وبدى عباس العقاد للناس ـ وخاصة في آخر حياته ـ فقيراً لا يطالب بشيءٍ من المناصب ، ولا يرض بما عرض عليه بل سخر منه أحياناً ، لم ينل شيئاً من عوارض الدنيا التي تكالب عليها قرناءوه ، يلتقي زواره ببجامة صوف لا تتغير صيفاً أو شتاءً . <o:p></o:p>
وهي حالة من الكبر والاستعلاء ، وليست أبداً حالة من الزهد والورع ، لم يكن العقاد ممن يعيشون لأفكارهم ، فلو كان ما تردد وما تحير ، وما كان يوماً هنا ويوماً هناك ، وما كان العقاد أبداً زاهداً في المناصب ، فقد دخل مجلس الأمة ( البرلمان ) مبكراً في حكومة سعد زغلول ، وكان قريباً من زعمي حزب السعديين المنشق على الوفد ، وشغل بعض المناصب .<o:p></o:p>
والظلم يأتي من مقارنته بطه حسين . وكأن لا ثالث لهما . <o:p></o:p>
هذا ظالم لنفسه وأمته وذاك أظلم منه .<o:p></o:p>
ما كان بالعقاد تواضع ، ولا ترفع عن المناصب زهداً في الدنيا وطلباً لما عند الله ، بل كان يزدري كل الألقاب فيرى أنه فوقها ، ويأبى أن يرافق أياً منها اسمه مهما على شأنه ، فاسمه مجرد .. أعلى من كل الألقاب ، اللهم أن يقال الأستاذ بالألف واللام ( ال العهدية ) وكأنه هو الأستاذ وحده !! [1] .<o:p></o:p> ومَردُّ كِبر العقاد وغيره في حِسِّ كثير من الناس إلى غياب الميزان الشرعي الصحيح عند كثيرٍ من أبناء الأمة ، وقد بدأ هذا الأمر يتراجع ولله الحمد .فالذين يتحدثون عن العقاد لا يحسِّنُون ولا يقبحون بميزان الشرع ، وإنما بشيءٍ آخر ، فترى كثيراً ممن يتكلم لا يعبأ بالرجل وهو لا يصلي ، ولا يعبأ به وهو في الأحزاب السياسية التي تقوم على مبادئ كفرية ، ولا يعبأ بالرجل وهو ينصر الحكومات القمعية ويتطاول على الممثلين للإسلام في زمانه[2]، ولا يعبأ بالرجل وهو يتناول سيرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ بغير ما هي عليه .. يقدم قراءة أخرى للسيرة النبوية ، ولا يعبأ بالرجل وهو ينكر الوحي النازل من السماء على أنبياء الله ، ولا يعبأ بالرجل وهو يعظم المنحرفين من أبناء الأمة من أمثال الحلاج وبن عربي ويرى أنهم عباقرة في الإيمان !! .<o:p></o:p> ووجد العقاد مكاناً عالياً بين المثقفين ذلك أنه اتخذ مكاناً وسطاً بين عملاء الفكر المفضوحين من أمثال طه حسين ولطفي السيد وقاسم أمين وعلي عبد الرزاق ، وبين أهل الحق المستمسكين بالكتاب والسنة من أمثال محمود شاكر ومحمد شاكر وسيد قطب ، ومحمد محمد حسين ، ومصطفى صادق الرافعي ، وخفي أمره على الناس إذ يقيسون الأمر بما ينال الشخص من أمر الدنيا ، وما كانت عند العقاد دنيا ، فقد عاش فقيراً ومات فقيراً ، وفقره كما قدمنا بسبب كثرة خصوماته التي عزلته عن الناس بعد أن كبر سنه . <o:p></o:p>
عِمالة العقَّاد أو قل : تأثر العقاد بالفكر الغربي أمر لا ينكره محبوه ، بل يفاخرون بتأثره بالمذهب العقلاني للمدارس الإنجليزية ، ولا ينفك الحديث عن أن مدرسة الديوان فكرة مستوردة ، وأيضاً ليست بجديدة فقد سبق إليها خليل مطران ، وتبعها قوم لا يخفون محبتهم للغرب حتى أنهم اختاروا لأنفسهم اسم أحد آلهة اليونان ( أبوللو) .!! <o:p></o:p>
