رد: أثر العبادات في حياة المسلم
ثم إنَّ من العبادات الصلاة والزكاة والصيام والحج، وكلُّ واحدة منها لها آثار طيبة في حياة المسلم.
فالصلاةُ هي عمود الإسلام، وهي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي صلةٌ وثيقةٌ بين العبد وبين ربِّه، فإذا حافظ الإنسانُ على الصلوات في المساجد جماعة مع المسلمين فإنَّه تقوى صلته بالله عز وجل، لأنَّه يكون على صلة بالله دائماً وأبداً في اليوم والليلة، يصلي لله خمس مرات صلوات مفروضة، وكذا ما يأتي به من النوافل فإنَّ الله سبحانه وتعالي يثيبه على ذلك كلِّه، فيبعده عن الفحشاء والمنكر؛ لأنَّه إذا همَّ بمعصية وهمَّ بأمر منكر، تذكَّر لماذا يصلي؟ ولماذا يلازم الصلاة؟ إنَّه يفعل ذلك رغبة فيما عند الله من الثواب وخوفاً مما عنده من العقاب، فإنَّ صلاته تنهاه عن الفحشاء والمنكر، فيكون بعيداً عن الفحشاء وبعيداً عن المنكر، قال الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾.
ثم إنَّ الزكاةَ آثارُها عظيمة؛ فهي تطَهِّر النفسَ من الشُّح والبخل، وتطهر المال، وتكون سبباً في نمائه وكثرته، ويحصل بها ما يسمى في هذا الزمان (بالتكافل الاجتماعي) وهو أنَّ الأغنياءَ عندما يخرجون زكاة أموالهم ويعطونها للفقراء، فإنَّ الفقراء تنسد بذلك حاجاتهم ويحصل لهم القوت بسبب هذا الحق الذي فرضه الله عز وجل في أموال الأغنياء، وقد جاء في حديث معاذ بن جبل المتفق على صحته قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن هم أجابوا لذلك ـ أي استجابوا للصلاة ـ فأَعلمهم أنَّ الله افترض عليهم صدقةً في أموالهم، تُؤخذ من أغنيائهم فتُرَدُّ على فقرائهم» ففي إخراج الزكاة نفعٌ كبير للأغنياء حيث تتطَهَّر نفوسُهم، وتنمو أموالُهم، ويُثابون على إحسانهم إلى إخوانِهم المسلمين، الذين حصل لهم الفقر، وحصلت لهم الفاقةُ والشِّدَّةُ، فيحصل إغناؤهم بهذه الصدقة التي تَسدُّ حاجتهم، وتقضي عوزَهم، والله عز وجل فرض الزكاةَ في أموال الأغنياء على وجه ينفع الفقير، ولا يضر الغني، فهي جزءٌ يسيرٌ من مالٍ كثير تفضَّل الله عز وجل به وجاد، وأوجب ذلك القسط القليل الذي لا يؤثر على الغني إخراجه وهو ينفع ذلك الفقير الذي أعدم ولم يحصل له شيء من المال.
ومن الآثار الحسنة المترتبة على الصدقة والإحسان إلى المساكين ما جاء في صحيح مسلم (2984) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النَبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «بينا رجلٌ بفلاة من الأرض، فسمع صوتاً في سحابة: اسق حديقةَ فلان، فتنحَّى ذلك السحاب فأفرغ ماءَه في حَرَّةٍ، فإذا شَرْجَةٌ من تلك الشِّرَاج قد استوعبت ذلك الماء كلَّه، فتتبَّع الماءَ فإذا رجلٌ قائمٌ في حديقة يحوّل الماء بِمِسْحَاتِه، فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فلان، للاسم الذي سمع في السحابة، فقال له: يا عبد الله لِمَ تسألني؟ فقال: إنِّي سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أمّا إذ قلت هذا، فإنِّي أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدّق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثاً، وأردّ فيها ثلثه». وفي رواية له: «وأجعل ثلثَه في المساكين والسائلين وابن السبيل».
