![]() |
تأملات تربوية في سورة يوسف/د.عثمان قدري مكانسي
[CENTER][B][FONT=arial][COLOR=green][SIZE=6][CENTER]تأملات تربوية في سورة يوسف
الدكتور عثمان قدري مكانسي القسم الأول التخطيط واتخاذ الأسباب :[/CENTER] [/SIZE][/COLOR] [SIZE=5][COLOR=blue]العمل الارتجالي لا يُؤتي أُكُلَه كما لو كان مُعَدّاً إعداداً جيداً ومدروساً دراسة وافية ، معروفة أبعادُه وجدواه ومراحلُه . وكل عمل أو فكرة تخطر على البال لا بد أن تُخطط له تخطيطاً جيداً تراعي فيه الهدف منه وبدايتَه وإتمامَه وإيجابياتِه وسلبياتِه ، وإلا كان عملاً عشوائياً قد ينجح وقد يفشل . واحتمالات فشله أكبر .. وإن نجح فنجاحه مرحليّ أو غير مكتمل . وسورة يوسف تضع بين أيدينا نماذج من التخطيط الذي يؤدي إلى الوصول إلى الهدف المنشود ، سواء كان طيباً أم خبيثاً ، منها : - ما فعله إخوة يوسف حين شعروا أن أباهم يحبه أكثر مما يحبهم ، ويفضله عليهم ، فدبت الغَيرة في نفوسهم وقرروا التخلص منه ، فماذ يفعلون ؟! .. تدارسوا الأمر بينهم وقلّبوا الوجوه ، فقال بعضهم : " اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخْلُ لكم وجهُ أبيكم ، وتكونوا من بعده قوماً صالحين " .. تفكير شيطاني سهل لهم فكرة القتل ، فبعد جريمتهم يعودون أتقياء أنقياء! .. وكأن القتل لا يترك في القلب نكتة سوداء تؤرق صاحبَها إلى أن يموت . وقال بعضهم : " لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين " .. وهذه الفكرة أخف من القتل ، وإن كانت في حق الأخوّة قاسية جداً .. قلبوا وجوه الأمر فرأوا أن إلقاءه في الجب أسلمُ لهم ، ولن يؤرقهم كما لو أنهم قتلوه ... ثم جاءوا أباهم يقنعونه أن يسمح لهم باصطحاب يوسف في رحلة برية يتريّضون ويصطادون . وأكدوا له حرصَهم على أخيهم .. فلما أظهر الأب تخوّفه أن يتركوه – وهو صغير – فيعدو عليه الذئب في غفلة منهم فيأكله أقسموا أنهم لن يتركوه ، وإلا كانوا خاسرين، ليست فيهم صفات الرجولة والنباهة ... وكأن يعقوب عليه السلام لقّنهم حجّة هم بحاجة إليها يتعللون بها عند أبيهم ... وهكذا كان . [COLOR=green]" قالوا يا أبانا مالك لا تأمنّا على يوسف وإنا له لناصحون * أرسلْه معنا غداً يرتع ويلعب ْ وإنا له لحافظون * قال إنني ليَحزُنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون * قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذاً لخاسرون[/COLOR] " وحبكوا قصتهم ، ورتبوا مكرهم: " وجاءوا أباهم عشاءً يبكون * قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب ، وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ." فقد : 1- جاءوا أباهم عشاءً فلا يرى الغدر في عيونهم ، والكذب في أقوالهم . 2- بدأوا يبكون ، فشعر بالخطب الجسيم قبل أن يُلقوه على سمعه . 3- هيّأه بكاؤهم لتقبل المصيبة ، التي سيسمعها منهم . 4- تلطفوا له بالقول " [COLOR=green]يا أبانا [/COLOR]" ولهذا فائدتان : الفائدة الأولى أن هذه الكلمة للاستعطاف ليرق قلبه لهم فلا يعاقبهم . الفائدة الثانية : إيهامه صدقهم وحرصهم على أخيهم . 5- أسمعوه العذر الذي سمعوه منه في اعتذاره عن إرسال يوسف معهم " [COLOR=green]أكله الذئب [/COLOR]" 6- أنت لا تصدقنا مع أننا صادقون . 7- جاءوا بقميص يوسف ملطخاً بدم للتأكيد على أكل الذئب له . لكن هذا التخطيط المحكم نقضه خطأ كبير وقعوا فيه دون أن يشعروا حين : "[COLOR=green]وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون[/COLOR] ." كان القميص ملوثاً بدم لكنه لم يكن ممزقاً ، فالذئب الذي أكله كان ذكياً ! إذ جعله يخلع قميصه قبل أكله كي يستفيد منه إخوته! ... لقد كان التخطيط ناقصاً فيه ثغرة فضحتهم وعرف الأب ذلك ، فقال : هذا مكر دفعه إليكم نفوسكم الخبيثة . - وهذه امرأة العزيز تراود يوسف عن نفسه حين بلغ مبلغ الرجال ، وكان جميلاً وسيماً ، تتفجر الدماء من عروقه ، ويطفح وجهه إشراقاً ، فيأبى ذلك ويقول : " [COLOR=green]معاذ الله ، إنه ربي أحسن مثواي ، إنه لا يُفلح الظالمون[/COLOR] " فزوْجُها أكرمَ يوسفَ وتعهده بالرعاية ، فكيف يسيء إليه في عرضه وشرفه؟ ! لا يفعل ذلك إلا الخائنون الذين يجازون الإحسان بالسوء ، ويوسفُ ليس منهم . وانتشر الخبر بين نساء المدينة 1- امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه . 2- امتنع عليها وأذلّ كبرياءَها . والأمران وصمة عار عليها ، فأرادت أن تلجم أفواههنّ ، فماذا فعلتْ؟ 1- دعتهنّ إلى قصرها . 2- أكرمتهنّ بالطعام والفاكهة . 3- أمرت يوسف أن يخرج عليهنّ ، فخرج . 4- رأينه فائق الجمال ملَكاً يمشي على الأرض ، فدُهشن لهذا الجمال الأخّاذ . 5- لم يشعرن إلا والدماء تسيل من أصابعهنّ ، فقد أخذهنّ الإعجاب بجماله والدهشة لوسامته كل مأخذ فجرحن أيديَهنّ . 6- شعرت بالانتصار عليهنّ ، فعاتبتهنّ على ما قلن في حقها من تجريح لكرامتها وكبريائها . 7- حين رأت نفسها منتصرة عليهنّ ازدادت وقاحتها ، وباحت بمكنون صدرها لهنّ ، وأصرّت على تعلقها به والرغبة في وصاله ، وسيفعل ذلك شاء أم أبى ، وإلا كان السجن مصيره . وهذه خطة جهنّمية لا يفعلها إلا صاحب الكيد الذكي . "[COLOR=green]فلما سمعت بمكرهنّ أرسلت إليهنّ وأعتدت لهنّ متكأً ،وآتت كل واحدة منهنّ سكّيناً ، وقالت اخرج عليهنّ فلما رأينه أكبرْنه وقطّعن أيديَهنّ وقلن حاش لله ، ما هذا بشراً ، إن هذا إلا ملك كريم * قالت فذلكنّ الذي لمتنّني فيه ولقد راودتُه عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليُسْجنَنّ ، وليكونً من الصاغرين[/COLOR] " - ثم تأمل معي كيف خطط يوسف عليه الصلاة والسلام للخروج من السجن . بل كيف خطط الله تعالى له : 1- " [COLOR=green]وقال الملك ائتوني به[/COLOR] " وذلك بعد أن فسر حلم الملك في سبع بقرات سمان يأكلهنّ سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وآخر يابسات . 2- فهل أسرع يوسف عليه السلام للخروج من السجن إلى قصر الملك دون أن يظهر الحق ؟ إنه لا يريد أن يعفو عنه أحد إنما يريد أن يخرج من السجن ببراءته من كل اتهام ينقص قدره ، " [COLOR=green]فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديَهنّ إن ربي بكيدهنّ عليم[/COLOR] " 3- وعاد الرسول إلى القصر يخبر الملك أن يوسف مظلوم يريد أن يخرج من سجنه بريئاً والدليل عند النساء اللاتي دعتهنّ امرأة العزيز إلى قصرها قبل سبع سنوات فدعاهن الملك قائلاً " .. : [COLOR=green]ما خطبُكن إذ راودْتُنّ يوسفَ عن نفسه [/COLOR]" 4- فأقررْن بصدقه وبراءته حين " [COLOR=green]قلْنَ حاش لله ما علمنا عليه من سوء [/COLOR]" 5- وهنا اعترفت امرأة العزيز بخطئها إذ " قالت امرأة العزيز : [COLOR=green]الآن حصحص الحق . أنا راودتُه عن نفسه وإنه لمن الصادقين [/COLOR]. " 6- في المرة الأولى طلب الملك أن يراه فقط : أما حين ظهرت براءته عرف قدره وأكرمه وجعله مستشاره الخاص . فقد قال في الأولى " [COLOR=green]ائتوني به [/COLOR]" وزاد في الثانية " [COLOR=green]أستخلصه لنفسي [/COLOR]" 7- فلما رآه وكلمه عليه السلام أعجب الملك به – فلا بد من الاختبار . " [COLOR=green]فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين[/COLOR] . " 8- وهنا حين يكون المرء بريئاً وقدره عظيما يسعى أن ينتفع الناس بعلمه وقدراته ، فالمسلم خير وبركة للناس أجمعين . ومن رأى في نفسه المقدرة على خدمة الناس فليقدم نفسه دون خجل ولا مباهاة " [COLOR=green]قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم [/COLOR]" وهكذا كان تخطيط الله تعالى له فأخرجه من السجن إلى الصدارة . - وتعال معي نقف على التخطيط في استقدام يوسف أخاه" بنيامين" إلى مصر من بلاد الشام – فلسطين – : 1- جاء إخوة يوسف للميرة لا يدرون أن القدر ساقهم إلى من ألقوه في الجب ، ثم باعوه بثمن بخس لمن رآه فيه – على رواية من روى أنهم هم الذين باعوه للقافلة - " [COLOR=green]وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه وهم له منكرون [/COLOR]. " وهل يخطر ببالهم أن الذي بيع هو السيد الذي يعطي الناس ويعدل بينهم ؟! 2- لما أراد أن يرى أخاه الشقيق – ولم يكن معهم – أظهر تعجبه من كثرتهم ، وهم عشرة رجال . فقالوا : عند أبيهم رجل آخر ، فقال عند ذلك : جيئوا به لأراه ، فإن لم يجئ فلا كيل لكم عندي . " [COLOR=green]ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ، ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين ؟ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون [/COLOR]" وعلى هذا فإنهم - حسب ماظنوا – سيأتون العام القابل ومعهم أخوهم . وسيطلبون من أبيهم أن يصاحبهم أخوهم . وإلا خسروا الميرة ما دام هذا الوزير على رأس عمله . " [COLOR=green]قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون [/COLOR]" ونلمح الإصرار في قولهم " [COLOR=green]وإنا لفاعلون [/COLOR]" لينالوا حصتهم السنوية وليقوم بنيامين بالجهد الذي يقومون به ، فلمَ يظل مكرّماً عند أبيهم دونهم ؟! 3- لكن يوسف لن يصبر على غياب أخيه بنيامين ، وسيسرّع عودتهم فماذا فعل ؟ أمر فتيانه أن يضعوا ثمن ما أخذوه في رحالهم ، وحين يصلون ويفتحون متاعهم سيرون الثمن . ولأنهم من بيت النبوّة فلن يعتبروه غنيمة بل يعيدوه إلى يوسف سريعاً ، ولن يكون سفرهم لإعادة الثمن فقط إنما يغتنمون الفرصة ويعودون بميرة جديدة ، ولكنه لن يُمدهم بها إلا إذا كان أخوه بنيامين معهم .. إذن هي خطة محكمة تجعل يوسف عليه السلام يحظى بأخيه سريعاً .. " [COLOR=green]وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلّهم يرجعون[/COLOR] " 4- وهكذا سارت الخطة فنرى أبناء يعقوب يقولون لأبيهم : " [COLOR=green]يا أبانا مُنع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون[/COLOR] " 5- وزاد الطلب إصراراً حين فتحوا متاعهم ورأوا الثمن فيها فقالوا يرغّبون أباهم : " [COLOR=green]يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا رُدّت إلينا ونمير أهلنا ، ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير[/COLOR] " 6- ويطلب الأب المفجوع بابنه يوسف - والخائف على ابنه الثاني بنيامين أن يضيع مثل أخيه - العهودَ والمواثيق أن لا يعودوا إلا غانمين بإذن الله تعالى إلا أن يُحاط بهم ، وهذا الاستثناء استسلام لله تعالى وإقرار بأنه سبحانه يفعل ما يشاء ، وأن الغيب لا يعلمه سواه وأن يحافظوا على أخيهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً . 7- وأن لا يدخلوا من باب واحد خوفاً من الحاسدين ... ويعطونه المواثيق والعهود وينطلقون ببركة الله إلى مصر عاقدين العزم أن يكونوا عند حسن ظن أبيهم بهم . ونبه يعقوب عليه السلام أبناءه إلى أن الأمر كله بيد الله تعالى إلا أن على الإنسان أن يحتاط ويسلك سبيل الحذر ، وما قدر الله تعالى كائن لا محالة . والرسول الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستعاذة من الحسد ، فيقول : " [COLOR=magenta]أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامّة ، ومن كل عين لامّة [/COLOR]" كما يعلمنا أن نتعوذ من الشر كله " [COLOR=magenta]أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق [/COLOR]" ونزلت المعوّذتان : الفلق ، والناس تؤكدان ذلك : " [COLOR=green]قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق * ومن شر غاسق إذا وقب * ومن شر النفاثات في العقد * ومن شر حاسد إذا حسد[/COLOR] ". " [COLOR=green]قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس * من شر الوسواس الخناس * الذي يوسوس في صدور الناس * من الجِنّة والناس[/COLOR] ". ويقول الرسول الكريم في هذا الصدد:" [COLOR=magenta]علامَ يقتل أحدكم أخاه ؟! ألا بـَرّكـْتَ [/COLOR]( بارك الله فيك) [COLOR=magenta]إن العين حق ، توضّاْ له [/COLOR]" 8- وأخبر يوسف أخاه بنيامين أنه يوسف وأخبره بالخطة التي اعتزم أن ينفذها ليبقى عنده – ليطمئن ويكون عوناً له - ثم يأتي بالجميع إلى مصر فتتحقق رؤياه التي أخبر بها أباه " [COLOR=green]ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يفعلون [/COLOR]" 9- ولا بد من سبب وجيه يبقي أخاه عنده ، فليظهر أنه سرق المكيال ، ومن سرق المكيال يصبح عبداً للمسروق منه ، وهكذا كان " [COLOR=green]فلما جهّزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه [/COLOR]". 10- وتعال معي إلى الأدب في الاتهام فقد انطلقت القافلة لا يدري أحد ما يكون بعد انطلاقهم سوى يوسف وأخيه ... إنّ هناك من يناديهم بما ليس فيهم " [COLOR=green]أيتها العير إنكم لسارقون [/COLOR]" 11- عادوا مستغربين هذا الاتهام الخطير مستفهمين بأدب جم " [COLOR=green]ماذا تفقدون [/COLOR]" ولم يقولوا : ماذا سرقنا . وعلى المنادي أن يقول إنا افتقدنا ، فإذا وجدوا ما فقدوه في رحالهم قالوا لهم : أنتم سارقون . أما أن يتهموهم مباشرة فليس الاتهام دون دليل من الأخلاق . وقال المنادون " [COLOR=green]نفقد صواع الملك [/COLOR]" فتعلموا الأدب من أبناء يعقوب . 