يختلف عباس العقَّاد عن باقي مَن تأثروا بالغرب وعملوا لصالحه في الناحية الفكرية أو السياسية ( الحركية ) في الشكل وليس في الجوهر ، فحين نجد مثلاً طه حسين قد تنصر ودخل في اتفاق صريح مع الغرب[3] ونجد قاسم أمين كان يزور الأمراء ( الأميرة نظلي تحديداً ) ويحظى بشيء من التقدير والاحترام نجد عباس العقاد قد نقل هو والفتيان اللذان شاركاه في عمله عن الغرب دون أن يدخلا في اتفاق ضمني ، ونجد العقَّاد قد تبنى عدداً من أفكارهم كالعبقرية والعقلانية ، بل نجده قد انحشر بينهم كأحدهم يستعرض آرائهم ويقبل منها ويرى الكل على صواب كما في كتابه ( الله ) !<o:p></o:p>
لا يعنيني كثيراً أن كان عميلاً يقبض الثمن شهرةً أو كان عنيداً يبحث عن ذاته واستورد ( الآخر ) ليستعين به على إخوانه . أو كان ذا هوى في الدين فأحب ما عند الكافرين ، ونقله نقل محب لا نقل عميل . المحصلة واحدة .ولو أنه حي بين أظهرنا دققنا النظر لنعرف حاله نبصر به من يريد التعامل معه ليبرأ لدينه وعرضه وماله !!<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
إضاءات على الترجمة :<o:p></o:p>
ـ كل رؤوس الضلالة يُعرفون برجاحة العقل ومضاء العزم ، بل والبذل للغالي وصولاً لأهدافهم ، فالعقل والكرم والشجاعة متطلبات ضرورية للسيادة ، والجبان البخيل لا يُسَوَّد ؛ قد تأتيه السيادة إرثاً من أمه وأبيه أو صاحبته وبنيه ، أما أن يضطلع بأسباب التمكين ( الفكري أو الحركي ) فلا . ومن يقرأ سيرة أصحاب ( الفِرق ) يجد جلَّهم أصحابَ صفاتٍ خُلقية حميدةٍ مثل عمرو بن عبيد ( ت / 142 هـ ) ، معبد الجهني ( ت / 90 هـ ) ، محمد بن كِرَام ( ت / 250 هـ ) . غيلان القدري ( ت / 105 هـ ) ، وبشر المريسي ( ت 226 هـ ) وتراجمهم مشهورة منشورة قريبة لمن يريد الإطلاع عليها .<o:p></o:p>
ـ تبدأ الخصومات الفكرية ( العقدية ) من مواقف شخصية في الغالب ، أو تخرج مندفعة بأحقاد شخصية ، ومما يذكر هنا أنه قيل لعلي ـ رضي الله عنه ـ : من أين يأتي الهوى ؟ يعنون الهوى في الدين ( الخصومة في الدين ) ، فأجاب : من الخصومات ، وصدق ـ رضي الله عنه ـ . وقد رأينا شوقي يتعالى على العقَّاد فيستعديه ، ويأخذ العقَّاد الاتجاه المعاكس لشوقي تماماً ، ويستعين عليه بالآخر . فقد استحضر العقاد الكافرين عوناً على المؤمنين . ويشهد لذلك أن مدرسة ( الديوان ) كانت نقلاً أجنبياً ، ولم تقدم سوى جزأين فقط من كتاب الديوان ، وكان عزمهما على أن يكتبا عشرة أجزاء !<o:p></o:p>
لم يتكلما إلا في ( تحطيم الأصنام ) شوقي ومَن حوله ، ولم يقدما آراءً بنَّائه في النقد ، ولم يتطرقا لغير شوقي ومَن حوله ، وانفك عزمهما بعد التطاول على شوقي ، وهذا يبين بوضوح أنها كانت ثأراً من شوقي أو حقداً عليه !! <o:p></o:p>
وتكرر في كتاب الله بيان أن الخلاف سببه البغي ( الظلم ) وليس الجهل ، قال الله :{ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ }البقرة: من الآية213 {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ }آل عمران: من الآية19، نعم الجهل سبب من أسباب الخلاف ، ولكنه سبب عارض يزول بعد قليل ، كالشك نوع من الكفر لا يستمر إلا إن صاحبه الإعراض ! <o:p></o:p>
ـ البحث عن الذات أو الاعتداد بالنفس مَعْلَمٌ أساسي عند المنحرفينفكرياً أو المنشقين حركياً ، فغالب الانشقاقات الفكرية والحركية يكون دافعُ دعاتها البحث عن الذات ، يوضح هذا قول الله تعالى {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }آل عمران105 .
