![]() |
رؤية جديدة لمزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين الذي هو أضحك و أبكى و الصلاة و السلام على سيدنا محمد خير الورى الذي كان يمزح و لا يقول إلا حقا ، و على آله و صحبه الكرام و التابعين ومن سار على نهجهم القويم إلى يوم الدين
وبعد فهذه قراءة خاصة لجانب مهم من سيرة رسول الله :ص:العطرة و شمائله المحمدية المتلألئة أقدمها متوكلا على الله تعالى مستعينا به في حلقات راجيا من إخوتي إغناءها بما يرونه من سديد الآراء ، و تصويب ما قد يعتريها من قصور في الفهم . والله من وراء القصد الحلقة الأولى مفهوم المزاح ـ1 المزاح بضم الميم و كسرها الدعابة و الانبساط مع الغير ، و هو سلوك إنساني فطري غايته إشاعة جو البهجة و السرور بين الأهل و الإخوان خاصة و كل الحضور عامة في لحظة من زمان و في حيز من مكان . و هو ضد الجد و نقيضه من حيث المعنى ، أما من حيث الأثر ، فإن في الترويح عن النفس ما يساعد على تجديد النشاط ، و استجماع القوى لنهضة راشدة كما قال الشاعر : الجد شيمته و فيه فكاهة * * * طورا و لا جد لمن لم يلعب و المزاح نوعان : محمود {مباح } و هو الذي يعنينا في هذه الحلقات : و مذمزم { منهي عنه } و هو " ما فيه إفراط أو مداومة عليه ، لما فيه من الشغل عن ذكر الله و التفكر في مهمات الدين ، و يؤول كثيرا إلى قسوة القلب و الإيذاء و الحقد و سقود الهمة و الوقار " على حد تعبير الحافظ ابن حجر في الفتح وأخرج الإمام البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس :ر:قال : قال رسو الله :ص:" لا تمار أخاك و لا تمازحه ، و لا تعده موعدا فتخلفه " |
[SIZE="4"]الحلقة الأولى : مفهوم المزاح ـ 2
أما مكان المزاح من الدين ، فمعلوم أنه لم ترد مادة "مزح " في القرآن الكريم ، لكن جاي فيه ما له علاقة به كالفكاهة و الضحك و التبسم و المرح و السخرية و الفكاهة هي المزاح قال ابن سيدة في المخصص : و الرجل الفكه الطيب المزاح ، و المراد بالفكاهة ما يبعث على الضحك و يثير الرغبة فيه ... قال الله تعالى :{ و أن إلى ربك الرجعى و أنه هو أضحك و أبكى } قال ابن عطية في المحرر الوجيز :" ذكر الضحك و البكاء لأنهما صفتان تجمعان أصنافا كثيرة من الناس إذ الواحدة دليل السرور و الأخرى دليل الحزن في الدنيا و الآخرة ، فنبه الله نعالى على هاتين الخاصتين اللتين هما للإنسان وحده " [/SIZE] |
[SIZE="5"]الحلقة الأولى : مفهوم المزاح ـ 3
على قدر استجابة الإنسان المرح للضحك أو قدرته على إثارته ، يكون سريع الاستجابة للبكاء إن دعاه داعيه أو حدث ما يحمله عليه ، فهو مرهف الحس جدا قال الشاعر : إذا أنا لم أضحك فقدت مشاعري * * * و إن أنا لم أحزن فقدت شعوري و تساءل شيخ أدباء العربية أبو عثمان الجاحظ و أجاب قائلا :" من حرم المزاح ، و هو شعبة من شعب السهولة ، و فرع من فروع الطلاقة ؟ و قد أتانا رسول الله :ص:بالحنيفية السمحة ، و لم ياتنا بالانقباض و القسوة ، و أمرنا بإفشاء السلام و البشر عند الملاقاة ، و أمرنا بالتوادد و التصافح و التهادي " إن هذا ـ دون شك ـ من المباحات و الطيبات التي أحلها الله تعالى للخلق { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الزق } قيل لسفيان بن عيينة ،" المزاح هجنة و في رواية سبة ؟ فال بل سنة ، و لكن الشأن فيمن يحسنه و يضعه مواضعه " و الضحك قبل هذا و ذاك دافع فطري في الإنسان ، و قد من الله تعالى به على عباده و نسبه إلى نفسه { و أنه هو أضحك و أبكى } فهو من السمات التي تميز الإنسان عن سائر الحيوانات ، حتى عرف المناطقة الإنسان بأنه حيوان ضاحك ، كما عرفوه بأنه حيوان ناطق ، و قد يضحك الطفل الرضيع في شهوره الأولى بعد رضعات مشبعات ... و ما تتطلبه الفكاهة و الضحك من قدرات ، ليس في متناول أي كائن حي غير الإنسان ، كما تؤكد أحدث الدراسات العلمية في الموضوع . [/SIZE] |
