عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 2014-02-07, 08:09 PM
الصورة الرمزية أبو عادل
أبو عادل أبو عادل غير متواجد حالياً
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2011-01-05
المشاركات: 3,175
أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل
افتراضي

ومنذ ذلك الانفصال الأول- الذي سنعود إليه فيما بعد- فقد العالم الإسلامي توازنه الأولي، على الرغم من بقاء الفرد المسلم متمكساً في قرارة نفسه بعقيدته التي نبض بها قلبه المؤمن. ومع ذلك فنحن ندين لتلك (الحضارة) المنحرفة التي ازدهرت في دمشق في ظل الأمو ين باكتشاف النظام المئوي، وتطبيق المنهج التجريبي في الطب، واستخدام فكرة الزمن الرياضية (1)، وهذه هي المعالم الأولى للفكر الصناعي.
وربما اتضح لنا ذات يوم أن (تفاحة نيوتن) التي اكتشف بها عالم الفلك قوة الجاذبية الأرضية، ذات اتصال معين بما قام به (ابنا موسى) من أعمال علمية (2). ومع ذلك فإن هذه الحضارة ليست- من الناحية العضويه التاريخية
__________
(1) كان العرب أول من استخدم نظام (الساعات المتساوية)، وكان الإغريق والرومان قبلهم يقسمون الزمن قسمين غير متساويين؛ اثنتا عشرة ساعة للنهار، واثنتا عشرة مختلفة عنها في الليل.
(2) موسى بن شاكر تعلم التنجيم والفلك، ثم مات وأبناؤه ثلاثة صغار، هم محمد وأحمد والحسن فجعلوا في بيت الحكمة حتى نبغوا في العلوم الهندسية والحيل والحركات والموسيقا والنجوم، وهم الذين تنسب إليهم (حيل بني موسى)، وقد كانوا مقربين من المأمون.
راجع (وفيات الأعيان)، و (والأعلام) للزركلي. (المترحم)
التي تهمنا- سوى صورة مشوهة عن البناء الأصلي الذي شاده القرآن، والذي قام على أساس من التوازن بين العقل والروح، أي على الأساس المزدوج، الروحي المادي، الضروري لكل بناء اجتماعي أهل للخلود.
والحق، أن العالم الإسلامي لم يقو على البقاء إبان تلك الأزمة الأولى في تاريخه وبعدها، إلا بفضل ما تبقى فيه من دفعة قرآنية حية قوية، وكان سر تماسكه رجال من أمثال عقبة بن نافع، وعمر بن عبد العزيز، والإمام مالك، رضي الله عنهم أجمعين، لا لأن أولهم كان فاتحاً كبيراً، والثاني خليفة عظيماً، والثالث إمام مدرسة كبرى في التشريع، بل لأن فضائل الإسلام الفطرية العظيمة قد تجسدت فيهم بصورة أو بأخرى.
هذا هو (عقبة)، وقد وقف في عاصمة الفاطميين المقبلة، التي زحف منها جيش المسلمين لفتح إفريقيا الشمالية، وقف يودع أبناءه الوداع الأخير، ثم صرخ وهو يمتطي صهوة جواده داعياً: ((اللهم تقبل عملي واجعلني في عبادك الصالحين)).
وعمر بن عبد العزيز، هو الذي ارتأى أن من الظلم أن يتولى أمراً، يخص في نظره- نسل علي، كرم الله وجهه، فآثر أن يتنازل عنه.
والإمام مالك، هو الذي تعرض للجلد في الأماكن العامة، لأنه دافع سلطاناً باغياً. تلكم هي الفضائل: احتقار مجد حان موعده، ورفض سلطة لا تقوى على حق، وتحدّ يجابه به ظالم باغ، وهي التي حفظت في العالم الإسلامي سر الحياة الذي أودعه فيه القرآن.
ومن هنا ندرك سر القيمة التي خص بها (عالم الاجتماع) محمد - صلى الله عليه وسلم -، الفضائل الخلقية باعتبارها قوة جوهرية في تكوين الحضارات. ولكن أوضاع القيم تنقلب في عصور الانحطاط لتبدو الأمور ذات خطر كبير، فإذا ما حدث هذا الانقلاب انهار البناء الاجتماعي، إذ هو لا يقوى على البقاء بمقومات الفن والعلم والعقل فحسب، لأن الروح، والروح وحده، هو الذي يتيح للإنسانية أن تنهض وتتقدم، فحيثما فقد الروح سقطت الحضارة وانحطت، لأن من يفقد القدرة على الصعود لا يملك إلا أن يهوي بتأثير جاذبية الأرض.
وعندما يبلغ مجتمع ما هذه المرحلة، أي عندما تكف الرياح التي منحته الدفعة الأولى عن تحريكه، تكون نهاية (دورة) وهجرة (حضارة) إلى بقعة أخرى، تبدأ فيها دورة جديدة، طبقاً لتركيب عضوي تاريخي جديد.
وفي البقعة المهجورة يفقد العلم معناه كله، فأينما توقف إشعاع الروح يخمد إشعاع العقل، إذ يفقد الإنسان تعطشه إلى الفهم، وإرادته للعمل عندما يفقد الهمة و (قوة الإيمان).
فالعقل يختفي لأن آثاره تتبدد في وسط لا يستطيع أن يفهمها أو يستخدمها، ومن هذا الوجه يبدو أن أفكار ابن خلدون قد جاءت إما مبكرة أو متأخرة عن أوانها: فلم تستطع أن تنطبع في العبقرية الإسلامية التي فقدت مرونتها الخاصة، ومقدرتها على التقدم والتجدد. حتى إذا وهنت الدفعة القرآنية توقف العالم الإسلامي، كما يتوقف المحرك عندما يستنزف آخر قطرة من الوقود. وما كان لأي معوض زمني أن يقوم خلال التاريخ مقام المنبع الوحيد للطاقة الإنسانية، ألا وهو: (الإيمان). ولذا لم تستطع (النهضة التيمورية) التي ازدهرت في القرن الرابع عشر حول مغاني سمرقند، أو الإمبراطورية العثمانية، كلاهما أن تمنح العالم الإسلامي (حركة) لم يعد هو في ذاته يملك مصدرها.
لقد بلغت عوامل التعارض الداخلية قمتها، وانتهت إلى وعدها المحتوم، وهو تمزق عالم واهن، وظهور مجتمع جديد ذي معالم وخصائص واتجاهات جديدة، ف كانت تلك مرحلة الانحطاط، إذ لم يعد الإنسان والتراب والوقت عوامل حضارة، بل أضحت عناصر خامدة ليس لها فيما بينها صلة مبدعة.

