والسياق الكريم يشير إلى أن الإنسان لا يعذر فى شروده عن التوحيد، مهما كانت ضراوة الوسط الذى عاش فيه. فإن نداء الفطرة داخل نفسه ينبغى أن يقاوم كل عوج، ويستبقى معرفة الله منزهة عن كل شائبة. والفطرة تعنى قابلية النفس لتلقى عقيدة التوحيد وحدها. وإذا كانت ترفض الشرك فهى من باب أولى تأبى الإلحاد!! والحق أن طبيعتنا العقلية والنفسية تأبى وجودا بلا موجد أو خلقا بلا خالق، تأبى الزعم بأن الحياة انطلقت من صفر!! إننا نشعر بفقرنا إلى آخر!! منه بدأنا، ولكن من هذا الآخر الذى منحنا الحياة؟؟ إننا بوحى الفطرة لا ننساق إلا إلى الله رب العالمين الذى يدين الكل بالعبودية له! من يكون هذا الآخر عند المشركين؟ لا وجود له إلا فى أوهام المخدوعين.!! ولذلك جاء - بعد وصاة بنى آدم بالتوحيد الخالص - هذا التقريع للذين ظلموا أنفسهم "فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب..." أى ما قدر لهم على ظهر الأرض من أرزاق وأعمار. "حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين " . وللذهول عن الله أسباب، أولها فيما أرى ما ينشأ عن اتصال الإلف واطراد العادة من مشاعر كاذبة. فالغنى من طول الشبع ينسى ألم الجوع، والسليم من استمرار الصحة ينسى ألم المرض، وكلاهما يظن الحياة لا تعدو ما أحس. بل إن الإنسان الفذ ينسيه حاضره الغالب ما عراه فى ماضيه القريب أو البعيد من شئون أخرى على نحو ما قال الشاعر. كأن الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا ! ونحن مع اختلاف الليل والنهار وطلوع الشمس والقمر نظن أن ذلك الواقع ضربة لازب، وأنه لا مصرف له كأنما يقع من تلقاء نفسه!! فاحتاج الأمر إلى الوحى الإلهى يذكر الناس أن الله فاعل ذلك كله..
ص _118
يتبع...