![]() |
الخشوع في المشاعر والشوق إليها وإلى المدينة المنورة
[CENTER][CENTER][SIZE=6][COLOR=green][FONT=Arial][B]الخشوع في المشاعر والشوق إليها وإلى المدينة المنورة [/B][/FONT][/COLOR][/SIZE][/CENTER]
[B][SIZE=5][FONT=Arial]بينت أكثر كتب الرحلات ما يجري على الحجاج في المشاعر من خشوع وما يعتريهم من انكسار وخضوع عند رؤية تلك المشاهد العظام ، وبينت أيضاً العاطفة التي كانت تتأجج في صدور الحجاج ، وكيف كانوا على أتم استعداد لبيع أرواحهم وأموالهم في سبيل رؤية مرابع الطهر والقداسة[COLOR=#000000] ، ومغاني السعادة والسيادة ، وتصور كيف كان الحاج ينسى كل تعبه عند رؤية مكة أو المدينة ، وكيف كان يقبل على تلك المقدسات باكياً مستغفراً ، متطهراً تائباً ، مما كان له أعظم الأثر في بقاء سلطان الدين في النفوس ، وبقاء التصورات الإيمانية العقدية حية في الأذهان والقلوب ، فلا جرم إذاً أن بقي الحجاز منارة مضيئة ، ومتاباً ومثابة للناس خاصة في القرون التي عم فيها العالم الإسلامي التخلف والجهل والظلام – من القرن الحادي عشر إلى أوائل الرابع عشر – فكان أن سخر الله – تعالى – الحجاز تهوي إليه الأفئدة ويُجدد فيه الإيمان.[/COLOR][/FONT][/SIZE] [SIZE=5][FONT=Arial]ويعلل إبن بطوطة هذا الشوق والخشوع المصاحبين للحاج بأنه عمل إلهي حتى يخف على الناس ما يجدونه من مشاق فلا ينقطعون عن الديار الحجازية[COLOR=#000000] ، فيقول [/COLOR][COLOR=blue]( من عجائب صنع الله تعالى أنه طبع القلوب على النزوع إلى هذه المشاهد المنيفة ، والشوق إلى المثول بمعاهدها الشريفة ، وجعل حبها متمكناً في القلوب ، فلا يحلها أحد إلا أخذت بمجامع قلبه ، ولا يفارقها إلا أسفاً لفراقها ، متولهاً لبعاده عنها ، شديد الحنين إليها ، ناوياً لتكرار الوفادة عليها ، فأرضها المباركة نصب الأعين ، ومحبتها حشو القلوب ، حكمة من الله بالغة ، وتصديقاً لدعوة خليله ، عليه السلام.[/COLOR][/FONT][/SIZE] [SIZE=5][FONT=Arial][COLOR=blue]والشوق يحضرها وهي نائية ، ويمثلها وهي غائبة ، ويهون على قاصدها ما يلقاه من المشاق ويعانيه من العناء ، وكم من ضعيف يرى الموت عياناً دونها ، ويشاهد التلف في طريقها ، فإذا جمع الله بها شمله تلقاها مسروراً مستبشراً ، كأنه لم يذق لها مرارة ولا كابد محنة ولا نصباً ، إنه لأمر إلهي ، وصنع رباني ، ودلالة لا يشوبها لبس ، ولا تغشاها شبهة ، ولا يطرقها تمويه ، وتعز في بصيرة المستبصرين ، وتبدو على فكرة المتفكرين ، ومن رزقه الله تعالى الحلول بتلك الأرجاء ، والمثول[/COLOR][COLOR=#000000] بذلك الِفناء ، فقد أنعم الله عليه النعمة الكبرى ، وخوّله خير الدارين : الدنيا والأخرى ، فحق عليه أن يكثر الشكر على ما خوّله ، ويديم الحمد على ما أولاه).[/COLOR][/FONT][/SIZE] [COLOR=#000000][SIZE=5][FONT=Arial]هذا القاسم بن يوسف التجيبي بذكر عظم شوق الحجاج إلى المشاعر في كتابه (مستفاد الرحلة والاغتراب) فيقول : [/FONT][/SIZE][/COLOR] [COLOR=blue][SIZE=5][FONT=Arial]فلما قربنا من التنعيم ولاحت لنا المساجد التي هنالك ، وهي التي تنسبها الناس اليوم لعائشة أم المؤمنين – رضي الله عنها – صرخ الناس بالتلبية والدعاء ، وارتفعت الأصوات بالتضرع والبكاء ، وعاينا من الخشوع والخضوع ما كاد يذيب قلوبنا ، ويذهب عقولنا والبابنا ، وكان معنا في القافلة شخص فاضل من أهل الخير والسمت الحسن – كانوا يدعونه بالفقيه حسن – فلما قربنا من التنعيم أخذه حال وخشوع ، وعلته رقة وخضوع ، وبكى وأبكى ، ثم غشي عليه ، وكاد يذهب عقله ، فسرى حاله للحاضرين ، وزادهم في شوقهم وقلقهم لرؤية البيت الشريف – زاده الله تشريفاً وتعظيماً ومهابة وتكريماً.