12- وزيادة في التعمية أظهروا أنهم لا يعرفون كيف فقدوه ، وجعلوا لمن يدلهم على السارق حمل بعير – هدية ومكافأة – " [COLOR=green]ولمن جاء به حمل بعير [/COLOR]" 13- فلما أنكر إخوة يوسف هذه التهمة لم يكن بد من تفتيش متاعهم . على أن يرضوا بمعاقبة السارق إن كان منهم بما تحكم شريعة يعقوب حيث يصبح السارق رقيقاً للمسروق منه " [COLOR=green]قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين ؟ قالوا جزاؤه من وُجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين[/COLOR] " وعلى المسلم أن يحكم بشرع الله الذي أنزل إليه . فأقر أبناء يعقوب بذلك . 14- ولكي لا يشك إخوته في العملية بدأ بتفتيش متاع إخوته ، وترك تفتيش بنيامين للأخير " [COLOR=green]فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه [/COLOR]" 15- وحين استخرج الصواع من وعاء أخيه بدا له أن إخوته مازالوا يكرهونه وأخاه بنيامين حين اتهموا يوسف ظلماً وهو أمامهم لا يعرفونه بأنه سارق أيضاً " [COLOR=green]إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل [/COLOR]" فكان من حسن تخطيطه وجمال صبره أن تماسك فلم يعرّفهم بنفسه ، ولم يعاقبهم على كذبهم وادّعائهم . بل قال جملة تنم عن شديد حزنه وألمه "[COLOR=green]أنتم شر مكاناً والله أعلم بما تصفون [/COLOR]" وهكذا بدأت القصة محبوكة خيوطها بإتقان أدى - بعد ذلك - إلى اعتراف الإخوة بخطئهم أمام يوسف ثم أمام أبيه ، وانطلق الجميع إلى مصر ليعيشوا في كنف الوزير الصالح يوسف بن يعقوب عليهما السلام . يتبع[/COLOR][/SIZE][/FONT][/B][COLOR=#696969] [/COLOR][/CENTER] |
تأملات تربوية في سورة يوسف/القسم الثاني/د.عثمان قدري مكانسي
[B][FONT="Arial"][SIZE="6"][COLOR="green"][CENTER]تأملات تربوية في سورة يوسف
د.عثمان قدري مكانسي القسم الثاني[/CENTER][/COLOR][/SIZE] [SIZE="5"][COLOR="blue"]1- أنزل الله تعالى القرآن على العرب بلسانهم كي يفهموه ويعقلوه " [COLOR="green"]إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون [/COLOR]" فهو سبحانه يريد أن يعلمنا : أ- أن على الداعية أن يكلم الناس بما يفهمون كي يستفيدوا منه ، ويقيم الحجة عليهم . ب- أن يتحملوا المسؤولية الملقاة على عاتقهم في نشر الدعوة ، فالعرب محركها الرئيسي ، والداعون الأوائل المعتمد عليهم في إيصال الدعوة إلى البشرية . 2- في قوله تعالى " [COLOR="green"]نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين [/COLOR]" أمور مهمة ، منها : أ – أن القرآن من عند الله تعالى وليس من عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فليس من المعقول أن يدّعي أحد معرفة الغيب ثم يخاطب نفسه بأنه كان من الغافلين ! ب – أن الناجح في دعوته ومهمته يختار أحسن القول ، وأوضحه في حديثه " .. [COLOR="green"]أحسن القصص [/COLOR].. " . ليجذب المدعوين ويشوقهم إلى دعوته . 3- إن الإنسان يستشير المحب القريب إلى النفس العطوف الذكي فيما يلم به من أمور ، ويستأنس لرأيه ، فيوسف يخبر أباه بما رأى في رؤياه الغريبة ، فيأتيه جواب الخبير محذراً من الحاسدين الكائدين " ... لا تقصص رؤياك على إخوتك " فما سبب الحذر أيها الأب الحبيب؟ يأتيه الجواب سريعاً " فيكيدوا لك كيداً " وما الحسد إلا نتاج الغيرة والشعور بالدونية ، والرغبة في الاستئثار بالخير ، فما هذه الرؤيا إلا الدليلَ على النبوة التي كان كل من إخوة يوسف يترقب أن يرثها عن أبيه يعقوب ، فإذا بأخيهم الصغير يحوزها دونهم . وسوف يقربه الله تعالى ويرفع مقامه ، " [COLOR="green"]ويعلمك من تأويل الأحاديث [/COLOR]" كي يكون المعلم القائد إلى الخير " [COLOR="green"]ويتم نعمته عليك [/COLOR]" ومقام النبوّة من أعظم النعم ، وسيحمل الرسالة التي حملها أبوه يعقوب ، وجده إسحاق ، وأبو الأنبياء إبراهيم جدُّ أبيه .... يا لها من مكانة عظيمة وصل إليها يوسف الصدّيق!! "[COLOR="green"]إن الشيطان للإنسان عدو مبين[/COLOR] " . 4- أما النفس فهي ثلاثة أنواع : أ- النفس المطمئنة : "[COLOR="magenta"]يا عمر ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك [/COLOR]" ب- النفس الأمارة بالسوء : وهي التي أسلمت للشيطان قيادها فهو يقودها حيث شاء ، ولا يتعب في إفسادها ، ولعلها مفسدة كالشيطان نفسه ، وصاحبها يعمل عمل الشيطان في الوسوسة والغواية " [COLOR="green"]قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس * من شر الوسواس الخناس * الذي يوسوس في صدور الناس * من الجنة والناس[/COLOR] " ج- النفس اللوامة : وهي التي يحاول الشيطان غوايتها ، فإن ظن أنه تمكن منها ، وشعرت أنها زلت استغفرت الله وتابت إليه ، فهذه أشد على الشيطان من الأخريين ، يقول : يا ويلتاه ، ضاع جهدي فيها هدْراً ، وقد أقسم الجليل بها " [COLOR="green"]لا أقسم بيوم القيامة * ،ولا أقسم بالنفس اللوامة [/COLOR] " وقد زينت نفوس إخوة يوسف السيئة – إذ ذاك – أن يتخلصوا منه ، ورأى أبوهم يعقوب الغدر في عيونهم حين قدموا عليه ليلاً بعد أن غدروا بأخيهم ، فقال لهم يستنكر تخطيطهم السيء " [COLOR="green"]بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً [/COLOR]" 5- لِمَ " ...[COLOR="green"]كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين[/COLOR]" 6- وتمر في ثنايا القصة كلمة " [COLOR="green"]ضلال [/COLOR]" وهي في هذه السورة لا تعني البعد عن الهدى والإيمان . إنها بمعنى الوقوع في الخطأ على الرغم من الهداية ، والحيدان عن التصرف السليم . فالأبناء يصفون حب أبيهم الزائد لابنه يوسف بالضلال " ... [COLOR="green"]إن أبانا لفي ضلال مبين[/COLOR] " وخطأ فادح واضح . كما أن الأب حين يقول " [COLOR="green"]إني لأجد ريح يوسف [/COLOR]..." كان ردهم الاستنكار والتسفيه " [COLOR="green"]تالله إنك لفي ضلالك القديم [/COLOR]" والنسوة اللواتي سمعن عشق امرأة العزيز فتاها يوسف ، استنكرن منها أن تحب خادمها ، وكان على امرأة في مثل مكانتها أن تحب رجلاً من سادات القوم ، فنعتنها بالضلال – الخطأ- " ... [COLOR="green"]امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حباً إنا لنراها في ضلال مبين [/COLOR]" وكل من يخالف بعضهم في تصرفاته يُتّهم بالضلال والوقوع في الخطأ . 