[SIZE="4"][COLOR="Blue"]الحلقة الثانية : ضحك و ضحك ـ 1
أعظم ما ورد في الضحك و أجله ، ما جاء في أحاديث نبوية صحيحة أن الله عز وجل يضحك ضحكا يليق بجلاله و عظيم شأنه { ليس كمثله شيء و هو السميع البصير} مع التنبيه على أن الضحك الذي يعتري البشر كلما استخفهم الفرح أو الطرب ، غير جائز على الله تعالى على حد تعبير الحافظ ابن حجر في الفتح من هذه الأحاديث قول النبي :ص:"يضحك الله سبحانه و تعالى إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة ، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل ، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد " متفق عليه و عن أبي هريرة :ر:أن رجلا أتى النبي :ص: فبعث إلى نسائه فقلن : ما معنا إلا الماء ، فقال رسول الله :ص:من يضم أو يضيف هذا ؟ فقال رجل من الأنصار : أنا ، فانطلق به إلى امرأته فقال : أكرمي ضيف رسول الله :ص:فقالت : ما عندنا إلا قوت صبياني ، فقال : هيئي طعامك و نومي صبيانك إذا أرادوا عشاء ، فهيأت طعامها ،و أصبحت سراجها ، و نومت صبيانها ، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته ، فجعلا يريانه أنهما يأكلان ، فباتا طاويين فلما أصبح غدا إلى رسول الله :ص: فقال :" ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما فأنزل الله { و يؤثرون على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } رواه البخاري و روى ابن ماجه عن أبي رزين العقيلي :ر:قال رسول الله :ص:"ضحك ربنا من قنوط عباده و قرب غيره " قال : قلت يا رسول الله أو يضحك الرب ؟ قال : " نعم " قلت : لن نعدم من رب يضحك خيرا . فالضحك بالنسبة لله عز وجل من صفات الكمال و الجمال و الجلال ، و الاتصاف به يبعث على الرضى و يبشر بالعطاء ... [/COLOR][/SIZE] |
[SIZE="5"][COLOR="Blue"]الحلقة الثانية : ضحك و ضحك ـ 2
لا يفوتنا و نحن نتحدث عن الضحك أن نشير إلى عالم الملائكة و الجن ، و طبيعة ضحكهم ، و نكتفي من ذلك هنا بقول رسول الله :ص: لجبريل عليه السلام فيما رواه الإمام أحمد في المسند :" مالي لم أر ميكائيل ضاحكا قط ؟" قال : ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار " كما تجدر الإشارة كذلك إلى أن الكائنات الحية الأخرى من دواب و طيور و أسماك و نبات ربما ارتسم على أساريرها أو أعضائها ، ما يفيد فرحها و استبشارها ، من ذلك قول الشاعر : أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا * * * من الحسن حتى كاد أن يتكلما وفي المقابل قيل في اليوم الشديد العذاب : إنه كان يوما عبوسا { إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا فوقاهم الله شر ذلك اليوم و لقاهم نضرة و سرورا } [ الإنسان :10] [/COLOR][/SIZE] |
[SIZE="5"][COLOR="Blue"] الحلقة الثانية : ضحك و ضحك ـ 3