ومع ذلك فمن المناسب أن نزيل هنا لبساً قد يقع فيه بعض القراء: هو أن الإيمان لم يفقد مطلقاً سيطرته في العالم الإسلامي، حتى في عهود الانحطاط، بل إن هذه الملاحظة تصبح جوهرية حين يكون الأمر أمر تقويم أخروي للقيم الروحية، أما حين نتناول المشكلة من الوجهة التاريخية والاجتماعية فينبغي ألا نخلط نجاة المرء في عاقبة أمره بتطور المجتمعات.
فدور الدين الاجتماعي منحصر في أنه يقوم (بتركيب) يهدف إلى تشكيل قيم، تمر من الحالة الطبيعية إلى وضع نفسي زمني، ينطبق على مرحلة معينة لحضارة، وهذا التشكيل يجعل من (الإنسان) العضوي وحدة اجتماعية، ويجعل من (الوقت) - الذي ليس سوى مدة زمنية مقدرة (بساعات تمر) - وقتاً اجتماعياً مقدراً (بساعات عمل)، ومن (التراب) - الذي يقدم بصورة فردية مطلقة غذاء الإنسان في صورة استهلاك بسيط- مجالاً مجهزاً مكيفاً تكييفاً فنياً، يسد حاجات الحياة الاجتماعية الكثيرة، تبعاً لظروف عملية الإنتاج.
فالدين إذن هو (مركِّب) القيم الاجتماعية، وهو يقوم بهذا الدور في حالته الناشئة، حالة انتشاره وحركته، عندما يعبر عن فكرة جماعية.
أما حين يصبح الإيمان إيماناً جذبياً دون إشعاع، أعني نزعة فردية، فإن رسالته التاريخية تنتهي على الأرض، إذ يصبح عاجزاً عن دفع الحضارة وتحريكها، إنه يصبح إيمان رهبان، يقطعون صلاتهم بالحياة، ويتخلون عن واجباتهم ومسؤلياتهم، كأولئك الذين لجؤوا إلى صوامع المرابطين منذ عهد ابن خلدون.
فالتاريخ يبدأ بالإنسان المتكامل الذي يطابق دائماً بين جهده وبين مثله الأعلى وحاجاته الأساسية، والذي يؤدي في المجتمع رسالته المزدوجة، بوصفه ممثلاً وشاهداً (1). وينتهي التاريخ بالإنسان المتحلل؛ بالجزيء المحروم من قوة الجاذبية، بالفرد الذي يعيش في مجتمع منحل، لم يعد يقدم لوجوده أساساً روحياً، أو أساساً مادياً.
فليس أمامه حينئذ إلا أن يفر إلى صوامع المرابطين، أو إلى أي مستقر آخر، وهذا الفرار صورة فردية للتمزق الاجتماعي.
__________
(1) مأخوذ من قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}. [البقرة: 2/ 143]



__________________








رد مع اقتباس