7- إخوة يوسف – والكثير من الناس – يرون الأكثرية دائماً على صواب وغيرهم على خطأ ، وليس هذا بصحيح ، " [COLOR="green"]إذ قالوا ليوسف وأخوه أحبّ إلى أبينا منا ، ونحن عُصبة [/COLOR]... " ويؤكد القرآن الكريم خطأ هذه النظرة مرة أخرى حين يقول :" [COLOR="green"]وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله [/COLOR]" وينتصر القليل بصوابه على الكثير بخطئه " [COLOR="green"]كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله [/COLOR]" لأنها على الحق والله تعالى معها في دفع الباطل ومحاربته . وبهذا تسفّه الأكثرية الآخرين وتستضعف عقولهم " إن أبانا لفي ضلال مبين " 8- ثم يسعون - بناء على هذه القناعة- إلى أن يزيحوا الحق من الطريق بالسبل غير المشروعة بالقتل أو النفي أو التغييب " [COLOR="green"]اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يَخْلُ لكم وجه أبيكم [/COLOR] " 9- ثم نجدهم يصرّحون دون مواربة ، ولا خجل أنهم حين يصلون إلى هدفهم - وهو التخلص من يوسف - يصبحون صالحين وهم مخطئون كاذبون ، حين يرون الإجرام والطرق الملتوية في الوصول إلى المآرب متناسقة مع الفطرة السليمة ، وهيهات هيهات أن يجتمعا ، ولن تكون الميكيافيلية طريقاً إلى السعادة الحقيقية . ولم يكن سبيل الشر في يوم من الأيام وسيلة للوصول إلى تصحيح الخطأ . 10- لن أتجاوز الأدب مع مقام النبوة –بإذن الله تعالى – حين أكرر الحقيقة الساطعة في التعامل مع الأبناء ، فلا يجوز التفريق في المعاملة بين ولد وآخر ، ألم يقل أحد المربين يصف حبه أولادَه وإنما أولادنا بيننا .. * أكبادنا تمشي على الأرض لو هبّت الريح على بعضهم * لامتنعت عيني عن الغمض وقد سُئِل أحدهم : أي أبنائك أحب إليك ؟ قال :( الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يشفى ، والغائب حتى يعود ) .. إنه ينبغي معاملة الأبناء على قدم المساواة حتى لا يكره بعضُهم بعضاً ، ولكي يشعروا بمكانتهم عند أبويهم جميعاً ، فلا يحزن أحدهم ، ولا تضيق نفسه . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للبشير بن سعد حين جاءه ليشهد على أن البشير نحل ابنه النعمان بعض ماله دون غيره من الأبناء( [COLOR="magenta"]أفعلت هذا بأبنائك كلهمم[/COLOR]) ؟ قال لا، فقال صلى الله عليه وسلم ( [COLOR="magenta"]فأشهد على هذا غيري [/COLOR])، ثم قال : ( [COLOR="magenta"]أيسرك أن يكونوا في البر إليك سواء [/COLOR]) قال نعم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم ([COLOR="magenta"]اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم[/COLOR]) . أما يعقوب عليه السلام فقد مدحه المولى سبحانه وتعالى مع جده إبراهيم وأبيه إسحاق صلوات الله عليهم فقال في سورة (ص) : " [COLOR="green"]واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار * إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار * وإنهم عندنا لمن المصطَفَيْن الأخيار [/COLOR]" فلا نشك أن يعقوب عليه الصلاة والسلام كان نعم الأب الرحيم لأبنائه ، إلا أن أبناءه غير يوسف – عليه السلام - وأخيه كانوا منصرفين عن الحق في بعض تصرفاتهم ، مستمرئين الوقوع في الإثم ، وفي السورة دليلٌ ، من ذلك : أنهم لم يروا من اتخاذ القتل أو التغييب عيباً للوصول إلى غايتهم ، ورمَوا أخاهم في الجب يبغون هلاكه ، وكذبوا أمامه وهم لا يعرفونه حين وصفوه بالسرقة " [COLOR="green"]إن يسرقْ فقد سرق أخ له من قبل [/COLOR]" . أجمعوا " على طرحه في الجب " [COLOR="green"]فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب [/COLOR]" ونحن نعلم أن الأخوّة كنز ثمين يتراحم به الناس ، ويوسف عليه السلام حين رأى أخاه بنيامين آواه إليه و " [COLOR="green"]قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون [/COLOR]" . لكنّ الشيطان والنفس الأمارة بالسوء غطيا على عقولهم وأعميا أبصارهم . 12- والأب العارف بالله ،النبي الكريم يعقوب يعلم أنهم كاذبون بما ادعوا من أكل الذئب ابنه يوسفَ فالرؤيا التي رآها يوسف لا بد أن تتحقق ، ولا بد للابتلاء أن يكون ، ورفع الدرجات للصابرين صبراً جميلاً ، وصفة " الجميل " تعني الثبات على تحمل الشدائد ، والكمال في الصفات : " [COLOR="green"]فصبر جميل [/COLOR]" وهناك الهجر الجميل ، والتسريح الجميل والصفح الجميل ..... وهي صفات محببة إلى الله تعالى وإلى خلقه . وكان مما صبّر الله تعالى يوسف وهو في الجب أنه سينبئ إخوته بفعلتهم الشنيعة هذه وهم لا يشعرون بذلك " [COLOR="green"]وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون[/COLOR] " فعلم يوسف أنه في محنة سوف ينجيه الله منها ، فما عليه إلا أن يصبر . 13- دعاء رائع دعا به يوسف عله السلام ، وهو في الجب ، - يُقال : إن جبريل عليه السلام علمه إياه ليفرج الله تعالى كربته وينقذه مما وقع فيه ، نذكره – على ما يقال في صحة قصته ونسبته إلى الإسرائيليات ، فهو توجه صادق إلى الله تعالى : (اللَّهُمَّ يَا مُؤْنِس كُلّ غَرِيب , وَيَا صَاحِب كُلّ وَحِيد , وَيَا مَلْجَأ كُلّ خَائِف , وَيَا كَاشِف كُلّ كُرْبَة , وَيَا عَالِم كُلّ نَجْوَى , وَيَا مُنْتَهَى كُلّ شَكْوَى , وَيَا حَاضِر كُلّ ملإ , يَا حَيّ يَا قَيُّوم أَسْأَلك أَنْ تَقـْذِف رَجَاءَك فِي قَلْبِي , حَتَّى لا يَكُون لِي هَمّ وَلا شُغـْل غَيْرك , وَأَنْ تَجْعـَل لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجًا وَمَخْرَجًا , إِنَّك عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير). والدعاء مخ العبادة ، وعلامة العبودية لله تعالى وسبيل التذلل إليه . " [COLOR="green"]وقال ربكم ادعوني أستجِبْ لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين [/COLOR]" . 14- ولا ننسَ أنّ ما يُؤخذ بالقليل ، يُباع بالقليل ، فلما أخذه الواردون من البئر دون ثمن ، باعوه " [COLOR="green"]بثمن بخس دراهم معدودة ، وكانوا فيه من الزاهدين [/COLOR]" إن الآباء حين يبذلون قصارى جهدهم في تعليم أبنائهم الدين الحنيف ، ويربونهم عليه ، ويأطرونهم عليه ، فيكون الإسلام مدار حياتهم يتمسك الأبناء به ويجعلونه نبراسهم في كل أمورهم ، ويحافظون عليه حفاظ الشحيح على ماله والأم الرؤوم على ولدها . وحين يكون أثر الإسلام في نفوس الأبناء قشرة ضعيفة وغلالة رقيقة يهون عليهم ، فيضيّعونه غير آبهين ولا مهتمين بما يُحاك له ولهم . يتبع[/COLOR][/SIZE][/FONT][/B] |
تأملات تربوية في سورة يوسف/القسم الثاني/د.عثمان قدري مكانسي
[CENTER][B][FONT=arial][SIZE=6][COLOR=green][CENTER]تأملات تربوية في سورة يوسف