أما نبينا و سائر الأنبياء عليه و عليهم أفضل الصلاة و أزكى التسليم ، فقد كان الضحك صفة من صفاتهم ، و كان ضحكهم التبسم ، كما قال الله تعالى عن سليمان عليه السلام :{ فتبسم ضاحكا من قولها } وجاء في الحديث عن رسول الله :ص:" أن الابتسامة دين ندين الله تعالى به و خلق كريم نتاب عليه ، تبسمك في وجه أخيك صدقة " وقيل إن يحيى لقي عيسى عليهما الصلاة و السلام فقال : مالي أراك لاهيا كأنك آمن ؟ فقال له عيسى عليه السلام : مالي أراك عابسا كأنك آيس ؟ فقالا : لا نبرح حتى ينزل علينا الوحي ، فأوحى الله تعالى إليهما :(إن أحبكما إلي أحسنكما ظنا بي .)[/COLOR][/SIZE] |
[COLOR="Blue"][SIZE="4"]الحلقة الثالثة : رحابة الدين و أنموذجية الصادق الأمين :ص:[SIZE="4"][/SIZE] ـ 1
يتوهم بعض الناس أن الدين ما هو إلا مجموعة من القيود و الموانع و الحواجز التي لا مجال فيها للمرح و الانبساط في لحظات استراحة و تحلل من أعباء الحياة المضنية بعد ساعات طوال من الكد و النصب ، و ما يرافق ذلك من أداء ما وجب من عبادات و طاعات و ما تيسر من نوافل و قربات ... لا شك أن هذه رؤية ضيقة و غير مستوعبة و لا مدركة لحقيقة الإسلام في عمقه و شموله و رحابته و أبعاده ، لأن مما يعلم بداهة أن الله تعالى ما أرسل نبيه الكريم إلا رحمة للعالمين {و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } و لا يتصور في الرحمة الشقاء و الضنك و الغلظة و الشدة على الناس { فبما رحمة من الله لنت لهم و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } يقول زيد بن ثابت :ر:و قد طلب إليه أن يحدثهم عن حال رسول الله :ص: قال : كنت جاره فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إلي فكتبته له ، فكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا ، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا ، و إذا ذكرنا الطعام ذكره معنا ، قال : فكل هذا أحدثكم عن رسول الله :ص:[/SIZE][/COLOR] |
هل من أخ كريم يؤنس و حدتنا فيشجعنا إن أحسنا و ينصحنا إن أخطأنا ؟
|
:جز: فضيلة الدكتور على هذا البحث النفيس ، والموضوع القيم ، والاعتقاد السليم.
ومعذرة على التأخير حيث شغلنا بالاعتكاف آخر رمضان تقبل الله منا وإياك. آمين. وبانتظار - بشوق - استكمال الموضوع ، وما يستجد من موضوعات أخرى بارك الله فيكم. والتعليق العام على الموضوع أنه لا يستحق سوى الإشادة. |
:جز:
[SIZE="7"][COLOR="DarkGreen"]بارك الله في الأخ الفاضل أبي جهاد الأنصاري وشكرا لك على تجاوبك مع الموضوع الذي أتمنى أن يرقى إلى المستوى المأمول و أن لا يخيب ظن المتتبعين الكرام ـ و عيد مبارك سعيد ... [/COLOR][/SIZE] |
[SIZE="5"][COLOR="Blue"]الحلقة الثالثة: رحابة الدين و أنموذجية الصادق الأمين :ص: ـ 2
إنه لمن علو مقام هذا الرسول الكريم :ص: و قوة شخصيته ، و سمو أخلاقه و كماله و جماله ، أن يجمع بين جلال النبوة و براعة الفكاهة ، و أن يمازح الصبي الصغير و المرأة العجوز ، كما يمازح نساءه وأصحابه ... و ما أكثر النماذج المرحة الرائعة ، من مزاح و ضحك رسول الله :ص: ـ كما سيأتي ـ و هي مبثوثة في كتب الحديث عامة و في كتب الشمائل خاصة ، و حبذا لو دخلت إلى المقررات الدراسية في المدارس و المعاهد و الجامعات في إطار او الأدب الإسلامي و التربية الجمالية و الذوقية ، كما يجسدها الأدب النبوي الشريف [/COLOR][/SIZE] |