ما نعرفه أننا نختلف ثم نتفرق ، ولكن الآية الكريمة قدمت الفرقة على الخلاف لتبين أن النية مبيَّتةٌ للفرقة ، وتأتي الاختلافات كمبرر لهذه النية ليس إلا . ولعل من دوافع ثورة العقاد على الشعر وعلى كل ما قرب منه هو البحث عن الذات .هو الرغبة في الرقي إلى حيث لا يرتقي أحد .<o:p></o:p>
ومن المعالم الرئيسية عند المنحرفين فكرياً أن تجدهم يتكلمون في كل ما يعرض عليهم ، أو ما يتعرضون له ، ولا يرجعون لأهل العلم ، وكذا كان العقَّاد متخصص في كل شيء ، إن تكلم أهل الآثار والتنقيب في الأرض أمسك قلمه وشارك ، وإن احتدم خلاف بين عباد الصليب وأتباع الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمسك العقاد قلمه وبحث عن مكانٍ لا يقف فيه أحد ثم وقف وراح يرمي ، وغالباً يكون خصيماً للجميع ، وقديماً كان الجهم بن صفوان يعمل كاتبا للحارث بن سُرَيْجٍ ( أحد من خرجوا على بني أمية في خرسان 127 هـ ) . ولا علاقة له بالعلم الشرعي لا طلباً ولا عملاً ( سلوكاً ) حتى قيل أنه لم يحج البيت قط ، وإنما كان ذكيا لَسِنًا مجادلاً ... مجبولاً على الاعتراض والمِراء ، هذه كل ثروته ، كما عباس العقاد .
اتصل ذات يوم بطائفة من الفلاسفة الهنود، يقال لهم: "السِمْنِيَّة" وراح يجادلهم وهـو صفر من العلم معتمداً فقط على عقله ، وابتدئوا الكلام معه بالسؤال عن مصدر المعرفة ( وهي أكبر قضية فلسفية على الإطلاق، وأصل كل بحث ونظر عندهم ، وخاض العقاد بغير علم في كتابه الله ، وكانت فلسفتهم تـقوم على أن المصدر للمعرفة هو الحواس الخمس. ولما كان الجهم جاهلا سلَّم لهم بأصلهم الفاسد هذا،فسألوه سؤالا آخر مبنيا على هذا الأصل الفاسد ، وهو صف لنا ربك يا جهم؟ بأي حاسة أدركتهمن الحواس، أرأيته أم لمسته - أم سمعته … الخ؟!
