
2013-10-16, 07:50 PM
|
 |
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
|
|
تاريخ التسجيل: 2011-01-05
المشاركات: 3,175
|
|
الباب الرابع : عقيدته في تفسيره :
الفصل الأول : موقفه من الأسماء والصفات :
لقد قام ابن جزيّ –رحمه الله – بتأويل بعض الأسماء خشية تشبيه الخالق بالمخلوق ، وقد أخطأ في ذلك وناقض نفسه ؛ حيث أبى التأويل في صفات ذكرها ولم يدّع فيها التشبيه ، فلزمه في تلك كهذه .
فمن الأسماء "النور، والأول، والآخر، والظاهر، والباطن"، فعند قوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض ... )الآية (النور : 35) ، قال: ( النور يطلق حقيقة على الضوء الذي يدرك بالأبصار ، ومجازا على المعاني على المعاني التي تدرك بالقلوب ، والله ليس كمثله شيء ، فتأويل الآية الله ذو نور السماوات والأرض ... فمعنى نور السماوات والأرض ، أنه خلق النور الذي فيهما من الشمس والقمر والنجوم ... الخ )[1] ، وهذا تأويل صريح ، وصرف عن المعنى الظاهر بلا دليل معتبر .
وعند قوله تعالى: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن)(الحديد:3)، قال: ( هو الأول والآخر أي ليس لوجوده بداية ، ولا لبقائه نهاية ، والظاهر والباطن أي الظاهر للعقول ، بالأدلة والبراهين الدالة على الباطن الذي لا تدركه الأبصار ، أو الباطن الذي لا تصل العقول إلى معرفة كنه ذاته )[2] ، والعجيب أن من منهج المؤلف –رحمه الله- تفسير القرآن بالسنّة ، وقد أغفل هنا تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للآية ، حيث قال كما في صحيح مسلم: ( اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، اقض عنّا
الدين ، ونجنا من الفقر ) [3] .[4]
وأما منهجه في الصفات ، فقد اضطرب فيه بين مذهب أهل السنّة ، بين التفويض والتأويل ، فأثبت صفات دون تأويل ولا تكييف ، وفوّض أخرى ، وأوّل غيرها . ونورد مثالاً لكل واحدة :
1. أثبت صفة الاستواء دونما تكييف ولا تأويل ، فقال قولاً بليغاً أجاد فيه ، كما في سورة الأعراف ، فقال : ( حيث وقع ، حمله قوم على ظاهره ، منهم ابن أبي زيد وغيره ، وتأولها قوم بمعنى قصد ، كقوله تعالى : (ثمّ استوى إلى السماء) (البقرة : 29) ، ولو كان كذلك لقال ثم استوى إلى العرش ، وتأولها الأشعريّة أنّ معنى استوى استولى بالملك والقدرة ، والحق الإيمان به من غير تكييف ، فإنّ السلامة في التسليم ، ولله درّ مالك بن أنس في قوله للذي سأله عن ذلك : الاستواء معلوم ، والكيفيّة مجهولة ، والسؤال عن هذا بدعة . وقد روي مثل قول مالك عن أبي حنيفة ، وجعفر الصادق ، والحسن البصري ، ولم يتكلّم الصحابة ولا التابعون في معنى الاستواء ، بل أمسكوا عنه ؛ ولذلك قال مالك السؤال عنه بدعة )[5] .
2. وتردد ابن جزيّ في صفات منها العلو ففوضها ، -وقد عُلِم رأيه في الاستواء في المثال السابق- ، فعند قوله تعالى : (يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون) (النحل : 50) ، قال : ( ويحتمل أن يريد فوقية القدرة والعظمة ، أو يكون من المشكلات التي يمسك عن تأويلها ، وقيل يخافون أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم ) .[6]
3. وأوّل صفات عن ظاهرها ، كما قال في آية المائدة في ذكر صفة اليد:( (بل يداه مبسوطتان) عبارة عن إنعامه وجوده )[7].
الفصل الثاني : مسألة دخول الأعمال في مسمى الإيمان :
لقد خالف المؤلف –عفا الله عنه- أهل السنّة في مسائلَ عقديّة مختلفة، منها تأويله أو تفويضه لبعض الأسماء أو الصفات كما سبق بيانه ، ومنها مسألة دخول الأعمال في مسمى الإيمان وخروجها ، والتي سنذكرها هنا دون غيرها طلباً للاختصار . فقال –عفا الله عنه- عند قوله تعالى : (وبشّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ... ) الآية (البقرة : 25) : ( (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) دليل على أن الإيمان خلاف العمل ؛ لعطفه عليه ، خلافاً لمن قال : اعتقاد وقول وعمل ، وفيه دليل أن السعادة بالإيمان مع الأعمال ، خلافاً للمرجئة ) [8]،[9] فيتضح هنا إخراجه للعمل عن مسمى الإيمان ، وإن كان يرى أنها مطلوبة . وأمّا ما احتج به من أن العطف يقتضي المغايرة ، فغير مسلّم ؛ لأن العطف لا يقتضي المغايرة دائماً ، وإنما يقتضي عدم المساواة ، فالإيمان غير مساوٍ للعمل ، وإن كان منه ، فالإيمان عمل
وزيادة ، فهو أعمّ .
[1] التسهيل ( 3/ 144 ) .
[2] التسهيل ( 4 / 173 ) .
[3] مسلم (6827) ، (9 / 38 ) .
[4] انظر : ابن جزيّ ومنهجه في التفسير ( 1 / 537 ) .
[5] التسهيل ( 2 / 62 – 63 ) .
[6] التسهيل لعلوم التنزيل ( 2 / 284 ) .
[7] التسهيل (1 / 328 ) .
[8] التسهيل ( 1 / 72 ) .
[9] انظر : ابن جزي ومنهجه في التفسير ( 1 / 579 ) .
هذا والله تعالى أعلم وأحكم ، فما كان من صواب من الله ، وما ماكن خطأ فمن نفسي والشيطان ، وصلى الله وسلّم على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
المراجع :
v التسهيل لعلوم التنزيل ، لمحمد بن أحمد بن جزيّ الكلبي الغرناطي ، تحقيق محمد عبد المنعم اليونسي، وإبراهيم عطوة عوض ، دار الكتب الحديثة ، القاهرة .
v تفسير الجلالين ، للإمامين الجليلين جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي ، تعليق صفي الرحمن مباركفوري ، دار السلام ، الرياض ، الطبعة الثانية ، 1422هـ -2002م .
v تفسير الطبري ، ابن حزم ، الطبعة الأولى ، 1423هـ ، بيروت .
v صحيح البخاري ، المكتبة السلفيّة ، تحقيق محب الدين الخطيب ، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي ، القاهرة ، الطبعة الأولى ، 1400هـ.
v صحيح مسلم بشرح النووي ، دار المعرفة ، بيروت ، الطبعة الرابعة ، 1418 هـ .
v الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ، لأحمد ابن علي بن حجر العسقلاني ، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانيّة ، الطبعة الثانية ، 1396 هـ .
v طبقات المفسرين ، لمحمد بن علي بن أحمد الداودي ، تحقيق علي محمد عمر ، مكتبة وهبة ، الطبعة الأولى ، 1392هـ .
v ابن جزيّ ومنهجه في التفسير ، لعلي محمد ال**يري ، الطبعة الأولى ، 1407هـ ، دار القلم ، دمشق .
منقول للاستفادة.
</B></I>
|