[SIZE="5"][COLOR="Blue"]الحلقة الثالثة : رحابة الدين و أنموذجية الصادق الأمين:ص:ـ 3
إن أهم ضوابط الفواكه و المزاح في الدين هو الوسية و الاعتدال ، و الله جل شأنه يقول في حق الأمة المحمدية :{ و كذلك جعلناكم أمة وسطا } و من ثم لا يختلف التعامل في التناول مع الضحك عن غيره من الدوافع و الرغبات ، في إطار التربية و التهذيب ، و الارتقاء بها إلى ما يحافظ على إنسانية الإنسان و يرفع من قدره . يقول النبي :ص::"لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب " أخرجه ابن ماجه في الزهد . ويقول :ص: في حديث حنظلة:"ساعة و ساعة "أخرجه مسلم في التوبة . و حيث إن القدوة الحسنة من أنجع وسائل التربية ، فقد كان الصادق الأمين :ص: يمزح و لا يقول إلا حقا ، كما أنه لا يضحك إلا تبسما ، أي جل ضحكه كذلك ، و إلا فقد ضحك :ص: ـ أحيانا ـ حتى بدت نواجده ، كما في حديث أبي ذر :ر: و فرق بعض العلماء بين الحالين فقالوا : إنه :ص: كان يضحك في أمور الآخرة ، و يبتسم في أمور الدنيا. و في موضوع القدوة و ما ينبغي أن يتحلى به المقتدى به من سلوك منضبط قال الإمام الأوزاعي :" كنا نمزح ونضحك ، فلما صرنا يقتدى بنا ، خشيت ألا يسعنا التبسم " إنه الخوف و الاحتياط ، من أن تقع أعين العامة ، أو تلتقط أسماعهم شيئا من مزاح الإمام فيقتدوا به في ذلك . فالنهي الوارد في الحديث النبوي الشريف ، ليس عن الضحك في حد ذاته ، و إنما عن كثرته و الاستغراق فيه ، لأنه هو الذي يؤدي إلى موت القلب ، و ذهاب الهيبة ، أما ما تنبسط به النفس من الملح ، فهو ـ كما قال أبو علي اليوسي ـ للعقل فاكهة ، كما أن الحكمة السابقة ، هي غذاؤه و قوامه ، فلابد لكل منهما في استصلاح العقول و إزالة حساوتها ، أي صلابتها و قساوتها ، و تنمية ذكائها ، غير أن الملح تكون بقدر الحاجة ، كالملح للطعام ، و إلى ذلك أشار القائل: أفد طبعك المكدود بالجد راحـــة . . . قليلا و علله بشيء من المـزح و لكن إ ذا أعطيته المزح فليكن . . . بمقدار ما تعطي للطعام من الملح [/COLOR][/SIZE] |
:بس:
أرجو من الإخوة المشرفين مشكورين سلفا تصحيح كلمة فواكه لتصبح : الفكاهة |
[SIZE="5"][COLOR="Blue"]الحلقة الرابعة :ضوابط الضحك و المزاح ـ 1
لا شك ـ أصلا ـ في مشروعية الضحك و المرح و المزاح ، غير أنها مقيدة بقيود و شروط لابد من مراعاتها و هذه أهمها: أولا :الصدق : و يعني عدم الكذب و الاختلاق لإضحاك الناس ، كما يفعل بعضهم ـ مثلا ـ تقليدا في أول شهر أبريل من كل سنة فيما بسمونه "كذبة أبريل" و النبي :ص:يقول :" ويل للذي يحدث الحديث ليضحك به القوم ، و يل له ويل له " أخرجه أبو داود في كتاب الآداب و الترمذ ي في الزهد كما رواه الإمام أحمد في المسند و قد كان :ص: يمزح و لا يقول إلا حقا . عن أبي هريرة :ر:قال : قالوا : يا رسول الله إنك تداعبنا ، فقال : " نعم غير أني لا أقول إلا حقا " و أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن مسعود :ر:عن النبي :ص::"عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر ، و البر يهدي إلى الجنة ، و لا يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله صديقا ، و إياكم و الكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، و الفجور يهدي إلى النار ، و لا يزال الرجل يكذب و يتحرى الكذب حتى يكتب[/COLOR][/SIZE] [SIZE="5"][COLOR="Blue"]عند الله كذابا " [/COLOR][/SIZE] |