د.عثمان قدري مكانسي القسم الثاني[/CENTER] [/COLOR][/SIZE] [SIZE=5][COLOR=blue]1- أنزل الله تعالى القرآن على العرب بلسانهم كي يفهموه ويعقلوه " [COLOR=green]إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون [/COLOR]" فهو سبحانه يريد أن يعلمنا : أ- أن على الداعية أن يكلم الناس بما يفهمون كي يستفيدوا منه ، ويقيم الحجة عليهم . ب- أن يتحملوا المسؤولية الملقاة على عاتقهم في نشر الدعوة ، فالعرب محركها الرئيسي ، والداعون الأوائل المعتمد عليهم في إيصال الدعوة إلى البشرية . 2- في قوله تعالى " [COLOR=green]نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين [/COLOR]" أمور مهمة ، منها : أ – أن القرآن من عند الله تعالى وليس من عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فليس من المعقول أن يدّعي أحد معرفة الغيب ثم يخاطب نفسه بأنه كان من الغافلين ! ب – أن الناجح في دعوته ومهمته يختار أحسن القول ، وأوضحه في حديثه " .. [COLOR=green]أحسن القصص [/COLOR].. " . ليجذب المدعوين ويشوقهم إلى دعوته . 3- إن الإنسان يستشير المحب القريب إلى النفس العطوف الذكي فيما يلم به من أمور ، ويستأنس لرأيه ، فيوسف يخبر أباه بما رأى في رؤياه الغريبة ، فيأتيه جواب الخبير محذراً من الحاسدين الكائدين " ... لا تقصص رؤياك على إخوتك " فما سبب الحذر أيها الأب الحبيب؟ يأتيه الجواب سريعاً " فيكيدوا لك كيداً " وما الحسد إلا نتاج الغيرة والشعور بالدونية ، والرغبة في الاستئثار بالخير ، فما هذه الرؤيا إلا الدليلَ على النبوة التي كان كل من إخوة يوسف يترقب أن يرثها عن أبيه يعقوب ، فإذا بأخيهم الصغير يحوزها دونهم . وسوف يقربه الله تعالى ويرفع مقامه ، " [COLOR=green]ويعلمك من تأويل الأحاديث [/COLOR]" كي يكون المعلم القائد إلى الخير " [COLOR=green]ويتم نعمته عليك [/COLOR]" ومقام النبوّة من أعظم النعم ، وسيحمل الرسالة التي حملها أبوه يعقوب ، وجده إسحاق ، وأبو الأنبياء إبراهيم جدُّ أبيه .... يا لها من مكانة عظيمة وصل إليها يوسف الصدّيق!! "[COLOR=green]إن الشيطان للإنسان عدو مبين[/COLOR] " . 4- أما النفس فهي ثلاثة أنواع : أ- النفس المطمئنة : "[COLOR=magenta]يا عمر ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك [/COLOR]" ب- النفس الأمارة بالسوء : وهي التي أسلمت للشيطان قيادها فهو يقودها حيث شاء ، ولا يتعب في إفسادها ، ولعلها مفسدة كالشيطان نفسه ، وصاحبها يعمل عمل الشيطان في الوسوسة والغواية " [COLOR=green]قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس * من شر الوسواس الخناس * الذي يوسوس في صدور الناس * من الجنة والناس[/COLOR] " ج- النفس اللوامة : وهي التي يحاول الشيطان غوايتها ، فإن ظن أنه تمكن منها ، وشعرت أنها زلت استغفرت الله وتابت إليه ، فهذه أشد على الشيطان من الأخريين ، يقول : يا ويلتاه ، ضاع جهدي فيها هدْراً ، وقد أقسم الجليل بها " [COLOR=green]لا أقسم بيوم القيامة * ،ولا أقسم بالنفس اللوامة [/COLOR]" وقد زينت نفوس إخوة يوسف السيئة – إذ ذاك – أن يتخلصوا منه ، ورأى أبوهم يعقوب الغدر في عيونهم حين قدموا عليه ليلاً بعد أن غدروا بأخيهم ، فقال لهم يستنكر تخطيطهم السيء " [COLOR=green]بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً [/COLOR]" 5- لِمَ " ...[COLOR=green]كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين[/COLOR]" 6- وتمر في ثنايا القصة كلمة " [COLOR=green]ضلال [/COLOR]" وهي في هذه السورة لا تعني البعد عن الهدى والإيمان . إنها بمعنى الوقوع في الخطأ على الرغم من الهداية ، والحيدان عن التصرف السليم . فالأبناء يصفون حب أبيهم الزائد لابنه يوسف بالضلال " ... [COLOR=green]إن أبانا لفي ضلال مبين[/COLOR] " وخطأ فادح واضح . كما أن الأب حين يقول " [COLOR=green]إني لأجد ريح يوسف [/COLOR]..." كان ردهم الاستنكار والتسفيه " [COLOR=green]تالله إنك لفي ضلالك القديم [/COLOR]" والنسوة اللواتي سمعن عشق امرأة العزيز فتاها يوسف ، استنكرن منها أن تحب خادمها ، وكان على امرأة في مثل مكانتها أن تحب رجلاً من سادات القوم ، فنعتنها بالضلال – الخطأ- " ... [COLOR=green]امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حباً إنا لنراها في ضلال مبين [/COLOR]" وكل من يخالف بعضهم في تصرفاته يُتّهم بالضلال والوقوع في الخطأ . 7- إخوة يوسف – والكثير من الناس – يرون الأكثرية دائماً على صواب وغيرهم على خطأ ، وليس هذا بصحيح ، " [COLOR=green]إذ قالوا ليوسف وأخوه أحبّ إلى أبينا منا ، ونحن عُصبة [/COLOR]... " ويؤكد القرآن الكريم خطأ هذه النظرة مرة أخرى حين يقول :" [COLOR=green]وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله [/COLOR]" وينتصر القليل بصوابه على الكثير بخطئه " [COLOR=green]كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله [/COLOR]" لأنها على الحق والله تعالى معها في دفع الباطل ومحاربته . وبهذا تسفّه الأكثرية الآخرين وتستضعف عقولهم " إن أبانا لفي ضلال مبين " 8- ثم يسعون - بناء على هذه القناعة- إلى أن يزيحوا الحق من الطريق بالسبل غير المشروعة بالقتل أو النفي أو التغييب " [COLOR=green]اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يَخْلُ لكم وجه أبيكم [/COLOR]" 9- ثم نجدهم يصرّحون دون مواربة ، ولا خجل أنهم حين يصلون إلى هدفهم - وهو التخلص من يوسف - يصبحون صالحين وهم مخطئون كاذبون ، حين يرون الإجرام والطرق الملتوية في الوصول إلى المآرب متناسقة مع الفطرة السليمة ، وهيهات هيهات أن يجتمعا ، ولن تكون الميكيافيلية طريقاً إلى السعادة الحقيقية . ولم يكن سبيل الشر في يوم من الأيام وسيلة للوصول إلى تصحيح الخطأ . 10- لن أتجاوز الأدب مع مقام النبوة –بإذن الله تعالى – حين أكرر الحقيقة الساطعة في التعامل مع الأبناء ، فلا يجوز التفريق في المعاملة بين ولد وآخر ، ألم يقل أحد المربين يصف حبه أولادَه وإنما أولادنا بيننا .. * أكبادنا تمشي على الأرض لو هبّت الريح على بعضهم * لامتنعت عيني عن الغمض وقد سُئِل أحدهم : أي أبنائك أحب إليك ؟ قال :( الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يشفى ، والغائب حتى يعود ) .. إنه ينبغي معاملة الأبناء على قدم المساواة حتى لا يكره بعضُهم بعضاً ، ولكي يشعروا بمكانتهم عند أبويهم جميعاً ، فلا يحزن أحدهم ، ولا تضيق نفسه . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للبشير بن سعد حين جاءه ليشهد على أن البشير نحل ابنه النعمان بعض ماله دون غيره من الأبناء( [COLOR=magenta]أفعلت هذا بأبنائك كلهمم[/COLOR]) ؟ قال لا، فقال صلى الله عليه وسلم ( [COLOR=magenta]فأشهد على هذا غيري [/COLOR])، ثم قال : ( [COLOR=magenta]أيسرك أن يكونوا في البر إليك سواء [/COLOR]) قال نعم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم ([COLOR=magenta]اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم[/COLOR]) . أما يعقوب عليه السلام فقد مدحه المولى سبحانه وتعالى مع جده إبراهيم وأبيه إسحاق صلوات الله عليهم فقال في سورة (ص) : " [COLOR=green]واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار * إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار * وإنهم عندنا لمن المصطَفَيْن الأخيار [/COLOR]" فلا نشك أن يعقوب عليه الصلاة والسلام كان نعم الأب الرحيم لأبنائه ، إلا أن أبناءه غير يوسف – عليه السلام - وأخيه كانوا منصرفين عن الحق في بعض تصرفاتهم ، مستمرئين الوقوع في الإثم ، وفي السورة دليلٌ ، من ذلك : أنهم لم يروا من اتخاذ القتل أو التغييب عيباً للوصول إلى غايتهم ، ورمَوا أخاهم في الجب يبغون هلاكه ، وكذبوا أمامه وهم لا يعرفونه حين وصفوه بالسرقة " [COLOR=green]إن يسرقْ فقد سرق أخ له من قبل [/COLOR]" . أجمعوا " على طرحه في الجب " [COLOR=green]فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب [/COLOR]" ونحن نعلم أن الأخوّة كنز ثمين يتراحم به الناس ، ويوسف عليه السلام حين رأى أخاه بنيامين آواه إليه و " [COLOR=green]قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون [/COLOR]" . لكنّ الشيطان والنفس الأمارة بالسوء غطيا على عقولهم وأعميا أبصارهم . 12- والأب العارف بالله ،النبي الكريم يعقوب يعلم أنهم كاذبون بما ادعوا من أكل الذئب ابنه يوسفَ فالرؤيا التي رآها يوسف لا بد أن تتحقق ، ولا بد للابتلاء أن يكون ، ورفع الدرجات للصابرين صبراً جميلاً ، وصفة " الجميل " تعني الثبات على تحمل الشدائد ، والكمال في الصفات : " [COLOR=green]فصبر جميل [/COLOR]" وهناك الهجر الجميل ، والتسريح الجميل والصفح الجميل ..... وهي صفات محببة إلى الله تعالى وإلى خلقه . وكان مما صبّر الله تعالى يوسف وهو في الجب أنه سينبئ إخوته بفعلتهم الشنيعة هذه وهم لا يشعرون بذلك " [COLOR=green]وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون[/COLOR] " فعلم يوسف أنه في محنة سوف ينجيه الله منها ، فما عليه إلا أن يصبر . 13- دعاء رائع دعا به يوسف عله السلام ، وهو في الجب ، - يُقال : إن جبريل عليه السلام علمه إياه ليفرج الله تعالى كربته وينقذه مما وقع فيه ، نذكره – على ما يقال في صحة قصته ونسبته إلى الإسرائيليات ، فهو توجه صادق إلى الله تعالى : (اللَّهُمَّ يَا مُؤْنِس كُلّ غَرِيب , وَيَا صَاحِب كُلّ وَحِيد , وَيَا مَلْجَأ كُلّ خَائِف , وَيَا كَاشِف كُلّ كُرْبَة , وَيَا عَالِم كُلّ نَجْوَى , وَيَا مُنْتَهَى كُلّ شَكْوَى , وَيَا حَاضِر كُلّ ملإ , يَا حَيّ يَا قَيُّوم أَسْأَلك أَنْ تَقـْذِف رَجَاءَك فِي قَلْبِي , حَتَّى لا يَكُون لِي هَمّ وَلا شُغـْل غَيْرك , وَأَنْ تَجْعـَل لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجًا وَمَخْرَجًا , إِنَّك عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير). والدعاء مخ العبادة ، وعلامة العبودية لله تعالى وسبيل التذلل إليه . " [COLOR=green]وقال ربكم ادعوني أستجِبْ لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين [/COLOR]" . 14- ولا ننسَ أنّ ما يُؤخذ بالقليل ، يُباع بالقليل ، فلما أخذه الواردون من البئر دون ثمن ، باعوه " [COLOR=green]بثمن بخس دراهم معدودة ، وكانوا فيه من الزاهدين [/COLOR]" إن الآباء حين يبذلون قصارى جهدهم في تعليم أبنائهم الدين الحنيف ، ويربونهم عليه ، ويأطرونهم عليه ، فيكون الإسلام مدار حياتهم يتمسك الأبناء به ويجعلونه نبراسهم في كل أمورهم ، ويحافظون عليه حفاظ الشحيح على ماله والأم الرؤوم على ولدها . وحين يكون أثر الإسلام في نفوس الأبناء قشرة ضعيفة وغلالة رقيقة يهون عليهم ، فيضيّعونه غير آبهين ولا مهتمين بما يُحاك له ولهم . يتبع[/COLOR][/SIZE][/FONT][/B][/CENTER] |
تأملات تربوية في سورة يوسف/القسم الثالث/د.عثمان قدري مكانسي
[FONT=Arial][SIZE=6][/SIZE][/FONT]
[CENTER][FONT=Arial][SIZE=6][COLOR=green][B]تأملات تربوية في سورة يوسف القسم الثالث الدكتور عثمان قدري مكانسي[/B][/COLOR][/SIZE][/FONT][/CENTER] [SIZE=5][FONT=Arial][B][COLOR=blue]1- أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمعاملة الخدم والعبيد معاملة إنسانية طيبة ، فهم بشر مثلنا ، لهم أحاسيس ومشاعر، يسعدون للكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة ، ويألمون للكلمة السيئة وسوء المعاملة بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا باللطف في نداء الخادم والحديث عنه فقال : "[COLOR=magenta]لا يقل أحدكم عبدي وأمتي ولا يقولن المملوك ربي وربتي وليقل المالك فتاي وفتاتي وليقل المملوك سيدي وسيدتي فإنكم المملوكون والرب الله عز وجل [/COLOR]" فيدعو المالكُ مملوكه بـ : يا فتى ، وينادي المملوك ُمالكه : سيدي . كما أُمرنا أن لا نتميّز عنهم بطعام أو لباس " [COLOR=magenta]من لاءمكم من مملوكيكم فأطعموهم مما تأكلون ، واكسوهم مما تلبسون ومن لم يلائمكم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله [/COLOR]" . ونرى العزيز الذي اشترى يوسف عليه السلام عاقلاً يأمر زوجته ان تحسن إليه ، فقد يرد إليهما الإحسان إحساناً حين يكبر في دلهما إياه وحسن تصرفهما إزاءه ، وقد يتبنيانه إذا رأيا فيه الصلاح والنجابة " [COLOR=green]وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه ، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً[/COLOR] " وهكذا هيأ الله تعالى ليوسف الحياة الطيبة مع هذا الرجل الأريب الذي ظهر لنا رجاحة عقله في أمور منها ماقاله آنفاً في الإحسان إلى يوسف ، وحين تبين له خطأ زوجته وانكشاف أمرها ، فعقـّب " [COLOR=green]إنه من كيدكنّ إن كيدكنّ عظيم [/COLOR]" وحين طلب إلى يوسف أن يتجاوز الأمر ويتناساه فلا ينبغي أن يخرج الخبر إلى حيّز الإحراج والنيل من هيبة العزيز ، فأوحى بكلمة ( [COLOR=green]أعرض[/COLOR] ) إلى صدق يوسف إذ لم يتهمه ، إنما طلب إليه بتعطف أن يتجاوز الأمر . كما وبخ المرأة وطلب منها الاستغفار لخطئها العظيم ، حين جعلها من ( [COLOR=green]الخاطئين[/COLOR] ) لا الخاطئات فقط ، وهذا دليل على استعظامه الأمر وقوة توبيخه إياها " [COLOR=green]يوسفُ أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين [/COLOR]" كما أن كلمة ( [COLOR=green]الخاطئين[/COLOR] ) توحي بأن الزنا ذنب كبير وفاحشة عظيمة ، أفعله الذكور أم الإناث . 