[/FONT][/SIZE][/COLOR] [COLOR=#000000][SIZE=5][FONT=Arial]وبلغنا أن الشبلي – رضي الله عنه – لما وصل إلى مكة شرفها الله تعالى جعل يقول : [/FONT][/SIZE][/COLOR] [/B][CENTER][COLOR=blue][SIZE=5][FONT=Arial][B]أبطحاء مكة هذا الذي أراه عياناً وهذا أنا[/B][/FONT][/SIZE][/COLOR][/CENTER] [B][COLOR=#000000][SIZE=5][FONT=Arial]ثم غشي عليه يرحمه الله [/FONT][/SIZE][/COLOR] [COLOR=#000000][SIZE=5][FONT=Arial]ثم استمر السير ، وزاد الخشوع ، وعظم الشهيق والبكاء ، وعلت الأصوات بالتلبية والدعاء.[/FONT][/SIZE][/COLOR] [COLOR=#000000][SIZE=5][FONT=Arial]وهذا ابن جُبير الأندلسي – رحمه الله تعالى – يقول في رحلته (تذكرة الأخبار عن اتفاقات الأسفار) واصفاً الخشوع العظيم الذي يخالط الحجاج في عرفه.[/FONT][/SIZE][/COLOR] [COLOR=blue][SIZE=5][FONT=Arial]فلما جمع بين الظهر والعصر يوم الجمعة المذكور وقف الناس خاشعين باكين ، وإلى الله عزَّ وجل في الرحمة متضرعين ، والتكبير قد علا ، وضجيج الناس بالدعاء قد ارتفع فما رؤي يوم أكثر مدامع ، ولا قلوباً خواشع ، ولا أعناقاً لهيبة الله خوانغ خواضع من ذلك اليوم.[/FONT][/SIZE][/COLOR] [COLOR=#000000][SIZE=5][FONT=Arial]وهذا ابن جبير الأندلسيّ يصف حال الحجاج داخل الحرم فيقول في رحلته : (تذكرة بالأخبار) شارحاً حال ساكني السراة إذا دخلوا الحرم : [/FONT][/SIZE][/COLOR] [COLOR=blue][SIZE=5][FONT=Arial](القوم عرب ُصرحاء فُصَحاء جُفاة أصحاء ، لم تُغًّذهم الرقة الحَضَرية ، ولا هذبتهم السيرة المدنية ، ولا سددت مقاصدهم السنن الشرعية ، فلا تجد لديهم من أعمال العبادات سوى صدق النية ، فهم إذا طافوا بالكعبة المقدسة يتطارحون عليها تطارح البنين على الأم المشفقة ، لائذين بجوارها ، مُتعلقين بأستارها ، فحيثما علقت أيديهم منها تمزق لشدة اجتذابهم لها وانكبابهم عليها ، وفي أثناء ذلك تصدع ألسنتهم بأدعية تتصدع لها القلوب ، وتتفجر لها الأعين الجوامد فتصوب ، فترى الناس حولهم باسطي أيديهم ، مؤمّنين على أدعيتهم ، متلقّنين لها من ألسنتهم ، على أنهم طول مُقامهم لا يتمكن معهم طواف ، ولا يوجد سبيل إلى استلام الحجر.[/FONT][/SIZE][/COLOR] [COLOR=#000000][SIZE=5][FONT=Arial]وهذا الشيخ محمد رشيد رضا يصف في رحلته الحاج إذا دخل مكة فيقول : [/FONT][/SIZE][/COLOR] [COLOR=blue][SIZE=5][FONT=Arial](حتى إذا اكتحلت عينه برؤية الكعبة المعظمة ، وراع القلب ما جللها من المهابة و العظمة تذكر أنها أول بيت وضع للناس مباركاً وهدى للعالمين ، وخصه بالآيات البينات الباقية على بقايا الأيام والسنين ، ورأى أمامها مقام إبراهيم عليه وعلى نبينا وآلهما الصلاة والسلام ، ووجد نفسه حيث كان بدء دين الله الإسلام وحيث الختام ، فإذا دنا من مهبط الروح الأمين ومطاف الملائكة والنبيين ، والصديقين والشهداء والصالحين فلا تسل ثَمّ عن الدموع كيف تنسكب ، وعن الضلوع كيف تضطرب ، وعن الأعناق كيف تخضع ، وعن القلوب كيف تخشع ، ولا عن وجدان الإيمان كيف يتألق نوره في الجنان ، ويفيض بيانه على اللسان ، فيحركه بما يلهم من الثناء ، وما يشعر بالحاجة إليه من الدعاء ، وما يذكره أو ُيذكّر به من المأثور ، لا تسل أيها القارئ عن شيء من ذلك ، ولا عن غيره مما يكون عند أداء المناسك ، فمن ذاق عرف ، ومن حُرم انحرف.