وسقط في يد هذا الضال المسكينـ كما يقول الدكتور سفر الحوالي في الإرجاء ـ، وطـلـب منهم مهلة ليفكر في الأمر،ولم يستطع أن يستلهم حجة، ولم يسأل العلماء فيداووه ويلقنوه. وقادتـه الحيرةإلى الشك في دينه، فـتـرك الصلاة مدة، ثم استـغـرق في التـفكيـر والتأمل، حتىانقدح في ذهـنه جوابا خرج به عليهم قائلا: " هو هذا الهـواء مع كـل شيء وفيكـل شيء ولا يخـلو من شيء ". وهـذا الجواب الذي هـو أساس نـفي الصفات، ومن يبحث يجدأن نفي الصفات هو من قول طائفـة من فلاسفة الهند [4] تسرب للإسلام عن طريق هذا الضال المسكين الجاهل المتكبر المستكفي بعقله .
ثم خطا الجهم خطوة أخرىوهي أنه راح يُدلي بدلوه في القضايا التي كان الجدال محتدما حولها ومنها قضيةالإيمان ، واعتماداً على عقله أخذ يفكر ثم خرج بما قاله في الإيمان، وهو أن الإيمانالمعرفة والكفر هو الجهل، فمن عرف الله بقلبه فهو مؤمن، دونما حاجة إلى قولٍ باللسانولا عمل بالجوارح ـ على حد قول الجهم . وهو مخطأـ.<o:p></o:p> ثم خطا جهم خطوة أسوء من هذا كله ، وهي أنه تعصب لمذهبه وأخذ يبحث في الشاذ والغريب من أقول العلماء و ( العلماء ) ولوازم الأقوال ليثبت مذهبه ، فتجمع على الجعد بن درهم في العراق ، وخرج من عندهم الإرجاء والتعطيل بتأثير الآخر[5]. <o:p></o:p> وقريب منه واصل بن عطاء . . تلميذٌ يتعلمُ عند إمام العصرِ ( الحسن البصري ) ، وتطرح أم القضايا المعروضة على الساحة الدعوية يومها ( مرتكب الكبيرة ) فلا يجد حرجا من الإجابة ، ثم ينشق على شيخه ويتعصب لرأيه ويلتف حول النصوص فيحملها جبراً عنها لتشهد بقوله ، والنصوص طيعة .. من كلام العرب .. يدخلها الاحتمالات بأدنى الحيل .. ولذا تجدها يقينية الثبوت ظنية الدلالة .. لا يَعرف فساد حالِ المستدل إلا العلماء ، راح يُنظِّرْ لمذهبه الجديد ، ويضع له الأصول . ولو أنصف لردَّ على الحسن البصري وجادله طلبا للحق أو ذهب لغيره من العلماء يعرض ما عنده وينصت لما عندهم . كما كان يفعل أبو حنيفة مثلا . ففي سبيل الضالين ثلاث خطوات رئيسية :
الأولى: التكلم عن جهل، أو أن يعتقد الرجل أن العلم كله عنده فحين يُسأل يجيب بما عنده وهو قليل ولا يراجع أهل العلم، أو يعتمد على عقلة ويُنشأ أقيسه مَغْلوطة. وسيتضح هذا جداً ونحن نناقش العقاد عقدياً .
والثانية : وهي التعصب لهذا الرأي المنبثق أساسا من الجهل. أو من الرغبة في الثأر للنفس ، ويذهب صاحبة للنصوص الشرعية ليحملها على القول بهذا الباطل.
وما أجمل ما قال الشاطبي ـ رحمه الله ـ وهو يفرق بين صاحب الحق وصاحب الهوى، يقول: إن صاحب الحق يذهب إلى النصوص الشرعية ينظر ماذا تقول ثم يمتثل، أما صحاب الهوى يذهب إلى النصوص الشرعية ليأتي بها على هواه.
أو بكلمات أخر . إن أصحاب البدع يعتقدون ثم يستدلون. كما يقول الشيخ بن عثيمين رحمه الله في آخر شرح نظم الورقات للعمريطي.