[SIZE="5"][COLOR="Blue"]الحلقة الرابعة : ضوابط الضحك و المزاح ـ 2
ثانيا : الأ يشتمل المزاح على تحقير الناس أو الاستهزاء بهم و السخرية منهم ، إلا إذا أذن ذلك الإنسان بذلك و رضي به يقول الله تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم و لا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن و لا تلمزوا أنفسكم و لا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } [الحجرات:11} وقال النبي :ص::"بحسب امريء من الشر أن يحقر أخاه " رواه مسلم و ذكرت السيدة عائشة رضي الله عنها أمام النبي :ص:إحدى ضرائرها فوصفتها بالقصر تعيبها به فقال :" يا عائشة لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته " قالت : وحكيت له إنسانا ـ أي قلدته في حركته أو صوته ـ فقال :" ما أحب أني حكيت إنسانا و أن لي كذا و كذا " رواه أبو داود و الترمذي وقال : حسن صحيح [/COLOR][/SIZE] |
[SIZE="5"][COLOR="Blue"]الحلقة الرابعة : ضوابط الضحك و المزاح ـ 3
ثالثا : ألا يترتب عليه إفزاع و ترويع : روى أبو داود في سننه و أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : حدثنا أصحاب محمد :ص:أنهم كانوا يسيرون مع النبي :ص:فقام فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ، ففزع ، فقال رسول الله :ص::" لا يحل لرجل أن يروع مسلما " و عن النعمان بن بشير قال : كنا مع رسول اللله :ص: في مسير فخفق رجل على راحلته ـ أي نعس ـ فأخذ رجل سهما من كنانته فانتبه الرجل ففزع ، فقال رسول الله :ص::"لا يحل لرجل أن يروع مسلما " رواه الطبراني في الكبير و رواته ثقات و في حديث آخر:"لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعبا و لا جادا ومن أخذ عصا أخيه فليردها " رواه أبو داود والترمذي و حسنه و أحمد في المسند و أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة :ر:أن رسول الله :ص: قال:" من أشار على أخيسه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه ، و إن كان أخاه لأبيه و أمه "[/COLOR][/SIZE] [SIZE="5"][COLOR="Blue"]ويلحق بذلك عدم الهزل في موضع الجد و الضحك في موقف الحزن فلكل شيء أوانه و لكل مقام مقال ...[/COLOR][/SIZE] |
[SIZE="5"][COLOR="Blue"]الحلقة الخامسة : السخرية و التهكم ـ 1
لا يتورع بعض عن الخوض في أعراض الناس باسم المزاح و هو شئ غير مقبول لأن الفكاهة إذا خرجت عن إطارها المرسوم لها ، انقلبت إلى ضدها و لهذا جاء النهي عن السخرية و الاستهزاء ، و اللمز و التنابز بالألقاب صريحا في القرآن العظيم . قال الله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم و لا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن و لا تلمزوا أنفسكم و لا تنابزوا بالألقاب بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فألئك هم الظالمون }[ الحجرات :11 ] و نهى النبي :ص: عن سخرية المسلمين بعضهم ببعض فقال :" المسلم أخو المسلم لا يظلمه و لا يخذله و لا يحقره ، التقوى ها هنا ـ و يشير إلى صدره ثلاث مرات ـ بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام : دمه و ماله و عرضه " [/COLOR][/SIZE] |
[SIZE="5"][COLOR="Blue"]الحلقة الخامسة : السخرية و التهكم ـ 2
