوى الله وطاعته وطاعة رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، مع ما يحصله من الثواب الجزيل في الآخرة.
ومِمَّا جاء في السنة المطهرة في بيان ما يترتب على العبادات من الآثار الطيبة في حياة المسلم ما جاء في وصية النَبِيِّ الكريم صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما حيث قال عليه الصلاة والسلام في تلك الوصية العظيمة النفيسة: «احفَظ الله يحفظك، احفظ الله تَجده تجاهك …» رواه الترمذي (2516) وقال: «حديث حسن صحيح». وفي لفظ آخر عند الإمام أحمد (2803): «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك تعرَّف إليه في الرَّخاء يعرفك في الشدة» وهذا الحديث هو الحديث التاسع عشر من الأربعين النووية وجاء في شرحها للحافظ ابن رجب في كتابه جامع العلوم والحكم معانٍ نفيسه في شرح هذا الحديث استفدت منه في بيان معاني هذه الجمل من الحديث، وحفظ الله عز وجل لعبده يدخل فيه نوعان: حفظه في بدنه وماله وأولاده وأهله، وكذلك حفظه في دينه بأن يَسلم من الشبهات المضلَّة ومن الشهوات المحرمة، فيكون بذلك على سداد وعلى استقامة في أمور دينه ودنياه، وهذا من حفظ الله عز وجل لِمَن حفظه، فالعبدُ يحفظ اللهَ عز وجل بحفظ حدوده والقيام بأوامره واجتناب نواهيه، واللهُ تعالى يثيبه على ذلك الحفظ حفظاً من جنس عمله، والجزاء من جنس العمل.
فإنَّ قوله: «يحفظك» هذا جزاء، وهو من الآثار المترتبة على العمل الصالح، وهو جزاء من جنس العمل، وقوله: «احفظ الله تجده تجاهك» أي: أنَّك تجد الله عز وجل أمامك فيحوطك ويرعاك، ويحفظك من كلِّ سوء، وقوله عليه الصلاة والسلام: «تعرَّف إليه في الرخاء يعرِفْك في الشدَّة» أي: أنَّك إذا لزمت طاعةَ الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في حال رخائك، وفي حال سعتك، فإنَّ الله عز وجل يُثيبك بأن يحفظَك في الشدائد وفي حال وقوعك في المآزق.
ومِمَّا يوضح أنَّ مَن تَعرَّف إلى الله عز وجل في الرخاء عرَفَه الله تعالى في الشدَّة ما جاء في قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فانحدرت عليهم صخرةٌ، وسدَّت بابَ الغار فلم يستطيعوا أن يخرجوا، فصاروا في قبرٍ وهم أحياء فتذاكروا فيما بينهم، فرأوا أنَّ السببَ الذي يخلصهم الله عز وجل به مما هم فيه من الشدة، أن يبحثوا عن أعمال صالحة عملوها لله عز وجل في حال الرخاء، فيتوسلوا بها إلى الله عز وجل في هذه الشدَّةِ التي وقعوا فيها؛ فتوَسَّلَ أحدُهم إلى الله عز وجل بِبِرِّه لوالديه، وتوسَّلَ الثاني بتَركه الزنى مع قُدرَتِه عليه، وتوسَّل الثالثُ بحفظ حق أجيره وتنميته له لَمَّا ذهب قبل أخذه، فكلُّ واحد منهم توسَّل إلى الله عز وجل بعمل صالح عمله لله عز وجل في حال رخائه، فأزاح الله تعالى تلك الصخرة، وخرجوا يمشون.
وقصة هؤلاء الثلاثة جاءت في صحيح البخاري (2215)، ومسلم (2743) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
|