وسيأتي هذا في فِكرِ العقاد ، سنجد ـ إن شاء الله تعالى ـ أن الثابت عند العقاد هو ( الفردية ) و( العقلانية ) ..هو إثبات الذات في وجه من يتعالون عليه أو من سادوا في الناس بعلمهم أو سلطانهم ، وقراءة الشريعة جاءت تابعة لذلك ، قرأ الشريعة ليدلل على ذلك ، أو ليصل إلى ذلك .أو وهو متأثر بتلك المفاهيم الغربية الغريبة عن الشريعة .<o:p></o:p>
والثالثة : ـ الظالمون من أصحاب السلطان يكون لهم دور في تسويق هذه الأفكار وفرضها على الناس . وتلميع هذه الشخصيات وخلع ألألقاب عليهم . وقد انتشر فكر جهم ومن تبعه فيما بعد ، في عهد المريسي وبن أبي دؤاد ( خلق القرآن ) حين أصبح الوزير منهم أو يميل لهم . <o:p></o:p>
ـ كل الانحرافات في القديم والحديث مصدرها الآخر أو يلعب الآخر فيها دوراً لا يمكن تجاهله . وهذا واضح جداً في شخص العقاد ومن عاصروا العقاد ، فمدرسة ( الديوان في النقد الأدبي ) والتي ظهرت على يد العقاد والمازني وشكري كانت نقلاً عن الغرب ، والعقاد نفسه كان يتبنى المدرسة الإنجليزية العقلانية ، وبعد أن دب الخلاف بين الفتيين الصغيرين ( المازني وشكري ) حين رمى أحدهم( شكري ) الآخر بالسرقة من الإنجليز ، أنشأت مدرسة جديدة تُكمل المسيرة وتحمل أسماء أحد ( آلهة ) اليونان وهو ( أبوللو )[6] ، وكل هؤلاء المشاغبين تعلموا في الغرب وتبنوا أفكاره ، ونصَرَهُم الغرب بشكلٍ أو بآخر .<o:p></o:p> لا أقول أن هناك تنظيم يضم ( الآخر وخاصة يهود ) والمحبين له الناقلين عنه ( وهم عندي المنافقون ) أو المتأثرين بهم ( وهم السماعون لهم ) ، ولا أقول إنهم يلتقون ويرتبون كفريق عمل واحد ، لا ، لا يحدث هذا على الدوام ، ولكن تتفق أهوائهم ، ويمسك بالزمام ( الآخر ) بما أذن الله لهم من أسباب قوة وكانوا محتلين للبلاد ، المنافقون ينصرفون عن الدين لشبهة أو لشهوة ـ والشهوة تنتهي في الغالب بشبهة فالمعصية قد تتحول إلى بدعة ثم كفر ـ و( الآخر ) يستغل هذا الأمر ، فهم يشيعون الفاحشة فيجتمع المنافقون ، ويشيعون الشبهات ويردد المنافقون ، ويقيمون منابراً للضلال ويعتلي المنافقون ، وهم يقفون في وجه الطيبين كي يسير المنافقون آمنين مطمئنين لا يخافون .<o:p></o:p>
وإن رحت تستقصي الأفكار الهدامة التي دخلت الإسلام وجدتَ أصلها من الكافرين .. مثلا بدعة القدرية أوَّلُ من تكلم بها سَوْسن في العراق وهو نصراني عراقي أسلم ثم ارتد ثانية إلى الكفر ، هذا الكافر المرتد تكلم بالقدر وأخذ عنه معبد الجهني[7] . ثم جاء بعده غيلان القدري وكان بليغا فتكلم وأكثر ، وناظر الضعفاء ، وعاند العلماء . والشيعة بدأها بن سبأ اليهودي ، بعد أن دخل في الإسلام وتقمص دور ( المؤمنين ) وتعامل مع مرضى النفوس ( المنافقين ) والغافلين المتحمسين ، فكان ما كان . وبدعة الجبر ( أن الإنسان مجبور ) و الإرجاء في الإيمان[8]، والتعطيل في الأسماء والصفات ظهرت على يد الجهمُ بن صفوان وشيخه الجعد بن درهم ، كانت أسانيدهم ( ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين والفلاسفة ) [9] ، حتى الفلسفة والعلوم الأخرى التي دخلت للإسلام وأثرت في المذاهب الفكرية المنحرفة ، كان للآخر علاقة بها ، متعاوناً مع الذين في قلوبهم مرض ، وهذا يظهر أثر مخالطة المبتدعة . والضالين .<o:p></o:p>