[/FONT][/SIZE][/COLOR] [COLOR=#000000][SIZE=5][FONT=Arial]لقد جرى ذكر الخشوع في المدينة المنورة على لسان كثير من الحجاج ، وبينوا صعوبة وداع النبي صلى الله عليه وسلم والحال التي تعتريهم أثناء ذلك ، فهذا ابن جبير الأندلسي يقول :[/FONT][/SIZE][/COLOR] [COLOR=blue][SIZE=5][FONT=Arial]"وفي عشي ذلك اليوم المبارك كان وداعنا للروضة المباركة والتربة المقدسة ، فيا له وداعاً عجباً ذهلت له النفوس ارتياعاً حتى طارت شعاعاً ، واستشرت به النفوس التياعاً حتى ذابت انصداعاً ! وما ظنك بموقف يُناجَي بالتوديع فيه سيد الأولين والآخرين ، وخاتم النبيين ، ورسول رب العالمين ؟ إنه لموقف تنفطر له الأفئدة ، وتطيش به الألباب الثابتة المتئدة ، فوا أسفاه وا أسفاه.[/FONT][/SIZE][/COLOR] [COLOR=#000000][SIZE=5][FONT=Arial]كل يبوح لديه بأشواقه ، ولا يجد بُداً من فراقه ، فما يستطيع إلى الصبر سبيلاً ، ولا تسمع في هول ذلك المقام إلا رنة وعويلاً ، وكل بلسان الحال ينشد :[/FONT][/SIZE][/COLOR] [/B][CENTER][SIZE=5][FONT=Arial][B]محبتي تقضي مُقامي وحالتي تقتضي الرحيلا"[/B][/FONT][/SIZE][/CENTER] [B][COLOR=#000000][SIZE=5][FONT=Arial]وهذا الورثيلاني الجزائري يقول في رحلته (نزهة الأنظار):[/FONT][/SIZE][/COLOR] [COLOR=blue][SIZE=5][FONT=Arial]"وعظم عليّ أمر التوديع حتى علا صوتي وارتفع ، وكاد أمري إلى العويل ، بل أنوح عليه نياح الثكلى العديمة لولدها ، وكيف لا وهو أن فراقه أعظم المصائب ، ولم أنفصل عنه إلا بصبر عظيم وهول جسيم وحزن شديد ، فلم أملك نفسي عند ذلك فعظمت المصيبة وعز الصبر ، غير أني تسليت بانتقاله من دار الدنيا وفراق أصحابه...".[/FONT][/SIZE][/COLOR] [COLOR=#000000][SIZE=5][FONT=Arial]وهذا الشيخ علي الطنطاوي – رحمه الله تعالى – يصف ما جرى له في المدينة في رحلته (إلى أرض النبوة) فيقول :[/FONT][/SIZE][/COLOR] [COLOR=blue][SIZE=5][FONT=Arial]"خفق قلبي خفقاناً شديداً ، وخالطني شعور بالهيبة من دخول المدينة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما في نفسي من الفرح والسرور ، وجعلت أتأمل المدينة وقد دنونا منها حتى لقد كدنا نصير بين بيوتها ، وأحدّق بالقبة وتحتها أفضل من مشى على الأرض ، وقد شخص بصري ، وكدت لا أرى ما كان حولي لفرط ما أحس من جيشان العواطف في نفسي ، حتى غامت المشاهد في عيني ، وتداخلت كأنها صورة يضطرب بها الماء ، وأحسست كأني قد خرجت من نفسي ، وانفصلت عن حاضري ، وذهبت أعيش في عالم طلق لا أثر فيه لقيود الزمان والمكان.[/FONT][/SIZE][/COLOR] [COLOR=blue][SIZE=5][FONT=Arial]ونظرت فإذا السيارات أمام باب السلام ، فاشرأبت الأعناق ، وبرقت الأبصار ، ودمعت العيون ، وخفقت القلوب ، وتعالى الهتاف ، ونزلنا ندخل مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت حال لا سبيل إلى وصفها قط ، اللهم اجعل لنا إلى تلك البقاع التي شرفتها بمحمد معاداً".[/FONT][/SIZE][/COLOR][/B][/CENTER] [RIGHT][CENTER][FONT=Arial][SIZE=5][COLOR=#000000][/COLOR][/SIZE][/FONT] [FONT=Arial][SIZE=5][COLOR=#000000][B]عن موقع التاريخ[/B][/COLOR][/SIZE][/FONT][/CENTER] [/RIGHT] [CENTER][/CENTER] |
جزاك الله الف خير
اثريتنا |
| الساعة الآن »03:53 AM. |
Powered by vBulletin Copyright ©2000 - 2026 Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة - فقط - لأهل السنة والجماعة