2- أعتقد أن في الآيات ما يؤكد أن يوسف الشاب لم يهم بها كما همّت به لأسباب ذكرت في معرض القصة تؤكد ذلك ، منها : أ- أنه الله تعالى وهبه حكمة تمنعه من السفاهة وعلماً بالحلال والحرام ، رفعه إلى رتبة الإحسان " [COLOR=green]ولما بلغ أشدّه آتيناه حكما وعلماً وكذلك نجزي المحسنين [/COLOR]" فالحكمة والعلم الحقيقيان حصن من الزلل، وأما الإحسان فأن تعبد الله كأنك تراه ، ومن كان يرى الله بقلبه وحاز الحكمة والعلم لم يهمّ ، ب- إذا أراد الله بالإنسان خيراً صرفه عن السوء والفحشاء ، فكيف إذا صرف الله تعالى السوء والفحشاء عن الإنسان؟! إنه إذاً لكريم على الله كثيراً ج- والمسلم السعيد يخلص لله في العبادة والالتزام ، حتى يصير مخلِصاً – ( اسم فاعل ) فإذا أخلص لله جعله الله من المخلَصين . فكيف إذا جعله الله ابتداءً مخلـَصاً ( اسم مفعول ) إنه لفضل عظيم من الله تعالى . د- ولولا تفيد امتناع حصول الشيء لوجود مضادِّه ، فلولا رؤية برهان ربه لهمّ بها ، فامتنع الهم لرؤية يوسف عليه السلام برهانَ ربه . " [COLOR=green]ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلـَصين [/COLOR]" هـ- واستباقهما الباب ، هي تلحق به لتمنعه من الخروج ، وهو يريد الهرب بنفسه ، فقدّت قميصه من دبر دليل على عدم الهم بها . 3- ويكون إصدار الحكم الصحيح بعد المعاينة ، ولا يجوز للعواطف والانفعالات أن تؤثر في القاضي النزيه ، فالمرأة حين خافت على نفسها الفضيحة أمام زوجها أسرعت بالدافع الأنثوي السريع ( والهجوم خير وسيلة للدفاع ) تتهم يوسف بالرغبة في الفحشاء وسوء الأدب وأنه لم يراع حرمة من آواه وأحسن إليه فحاول هتك عرضه وشرفه ، ثم تسارع إلى اقتراح العقوبة المناسبة : إما السجن أو العذاب . كما أنها لخبثها ودهائها أقرت العقوبة بطريقة الاستفهام " [COLOR=green]ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يُسجن أوعذاب أليم [/COLOR]؟ " وعلى المتهم البريء أن يدافع عن نفسه ، ولا يتخاذل أمام جبروت الظالم مهما كان الظالم ذا مكانة اجتماعية تفوقه ، أو له دلّ على المتهم ، فالحق يجب أن يظهر ، ومقارعة البهتان والظلم واجبة " [COLOR=green]قال هي راودَتـْني عن نفسي [/COLOR]" فلا بد إذاً من البينة التي تحق الحق وتبطل الباطل . وقد ظهرت البينة بتمزيق قميصه من الخلف ، أمسكت المرأة بقميصه بقوة تستبقيه وهو يسرع هارباً ، فتمزق من الخلف ، ولو كان يريدها وهي تأبى لتمزق القميص من الأمام . 4- القميص أمره عجيب ، وعليه دارت رحى القصة : فقميصه (الأول) الذي حمله إخوته إلى أبيهم لم يكن ممزقاً ، فكشف كذبهم وعرّاهم وبين تآمرهم . وقميصه (الثاني )الذي مزّقته امرأة العزيز من الخلف برّأه بإذن الله وكشف دعوى المرأة الكاذبة . وقميصه (الثالث) الذي حمله أحد إخوته إلى أبيه كان – بإذن الله- سبب عودة البصر إلى أبيه ، وقدوم الجميع إلى مصر ليلتئم الشمل . 5- لم تستنكر نساء الذوات أن تعشق المرأة منهن شاباً تقطف معه الثمرة المحرمة ، فهذا – في المجتمع الكافر – أمر عادي . إنما كان استنكارهن أن تتهاوى امرأة العزيز أمام خادم تملكه ، ومتى كانت نساء الطبقة الراقية يتعلقن بعبيدهنّ ، لقد أخطأت –إذاً – خطأ كبيراً ، وضلت ضلالاً بعيداً ... ولاكت ألسنتهنّ تعلقها بيوسف ، وافتضاح أمرها بينهن فصارت قصتهما مثار التفكه والتندّر . وأرادت ان ترغمهن وتقطع ألسنتهنّ ، فدعتهنّ إلى قصرها واستقبلتهنّ استقبالاً كريماً وقدمت لهن مالذ وطاب من جنيّ الفاكهة ، فلما انشغلن بذلك أمرت يوسف أن يدخل عليهنّ ، فلما رأين هذا الجمال الأخّاذ سحرهنّ وأخذ بألبابهنّ ، وطغى عليهن بهاؤه فجرحن أيديهنَ بالسكاكين دون أن يشعرن ، " [COLOR=green]وقلن حاشَ لله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم [/COLOR]" وهنا تغتنم امرأة العزيز الفرصة لتقول : إنكنّ رأيتنّه مرة واحدة فملك عقولكنّ وبهركنّ حسنه ، فلِمَ تلمنني فيه وهو بين يديّ كل صباح ومساء ، فأذوب في حبه ، وأحلم ليلي ونهاري بوصاله . ثم تجترئ – أمام تهافتهنّ -على طلب الفاحشة والإصرار عليها ، ويشاركنها بذلك فيطلبن منه ما طلبت . وزادت فحشاً حين هددته كرة أخرى بالسجن إن استعصم ، وأبى ، فينضممن إليها ويسألنه ذلك ، والدليل على ذلك قوله " [COLOR=green]وإلا تصرفْ عني كيدهن أصْبُ إليهنّ وأكنْ من الجاهلين[/COLOR] " وقوله في تحقق الملك منهنّ حين سألهنّ : " [COLOR=green]ما خطبكنّ إذ راودْتُنّ يوسف عن نفسه[/COLOR] ؟" 6- ويتعلق يوسف عليه السلام بحبل من الله قوي ، ويسأله السلامة من الفاحشة ، وأن يصرف عنه كيدهنّ ، وينجيه منهن ومن فسادهنّ ، فينقذه الله تعالى مما هو فيه . وليس للمؤمن من عياذ إلا بالله ولا ملجأ إلا إليه ، ولا اعتماد إلا عليه . فهو – سبحانه – الحصن الحصين والملجأ الأمين . إلا أن يوسف وهو تحت ضغط التهديد بارتكاب الفاحشة أوالسجن ، قال : " [COLOR=green]ربّ السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه [/COLOR].." ولم يختر النجاة منهما جميعاً: وَقد حُكِيَ أَنَّ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلام لَمَّا قَالَ : " [COLOR=green]رب السِّجْن أَحَبّ إِلَيَّ [/COLOR]" أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ " يَا يُوسُف ! أَنْتَ حَبَسْت نَفْسك حَيْثُ قُلْت السِّجْن أَحَبّ إِلَيَّ , وَلَوْ قُلْت الْعَافِيَة أَحَبّ إِلَيَّ لَعُوفِيت " . فعلى المسلم أن يسأل الله تعالى العافية والنجاة من كل بلاء . " [COLOR=green]إنه هو السميع العليم[/COLOR] " 7- مما يتألم له الإنسان الحر أن المفسدين المتنفذين غالباً ما يضحون بالأبرياء ليتخلصوا من آثار مفاسدهم ومخازيهم . إننا لنشم رائحة فجور النساء ينضم إلى صفاقة امرأة العزيز ، فيملأ خياشيم الرجال بنـَتـْن خطيئاتهنّ ، ولا يرى هؤلاء لوأد هذه الفضيحة سوى تغييب الضحية البريئة في أحد السجون فترة من الزمن فتنساه النساء أو تتناساه ، ولا يرين إليه سبيلاً فييئسن منه . وهكذا يدفع الطاهر العفيف ثمن طهره وعفافه ، سجناً وألماً وغصة ، نرى هذا في عالمنا السياسي حيث يُلقى الحر في السجون والمعتقلات ، أو يحكم عليه بالموت لأنه أبى الدنية ورفض الذل والتمرغ في أوحال الخيانة والعمالة ، وفي حياتنا الاقتصادية ،إذ يتسنم المسؤولية حيتان المال ، يذللون القوانين لتكديسه في أرصدتهم، ويتخمون به على حساب الفقراء الذين لا يجدون ما يسد رمقهم . فإذا زكمت رائحتهم الأنوف وانكشف أمرهم تنصلوا من المسؤولية ودفعوا صغار عملائهم ضحايا لصوصيتهم ... 8- يغتنم الداعية الفرص السانحة لإيصال دعوته للناس ، ويستمر في أداء مهمته في كل الظروف والأحوال . فيوسف عليه السلام كان داعية فيمن حوله حين كان حراً يتنقل بين القصور وفي الأسواق والتجمعات ، ولا يتوقف عن هذا حين يدخل السجن ، فيخدم هذا ويساعد هذا، ويخفف الأسى عن ذاك . حتى لقب بيوسف الصديق وعرف بالإحسان بين المسجونين...