فهناك نفوس تشرب البدعة وتأبى إلا ذلك. هذه نفوسُ المنافقين ، ويتصل بها ( الآخر ) بقصد ـ وهو الغالب ـ أو بدون قصد ، ويقوم بتفعيلها لتحدث الفتنة في صفوف المؤمنين .<o:p></o:p>
ولهذا السبب تأثر الفكر الإسلامي بالأفكار الأخرى مع أننا كنَّا الغالبين ، والغالبُ في الغالبِ لا يتأثر بالمغلوب ، وإنما أوتينا من قبل المنافقين ـ مرضى القلوب ـ ؛ اتصل ( الآخر ) بمرضى القلوب أو اتصلت بهم القلوب المريضة فشربت من حياضهم ثم عادت إلينا ، تروي المهزومين والمتطفلين بما ارتوت به.وهذا ما حدث مع العقَّاد ، فقد أحب ما عند القوم فنقله ، أو حقد على إخوانه فأراد هزيمتهم بأي شيء ولو كان ببضاعة غيره . <o:p></o:p>
ـ هناك حصر وهمي يقع فيه من يقرأ عن العقَّاد أو المازني أو طه حسين أو غيرهم ممن أُبرزوا في الجيل الماضي ، فهناك إصرار من العلمانيين على إخراج دعاة الحق من التاريخ ، فمثلاً ـ فيما يخصنا في الحديث عن العقَّاد ـ نجد أنيس منصور يكتب عن العقاد سبعمائة صفحة ولا يأت على سيد قطب مع أن سيد قطب صاحبَ عباس العقاد حيناً من الدهر ، وتجده يعرض نقاشات فكرية طويلة دارت بين العقاد وجلسائه ولا يتعرض لم دار بين العقاد والرافعي ـ رحمه الله ـ ، بل ولا يتعرض للرافعي إلا غمزاً ولمزاً ![10].<o:p></o:p> قلتُ : وهذا ديدن القوم في كتابتهم للتاريخ أجمعه ، فنحن نقرأ تاريخ الفراعنة ولا نجد فيه ذكراً لأنبياء الله ، ومحالٌ أن يكون الله قد ترك الفراعنة بلا نذير ، والله يقول :{ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ }فاطر24 ، وقال تعالى على لسان مؤمن آل فرعون وهو يخاطب قومه {وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ }غافر34 يقصون تاريخ الفراعنة ولا يأتون على أكبر حدث فيه وهو موسى ـ عليه السلام ـ ، فقد انتهى حكم الفراعنة لمصر وغرقوا جميعاً في عهده ـ عليه السلام ـوغرقوا جمعياً وورث الأرض قوم غيرهم { كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ } [ الدخان : 28 ]، ويقصون تاريخ الأمم دون ذكرٍ للرسل ، لا من اشتهر منهم ولا من لم يشتهر . حتى أن بعضهم يفتش في التاريخ الذي بين يديه ويقول : أين توحيد ؟ متى عرفت البشرية التوحيد؟!! <o:p></o:p>
ـ حالَ التعرض للحركة الفكرية في مصر ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا ، لا يمكن أبداً تفسير التحولات الفكرية .. أو المنازلات الفكرية على الساحة المصرية دون استحضار ( الآخر ) ، بل إننا نجد أن الآخر هو المؤثر الأول في كل التحولات الفكرية في الساحة المصرية ، وكان الصراع معه على الحقيقة ، كانت جولة مع الكفر على أرضنا ، وقد عقدتٌ فصلا مطولا لبيان ذلك في بحث المنافقين تحت عنوان ( أثر الاستشراق في توجيه المنافقين ) فلابد من إعطاء الرصد الفكري لهذه الحقبة من الزمن مساحة أوسع من الأشخاص ، أو من الأحداث الجزئية التي كانت تحدث على أرض الواقع .<o:p></o:p>
