قصيدة أبو ذؤيب الهذلي في رثاء أبائه الاربعة وهي تعد أجمل قصيدة في الرثاء
أمن المنون
أمن المنون وريبها تتوجع *** والدهر ليس بمعتب من يجزع
قالت أميمة ما لجسمك شاحبا *** منذ ابتذلت ومثل مالك ينفع
أم ما لجنبك لا يلائم مضجعا *** إلا أقض عليك ذاك المضجع
فأجبتها أن ما لجسمي أنه *** أودى بني من البلاد وودعوا
أودى بني وأعقبوني حسرة *** بعد الرقاد وعبرة لا تقلع
ولقد أرى أن البكاء سفاهة *** ولسوف يولع بالبكا من يفجع
سبقوا هوى وأعنقوا لهواهم *** فتخرموا ولكل جنب مصرع
فغبرت بعدهم بعيش ناصب *** وإخال أني لاحق مستتبع
ولقد حرصت بأن أدافع عنهم *** فإذا المنية أقبلت لا تدفع
وإذا المنية أنشبت أظفارها *** ألفيت كل تميمة لا تنفع
فالعين بعدهم كأن حداقها *** سملت بشوك فهي عور تدمع
حتى كأني للحوادث مروة *** بصفا المشرق كل يوم تقرع
وتجلدي للشامتين أريهم *** أني لريب الدهر لا أتضعضع
والنفس راغبة إذا رغبتها *** فإذا ترد إلى قليل تقنع
والدهر لا يبقى على حدثانه *** جون السراة له جدائد أربع
صخب الشوارب لا يزال كأنه *** عبد لآل أبي ربيعة مسبع
أكل الجميم وطاوعته سمحج *** مثل القناة وأزعلته الأمرع
بقرار قيعان سقاها وابل *** واه فأثجم برهة لا يقلع
فلبثن حينا يعتلجن بروضة *** فيجد حينا في العلاج ويشمع
حتى إذا جزرت مياه رزونه *** وبأي حين ملاوة تتقطع
ذكر الورود بها وشاقى أمره *** شؤم وأقبل حينه يتتبع
فافتنهن من السواء وماؤه *** بثر وعانده طريق مهيع
فكأنها بالجزع بين نبايع *** وأولات ذي العرجاء نهب مجمع
وكأنهن ربابة وكأنه *** يسر يفيض على القداح ويصدع
وكأنما هو مدوس متقلب *** في الكف إلا أنه هو أضلع
فوردن والعيوق مقعد رابىء الضـ *** ـضرباء فوق النظم لا يتتلع
فشرعن في حجرات عذب بارد *** حصب البطاح تغيب فيه الأكرع
فشربن ثم سمعن حسا دونه *** شرف الحجاب وريب قرع يقرع
ونميمة من قانص متلبب *** في كفه جشء أجش وأقطع
فنكرنه فنفرن وامترست به *** عوجاء هادية وهاد جرشع
فرمى فأنفذ من نجود عائط *** سهما فخر وريشه متصمع
فبدا له أقراب هذا رائغا *** عجلا فعيث في الكنانة يرجع
فرمى فألحق صاعديا مطحرا *** بالكشح فاشتملت عليه الأضلع
فأبدهن حتوفهن فهارب *** بذمائه أو بارك متجعجع
يعثرن في علق النجيع كأنما *** كسيت برود بني يزيد الأذرع
والدهر لا يبقى على حدثانه *** شبب أفزته الكلاب مروع
شعف الكلاب الضاريات فؤاده *** فإذا يرى الصبح المصدق يفزع
ويعوذ بالأرطى إذا ما شفه *** قطر وراحته بليل زعزع
يرمي بعينيه الغيوب وطرفه *** مغض يصدق طرفه ما يسمع
فغدا يشرق متنه فبدا له *** أولى سوابقها قريبا توزع
فانصاع من فزع وسد فروجه *** غبر ضوار وافيان وأجدع
فنحا لها بمذلقين كأنما *** بهما من النضح المجدح أيدع
ينهسنه ويذبهن ويحتمي *** عبل الشوى بالطرتين مولع
حتى إذا ارتدت وأقصد عصبة *** منها وقام شريدها يتضرع
فكأن سفودين لما يقترا *** عجلا له بشواء شرب ينزع
فبدا له رب الكلاب بكفه *** بيض رهاف ريشهن مقزع
ففرمى لينقذ فرها فهوى له *** سهم فأنفذ طرتيه المنزع
فكبا كما يكبو فنيق تارز *** بالخبت إلا أنه هو أبرع
والدهر لا يبقى على حدثانه *** مستشعر حلق الحديد مقنع
حميت عليه الدرع حتى وجهه *** من حرها يوم الكريهة أسفع
تعدو به خوصاء يفصم جريها *** حلق الرحالة فهي رخو تمزع
قصر الصبوح لها فشرج لحمها *** بالني فهي تثوخ فيها الإصبع
تأبى بدرتها إذا ما استكرهت *** إلا الحميم فإنه يتبضع
متفلق أنساؤها عن قانئ *** كالقرط صاو غبره لا يرضع
بيننا تعانقه الكماة وروغه *** يوما أتيح له جريء سلفع
يعدو به نهش المشاش كأنه *** صدع سليم رجعه لا يظلع
فتنازلا وتواقفت خيلاهما *** وكلاهما بطل اللقاء مخدع
يتناهبان المجد كل واثق *** ببلائه واليوم يوم أشنع
وكلاهما متوشح ذا رونق *** عضبا إذا مس الضريبة يقطع
وكلاهما في كفه يزنية *** فيها سنان كالمنارة أصلع
وعليهما ماذيتان قضاهما *** داود أو صنع السوابغ تبع
فتخالسا نفسيهما بنوافذ *** كنوافذ العبط التي لا ترقع
وكلاهما قد عاش عيشة ماجد *** وجنى العلاء لو ان شيئا ينفع