يسألونه ويستشيرونه ، ويستفتونه ، وهو يدعوهم إلى عبادة الله ويجيبهم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً . يسأله فـَتـَيان عن رؤياهما ، ويجلسان بين يديه ينتظران التأويل ، فيعرض عليهما الإيمان بالله الواحد ونبذ الشرك ، وأن علمه الذي ينشره بن الناس من فضل الله تعالى الواحد الأحد، ويعرّفهم على سبيل الصالحين قبله . ولا بد من سلوك سبيل الإقناع في الدعوة ، وهذا ما فعله يوسف عليه السلام الداعية الذكي ، إذ بدأ يقارن بين الصواب وإيجابياته والخطأ وسلبياته ، " [COLOR=green]أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار [/COLOR]" وينتقل إلى الحديث عن فساد الكون لوكان فيه أكثر من إله " [COLOR=green]لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا[/COLOR] " ويطنب في الحديث لأن الفتيين خاليا الذهن مما يقول فلا بد من تفصيل الفكرة والإسهاب فيها ، فيقول : بنجم الفساد عن تنافس الشركاء ، وتفرقهم بعد الخصام ، ولعل بعضهم أقوى من بعض فيعلو القوي على من هو أضعف منه " [COLOR=green]إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض[/COLOR] ..." فإذا ما دعاهم إلى الإيمان بالله الواحد والتسليم له سبحانه يعرض لما يسألون ويوضح لهم ما يستفتون . 9- ولعل يوسف عليه السلام حين قال للساقي الذي نجا وعاد إلى خدمة الملك " [COLOR=green]اذكرني عند ربك [/COLOR]" وبين له أن في السجن مظلوماً لم يرتكب ذنباً . ولعل هذا القول من يوسف في بسط القول ، والبحث عن الحق ، فكانت العقوبة لسيدنا يوسف حين توسط للمخلوق بالمخلوق ( توسط للملك بالساقي ) فأنسى الشيطان الساقي ما طلبه يوسف عليه السلام منه ، ولم أرتح لمن قال : إن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله واللجوء إليه ، فليس للشيطان سبيل على الأنبياء .. إنه اجتهاد من يوسف أخطأه حين التمس النصرة من البشر ، فلبث في السجن سبع سنوات " [COLOR=green]فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين [/COLOR]" . 10 – من الأدب في إبداء الرأي أن الملك حين رأى سبع بقرات هزيلة تأكل سبع بقرات سمان ، وسبع سنابل يابسات تأكل سبع سنابل خضر استفتى العارفين وأصحاب المشورة فقال : " [COLOR=green]يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي[/COLOR] " . وهذا يذكرنا بقول بلقيس : " [COLOR=green]يا أيها الملأ أفتوني في أمري[/COLOR] " فماذا كان من أهل العلم والمشورة؟ أ- اعترفوا بعدم العلم ، وهذا عين الصواب ، فما ينبغي لأحد أن يفتي بغير علم . ب- لكنْ لابد من إبداء الرأي ، فقالوا " [COLOR=green]أضغاث أحلام [/COLOR]" . جـ- ولم يدّعوا أنْ لا تأويل لها ، ولعلهم أرادوا محوها من نفس الملك كي لا ينشغل بها . د- بعض الناس قالوا : إن الرؤيا أول ما تعبّر ، وليس صحيحاً ، فبعد أن قالوا : أضغاث أحلام أوّلها يوسفُ عليه السلام . 11- ومن الأدب كذلك أن تعرف حق العلماء من التوقير والاحترام ، وهذا ما رأيناه عند الساقي حين التقى يوسف عليه السلام في السجن فكلمه بـ " [COLOR=green]يوسف أيها الصدّيق [/COLOR]" ، إن إكرام العلماء من إكرام العلم . وقد نرى في قول الساقي " [COLOR=green]لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون [/COLOR]" أن من معاني يعلمون " التعبيرللرؤيا ، فيعلمون قدر يوسف ، فيبحثون أمره وينصفونه " . 12- الكرامة والعزة من صفات المسلم ... طلب الملك رؤية يوسف ، بل أمر بإخراجه من السجن وقال : " [COLOR=green]ائتوني به[/COLOR] " وكان ليوسف أن يخرج من السجن فقد جاءته الفرصة السانحة . إلا أنه دخل السجن بتهمة شنيعة هو بريء منها ، ولن يخرج بعفو أحد ولوكان الملكَ . إنه يريد أن يخرج طاهراً عفيفاً بريئاً من كل تهمة شائنة . وتعجب الملك والناس ... ووقر في نفوسهم أن الرجل صادق ، فلا بد من البحث عن حقيقة سجنه وتعترف النساء بعد سبع سنين بالحقيقة " [COLOR=green]قلن حاشَ لله ما علمنا عليه من سوء[/COLOR] " وأقرت امرأة العزيز بذنبها ، وشهدت بصدق يوسف عليه السلام " [COLOR=green]قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين[/COLOR] " فيرتفع صوت الصدّيق يوسف وهو في السجن معلناً أنه الأمين الذي لم يخن من رباه وأمنه على عرضه وماله " [COLOR=green]ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وان الله لا يهدي كيد الخائنين[/COLOR] " وهنا يأمر الملك بإحضاره ليجعله مستشاره الشخصي " [COLOR=green]ائتوني به أستخلصْه لنفسي [/COLOR]" فزاد على الجملة الأولى " [COLOR=green]أستخلصه لنفسي [/COLOR]" ولما مثل بين يديه اختبره ، فكلمه ، فأعجب به فقربه إليه " [COLOR=green]فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين[/COLOR] " المكين في مكانته ومنزلته ، الأمين في مشورته ورأيه . 13- هل يجوز للمسلم أن يطلب الإمارة ؟ فهو إما أن يكون أهلاً لها أو لايكون ... فإن لم يكن أهلاً لها فهو خائن لله ولرسوله وللمؤمنين يريد ان يتبوّأ عملاً ، فيفسده . وإن كان أهلاً لها وطلبها فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي موسى الأشعري : " [COLOR=magenta]لا نستعمل على عملنا من أراده [/COLOR]" وقال لعبد الرحمن بن سمرة " [COLOR=magenta]يا عبد الرحمن ؛ لا تسأل الإمارة ، فإنك إن أعطيتَها عن مسألة وكلْتَ إليها ، وإن أُعطيتَها عن غير مسألة أُعنتَ عليها[/COLOR] " وكان أبو موسى الأشعري من أهلها إذ كان أميراً على الكوفة لعمر رضي الله عنهما . أما يوسف عليه السلام فقد قال للملك :" [COLOR=green]اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم [/COLOR]" لأسباب منها : أ- أنه نبي ، والنبي قائد وأسوة ومعلم ، وهو أولى الناس بتحمل المسؤولية . ب- أنه المسلم الأول في مصر وليس هناك غيره يفعل فعله . جـ - أنه صاحب التأويل ، وهو أولى الناس بتنفيذ ما أوّله ... والله أعلم . ومع ذلك لاننسَ قول النبي صلى الله عليه وسلم " [COLOR=magenta]رحم الله أخي يوسف لو لم يقل : اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكنْ أخّر ذلك عنه سنة [/COLOR]" عن القرطبي في تفسيره يتبع[/COLOR] [/B][/FONT][/SIZE] |
الله يعطيك الف عافيه جميل ومميز ماكتبت .
|
| الساعة الآن »01:31 PM. |
Powered by vBulletin Copyright ©2000 - 2026 Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة - فقط - لأهل السنة والجماعة