والناظر لما حدث في مصر من صراعات فكرية دارت بين الأشخاص يرى بوضوح أن هذا الأمر كان مقصوداً لتفكيك البنية الفكرية الإسلامية في مصر ، وإيجاد خيارات كلها سيئة أمام المفكرين ، ولتستبين قولي دعني أسأل : بين مَن كان الصراع ، وأعني الصراعَ الذي نقل لنا ؟! <o:p></o:p>
بين مَنْ كلهم يتبنون نظريات الغرب وأفكاره كليَّاً أو جزئياً ، أو هكذا نقلوه لنا ، أو صراع بخلفيات أدبية بين ( المحافظين ) ـ وهم كانوا مجددين حقيقة ونهضوا بالشعر بعد قرونٍ من الانحطاط ـ وبين ( المجددين ) وهم كانوا متأثرين بالغرب . أو صراعات بخلفيات سياسية ، بين محتل ووطنيين ، وغاب الجهاد وغاب مفهوم الأمة الواحدة تحت خلافة إسلامية واحدة . فتبني الحركات الوطنية كان مرحلة لإقصاء مفهوم الأمة الإسلامية الواحدة التي لا تعترف بالوطن ولا باللغة إلا تابعاً للمفهوم الإسلام مندرجاً فيه .<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
=====================<o:p></o:p>
ـ نعم لم يكن عباس العقاد ضد الإسلام كعقيدة أو كفكر ، ولم يكن أيضاً معها . عباس العقاد كان يبحث عن ذاته . يعمل منفرداً ، يفرح <o:p></o:p>
<o:p></o:p>
تدرج ضمن الترجمة<o:p></o:p>
==================
<o:p></o:p>
<o:p></o:p>
<HR align=right width="33%" SIZE=1>[1] انظر ما قاله للمخرج السنمائي كمال الملاخ حين أراد أن يدخل بعض التعديلات على روايته سارة كي يخرجها فيلماً . ( في صالون العقاد ) /644<o:p></o:p>
[2] ثارت ثائرة العقاد على الإخوان المسلمين وسماهم ( خُوَّان المسلمين ) يوم اغتالوا النقراشي ( باشا) رئيس الوزراء .<o:p></o:p>
[3] ناقشت ذلك وبينته ودللت عليه في مقال نفخوه واستعملوه وهو منشور منتشر .. بصيد الفوائد وطريق الإسلام والقلم والمختصر وغيرهم . <o:p></o:p>
[4] وسنقف مع هذه في نقطة لاحقة إن شاء الله وقدر . <o:p></o:p>
[5] انظر الفتاوى لشيخ الإسلام بن تيمية <o:p></o:p>
[6] أبوللو كلمة يونانية تعني إله الجمال والحب <o:p></o:p>
[7] ذكر ذلك الحافظ الذهبي في ترجمة معبد الجهني في سير أعلام النبلاء 4/187 <o:p></o:p>
[8] ذكر الدكتور سفر الحوالي في كتاب ( الإرجاء ) أن إرجاء الفقهاء ظهر قبل الجعد بن درهم والجهم بن صفوان . وإنما عنيت هنا البدعة التي يفسق صاحبها أو يكفر في الإيمان وفي الأسماء والصفات والتي تسللت للدين عن طريق الجهم والجعد .<o:p></o:p>
[9] الفتاوى 5/6<o:p></o:p>
[10] وأعجب ما اطلعت عليه في هذا الباب هو ما فعله القس النصراني لويس شيخو في كتابه ( شعراء النصرانية ) وهو كتاب منتشر ، جعل كل شعراء الجاهلية نصارى !!<o:p></o:p>