وأمّا الصيامُ فإنَّ آثارَه عظيمةٌ، ونتائجَه كبيرةٌ، وذلك أنَّ في الصيام جُنَّةً، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصيامُ جُنَّة» رواه البخاري (1894)، ومسلم (1151)، فهو جُنَّةٌ من النار، ووقايةٌ منها في الدار الآخرة، وهو جُنَّةٌ من المعاصي؛ إذ إنَّ فيه إضعاف قوة الشهوة في النفس، فيكبح جِماحَها، ويحول بينها وبين أن تقع في المزالق، وتقع في الأمور المحرمة، بسبب التمتع بالنعم والتلذذ بها، فإنَّّ النفس قد تقدم بسبب ذلك على ما لا تحمد عقباه في الدنيا والآخرة، ولهذا قال النَبِيُّ الكريم عليه الصلاة والسلام: «حُفَّت الجنّة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات» رواه البخاري (6487) ومسلم (2822)، واللفظ لمسلم، فالطريق إلى الجنّة يحتاج إلى صبر على طاعة الله عز وجل، ويحتاج إلى صبر عن المعاصي، والطريق إلى النار محفوفٌ بالشهوات، فإذا ابتعد الإنسانُ عن تلك الشهوات ظفر بالسلامة، وإذا أقدم على الشهوات فإنَّ ذلك قد يوقعه في الأمور المحرمة، وتكون لذة عاجلة ولكن يعقبها حسرةٌ وندامةٌ وخزيٌ وعارٌ في الدنيا والآخرة، وقد جاء في الحديث المتفق على صحته عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «يا معشرَ الشباب مَن استطاع منكم الباءةَ فليتزوَّج، فإنَّّه أحصنُ للفرج، وأغضُّ للبصر، ومن لَم يستطع فعليه بالصومِ، فإنَّه له وِِجَاء»، فقد بيَّن عليه الصلاة والسلام أنَّ الإنسان إذا كان قادراً على الزواج، فعليه أن يبادرَ إليه ليُعفَّ نفسه، وليعفَّ غيره، وإذا كان غيرَ قادر فإنَّه يتعاطى هذا العلاج النبوي الذي أرشد إليه الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه وهو الصيام؛ لأنَّه حميةٌ ووقايةٌ من أن يقعَ الإنسانُ في المعاصي، وذلك لما يحصل في الصوم من إضعاف النفس وعدم تمكنها من الأمور التي كانت تتمكَّن منها في حال التنعم في المآكل والمشارب.
والحاصل أنَّ هذا توجيهٌ نبويٌّ كريم من الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم للشباب أن يقدموا على الزواج إذا تمكنوا من ذلك وقدروا عليه، وإذا لم يستطيعوا فإنَّهم يكبحون جماح نفوسهم بالصيام.
وفي صيام الأغنياء إحساسهم بألم الجوع، فيتذكرون نعمةَ الله عليهم بالغنى فيشكرون الله عز وجل ويشعرون بأنَّ لهم إخواناً يتألَّمون من الجوع من غير صيام؛ لأنَّهم لا يجدون ما يسُدُّ رَمَقَهم فيكون ذلك حافزاً لهم على الإحسان إلى المساكين والبذل للمُعوزين والمحتاجين.