اعتبر أبو حامد الغزالي السخرية و الاستهزاء ، الآفة الحادية عشرة من آفات اللسان فقال :" و معنى السخرية : الاستهانة و التحقير و التنبيه على العيوب و النقائص ، على وجه يضحك منه ، و قد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول ، و قد يكون بالإشارة و الإيماء ، و إذا كان بحضرة المستهزأ به ، لم يسم ذلك غيبة ، و فيه معنى الغيبة " ويأتي في السياق نفسه قوله اللطيف اللاذع :" وهذا إنما يحرم في حق من يتأذى به فأما من جعل نفسه مسخرة وربما فرح من أن يسخر به كانت السخرية في حقه من جملة المزاح " قالت السيدة عائشة رضي الله عنها ـ كما تقدم ـ " حاكيت إنسانا فقال لي النبي :ص: :" والله ما أحب أني حاكيت إنسانا ، و لي كذا و كذا " و كان الحكم بن أبي العاص الأموي أبو مروان بن الحكم و هو من مسلمة الفتح يحكي النبي :ص: و يمثله في مشيته و حركاته ، فالتفت النبي :ص: يوما فرآه فلعنه و نفاه إلى الطائف ترجمه الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب ، و نقل أنهم ذكروا أن رسول الله :ص: كان إذا مشى يتكفأ ، و كان الحكم بن أبي العاص يحكيه ، فالتفت النبي :ص: يوما فرآه يفعل ذلك فقال :ص: : " فكذلك فلتكن " فكان الحكم مختلجا يرتعش من يومئذ ، فعيره عبد الرحمان بن حسان بن ثابت فقال في عبد الرحمن بن الحكم يهجوه : إن اللعين أبوك فارم عظامــــه . . . إن ترم ترم مخلجا مجنونـا يمسي خميص البطن من عمل التقى . . . و يظل من عمل الخبيث بطينا [/COLOR][/SIZE] |
[SIZE="5"][COLOR="Blue"]الحلقة الخامسة : السخرية و التهكم ـ 3
لم يترك القرآن العظيم المستهزئين دون رد بل كان الرد في كل مرة أقوى و أشد كما قال الله تعالى : {و إذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا و إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون الله يستهزيء بهم و يمدهم في طغيانهم يعمهون } من أمثلة ذلك قوله جل ذكره:{ذق إنك أنت العزيز الكريم }[ الدخان : 49 ] أي قولوا له تهكما و تقريعا و توبيخا : ذق العذاب أيها المعزز المتكرم في زعمك في الدنيا ، و المراد المهان : إنك أنت الذليل . و[B]"الذوق" [/B] مستعار للإحساس ، و صيغة الأمر مستعملة في الإهانة ، و قوله :إنك أنت العزيز الكريم ، خبر مستعمل في التهكم بعلاقة الضدية ، و المقصود عكس مدلوله ، أي أنت الذليل المهان ، و التأكيد للمعنى التهكمي . و هذا الكلام على سبيل التهكم و هو أغلب للمستهزأ به ، و معنى الآية :إنك بالضد . روي عن عكرمة :ر:أن النبي :ص:لقي أبا جهل فقال :إن الله أمرني أن أقول لك "{أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى } فنزع يده من يده و قال : ما تستطيع لي أنت و لا صاحبك من شيء ، لقد علمت أني أمنع البطحاء ، و أنا العزيز الكريم ، فقتله الله يوم بدر ، و أذله و عيره بكلمته و نزل فيه {ذق إنك أنت العزيز الكريم } و روي أن خزنة جهنم تقول هذا الكلام للكفار إشفاقا بهم و توبيخا [/COLOR][/SIZE] |
[SIZE="5"][COLOR="Blue"]الحلقة السادسة :مكانة الفكاهي في المجتمع ـ 1