وأمّا الحجُّ فإنَّه عبادة عظيمة، افترضها الله عزَّ وجلَّ على عباده في العمر مرة واحدة، وهي تشتمل على أمور تتعلَّق بالمال، وأمور تتعلَّق بالبدن، ولها آثارٌ طيبة، ونتائج حميدة في حياة الإنسان، وقد جاء عن النَبِيِّ الكريم عليه الصلاة والسلام: «العمرةُ إلى العمرة كفارةٌ لِمَا بينهما، والحجُّ المبرورُ ليس له جزاء إلاَّ الجنّة» رواه البخاري (1773)، ومسلم (1349) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وسُئل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال فقال: «الإيمانُ بالله ورسوله، قيل: ثمَّ ماذا؟ قال: الجهادُ في سبيل الله، قيل: ثمَّ ماذا؟ قال: حَجٌّ مبرور» رواه البخاري (26)، ومسلم (83) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن حَجَّ لله فلم يرفث ولَم يفسق رجع كيوم ولَدته أمُّه» رواه البخاري (1521)، ومسلم (1350) عن أبي هريرة رضي الله عنه، والحجُّ المبرورُ هو الذي يأتي به الإنسان مطابقاً لسنة النَبِيِّ الكريم عليه الصلاة والسلام، وعلامتُه أن يكون بعد الحجِّ أحسنَ منه قبل الحجّ، فإذا تحوَّلت حالُ الإنسان بعد الحجِّ من حال سيِّئةٍ إلى حال حسنة، أو من حال حسنة إلى حال أحسن فهي العلامةُ الواضحةُ لكون حجِّه مبروراً.
ثمّ أيضاً يترتب على أداء الحجّ والعمرة أنَّه يتقرَّب إلى الله عز وجل بعبادات لا وجود لها إلاَّ في ذلك المكان، مثل الطواف، فإنَّ الطوافَ عبادةٌ جعلها الله من خصائص بيته العتيق، فإذا وصل إلى مكة طاف بالبيت العتيق، وتقرَّب إلى الله عز وجل بعبادة لو لم يصل إلى مكة لما تقرّب إليه بها؛ لأنَّه لا وجود لها إلاَّ حول الكعبة المشرّفة، ويستذكر بذلك ويستشعر أنَّ أيَّ طواف يكون في أي مكان من الأرض ليس مِمَّا شرعه الله عز وجل، فلا يجوز لأحد أن يطوفَ بضريح من الأضرحة، أو بأيِّ بقعة من الأرض سوى الكعبة المشرّفة. ومن ذلك تقبيل واستلام الحجر الأسود، واستلام الركن اليماني، فإنَّ الله عز وجل لَم يشرع للمسلمين أن يتقربوا إليه بتقبيل حجارة أو استلامها إلاَّ في هذين الموضعين، ولهذا لَمَّا جاء عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه إلى الحجر الأسود وقبَّلَه قال: «إنِّي أعلم أنَّك حجرٌ لا تَضرُّ ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُك ما قَبَّلْتُك» رواه البخاري (1597)، ومسلم (1270).
ومن الآثار المترتبة على الحجّ والعمرة أنَّ المُحرِمَ عندما يتَجَرَّد من ثيابه ويلبس إزاراً ورداءً يستوي فيه الغنِيُّ والفقير، يتذكر بهذا اللباس لباسَ الأكفان عند الموت، فيستعد له بالأعمال الصالحة التي هي خير زاد كما قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
ومن ذلك أيضاً أنّ في اجتماع الحجّاج في عرفة تذكيراً باجتماع الناس في الموقف يوم القيامة فيكون ذلك حافزاً للاستعداد لذلك اليوم بالأعمال الصالحة.
وفي الحجّ يلتقي المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها، فيتعارفون، ويتناصحون، ويعرف بعضُهم أحوالَ بعض، فيتشاركون في الأفراح والمسرَّات، كما يشارك بعضهم بعضاً في آلامه، ويرشده إلى ما ينبغي له فعله، ويتعاونون جميعاً على البر والتقوى كما أمرهم الله سبحانه بذلك.
والحاصل أنّ هذه العبادات العظيمة التي شرعها الله عز وجل، وبنَى عليها دينَه الحنيف، تترتب عليها آثار طيبة في حياة المسلم الدنيوية، وآثار عظيمة في حياته الأخروية.
وأسأل الله عز وجل أن يوفقنا جَميعاً لما يرضيه، وأن يجعلنا مِمَّن يستمع القولَ فيتبع أحسنه، وأن يجعلنا هداةً مهتدين، إنَّه سبحانه جوادٌ كريم، وصلَّى الله وسلم وبارك وأنعم على خير أنبيائه ورسله نبيِّنا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومَن سلك سبيلَه واهتدى بهداه، والحمد لله ربّ العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
|