قد يتساءل بعض الناس : هل يمكن اعتبار الإنسان الفكاهي الذي يشيع البهجة و السرور بين الناس مأجورا ، بحكم ما يقدمه لهم من خدمة نفسية هم في أمس الحاجة إليها ؟ و الواقع أن الفكاهي الذي يمسح عن إخوانه و جلسائه وكل من يلقاه السآمة و الكدر ، مأجور إذا حسنت نيته ، و سلمت طويته ، و التزم بالضوابط الشرعية للمزاح و آدابه ، و لم تكن غايته الإساءة إلى غيره ، و النيل من خضومه . ويستدل لهذا ببما كان لرسول الله :ص: في هذا السياق من تقدير و إشادة ببعض الصحابة الذين كانوا يؤنسونه و في طليعتهم الصحابي نعيمان بن عمرو بن رفاعة الأنصاري :ر:الذي كان كما قال الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب : " رجلا مضاحكا مزاحا " و قال عنه مرة أخرى :"و كان رجلا صالحا على ما كان فيه من دعابة " و ذكر النووي في تهذيب الأسماء و اللغات أن نعيمان كان كثير المزاح يضحك النبي :ص: من مزاحه ، و له أشياء كثيرة في هذا المجال ، حتى قيل إن الرسول :ص: قال عنه إنه :"يدخل الجنة و هو يضحك " و من ثم فهو يستحق كما قال الدكتور أحمد الشرباصي رحمه الله أن يسمى "مضحك رسول الله :ص:"[/COLOR][/SIZE] |
[SIZE="5"][COLOR="Blue"]الحلقة السادسة :مكانة الفكاهي في المجتمع ـ 2
روى البخاري في الصحيح أن رجلا كان يقال له عبد الله ـ و لقب حمارا ـ كان يضحك رسول الله :ص: و كان يؤتى في الشراب ، فجيء به يوما فقال رجل : لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به ، فقال النبي :ص:: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله " و هناك من قال إن المعني ـ هنا ـ هو نعيمان المذكور سابقا و اشتهر الصحابي الجليل زيد بن ثابت :ر: بحسن الجمع بين العلم و الفكاهة و الجد و الدعابة حتى قال عنه ثابت بن عبيد : ما رأيت رجلا أفكه في بيته ، و لا أوقر في مجلسه من زيد بن ثابت . و من الصحابة الذين يصدق عليهم ـ بامتياز ـ و صف" فكاهي "سويبط بن حرملة :ر: كان من مهاجرة الحبشة وممن شهد بدرا قال عنه الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب :كان مزاحا يفرط في الدعابة ، و له قصة ظريفة مع نعيمان و أبي بكر الصديق ـ :ر: ـ نذكرها لما فيها من الظرف و حسن الخلق . يتبع [/COLOR][/SIZE] |
[SIZE="5"][COLOR="Blue"]الحلقة السادسة : مكانة الفكاهي في المجتمع ـ 3
روي عن السيدة أم سلمة رضي الله عنها قالت : خرج أبو بكر الصديق :ر:في تجارة إلى بصرى ، قبل موت النبي :ص:بعام و معه نعيمان و سويبط بن حرملة ، و كانا قد شهدا بدرا و كان نعيمان على الزاد ، فقال له سويبط و كان رجلا مزاحا : أطعمني فقال ـ نعيمان ـ :لا حتى يجئ أبو بكر فقال : أما و الله لأغيظنك ، فمروا بقوم فقال لهم سويبط :تشترون مني عبدا ؟ فقالوا : نعم ، قال : إنه عبد له كلام ، و هو قائل لكم :إني حر ، فإن كنتم إذا قال لكم هذه المقالة تركتموه ، فلا تفسدوا علي عبدي ، قالوا : بل نشتريه منك ، قال : فاشتروه منه بعشر قلانص ، قال : فجاءوا فوضعوا في عنقه عمامة أو حبلا ، فقال نعيمان : إن هذا يستهزئ بكم ، و إني حر لست عبدا ، قالوا : قد أخبرنا خبرك فانطلقوا به ، فجاء أبو بكر فأخبره سويبط فأتبعهم فرد عليه القلانص و أخذه ، فلما قدموا على النبي :ص:أخبروه قال : فضحك النبي :ص:و أصحابه منها حولا أخرجه ابن أبي شيبة و ابن ماجه كما أخرجه أبو داوج الطيالسي و الروياني و جعلا المازح هو النعيمان و المبتاع سويبطا كما في ترجمته عند ابن حجر في الإصابة [/COLOR][/SIZE]. |
| الساعة الآن »12:47 PM. |
Powered by vBulletin Copyright ©2000 - 2026 Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة - فقط - لأهل السنة والجماعة