![]() |
الإعجاز القرآني البلاغي
[B][SIZE="5"][COLOR="Blue"][FONT="momaiz"]يأتي على قمّة الدّارسين لقضية الإعجاز القرآني في هذه المرحلة، الإمام عبد القاهر الجرجاني ( المتوفي سنة 471 هـ )، فقد كانت دراساته البلاغية في مجملها، تنطلق من إحساس عميق، بأنّ قضيّة الإعجاز القرآني يجب أن تحتلّ المقام الأوّل في اهتمامات العلماء، وأنّ إدراك الإعجاز القرآني لا يتم إلا ّبدراسة متأنية واعية لخصائص التعبير، التي تجعل بعضه يعلو بعضاً، حتى يصل إلى درجة تنقطع عندها الآمال في معارضته، وهي درجة (الإعجاز ).
وآراء عبد القاهر حول الموضوع موزعة في كتبه البلاغية وأهمّها: دلائل الإعجاز، والرّسالة الشافية، وأسرار البلاغية. ويمكننا أن نختصر آراءه حول القضية في ثلاثة موضوعات أساسيّة تدور حولها دراساته في كتبه كلها. [/FONT][/COLOR][/SIZE][/B] [U][I][B][RIGHT][FONT="waragah"][COLOR="Magenta"][SIZE="6"]أوّلها:[/SIZE][/COLOR][/FONT][/RIGHT][/B][/I][/U] أنّ القرآن معجز ببلاغته. [B][I][U][RIGHT][FONT="waragah"][SIZE="6"][COLOR="Magenta"]ثانيها: [/COLOR][/SIZE][/FONT][/RIGHT][/U][/I][/B] أنّ بلاغة القرآن في نظمه، فإعجازه في نظمه. [B][I][U][RIGHT][FONT="waragah"][SIZE="6"][COLOR="Magenta"]ثالثها:[/COLOR][/SIZE][/FONT][/RIGHT][/U][/I][/B] بيان طبيعة النظم وماهيته. وسنحاول ـ إن شاء الله ـ أن نتتبّع هذه الموضوعات الموزعة في كتبه، ونبرز جوانبها المتعددة، بما يجعلها صورة دقيقة لآرائه في القضية. [B][I][U][FONT="rawa"][COLOR="YellowGreen"][SIZE="6"]أوّلاً:[/SIZE][/COLOR][/FONT][/U][/I][/B] [COLOR="Olive"][RIGHT][B][U][FONT="momaiz"][SIZE="6"] القرآن الكريم معجز ببلاغته[/SIZE][/FONT][/U][/B][/RIGHT][/COLOR] [B][RIGHT][FONT="momadad"][SIZE="5"][COLOR="Blue"] يمهّد عبد القاهر لإثبات ذلك بذكر بعض الحقائق التي يؤدّي التسليم بها إلى التسليم بأنّ القرآن الكريم معجز ببلاغته فيقول: ( معلوم أنّ سبيل الكلام سبيل ما يدخله التفاضل، وأنّ للتفاضل فيه غايات ينأى بعضها عن بعض، ومنازل يعلو بعضها بعضاً، وأنّ علم ذلك علم يخصّ أهله، وأنّ الأصل والقدوة فيه للعرب، ومن عداهم تبع لهم، وقاصر عنهم فيه. وأنه لا يجوز أن يدعى للمتأخرين من الخطباء والبلغاء عن زمن النبي ـ صلى الله عليه وسلم الذي نزل فيه الوحي، وكان فيه التحدي، أنهم زادوا على أولئك الأولين، أو كملوا في علم البلاغة أو تعاطيه ما لم يكملوا له... والأمر في ذلك أظهر من أن يخفى، أو ينكره جاهل أو معاند. وإذا نظرنا في دلائل أحوال العرب الذين نزل فيهم القرآن وفي أقوالهم حين تلي عليهم وتحدّوا بأن يأتوا بمثله، وجدنا أحوالهم وأقوالهم تفصح بأنهم لم يشكوا في عجزهم عن معارضته والإتيان بمثله ولم تحدّثهم أنفسهم بأنّ لهم إلى ذلك سبيلاً على وجه من الوجوه. ثم يورد عبد القاهر بعد ذلك من أقوال العرب الذين نزل فيهم القرآن وأحوالهم ما يؤكد هذه الحقيقة. على نحو ما سبق به من أقوال العلماء، التي أشرنا إليها قبل ذلك. وبعد أن يصل إلى هدفه من إثبات ذلك بأقوالهم أنفسهم وبمناقشة من أتى بعدهم، وإبطال دعواهم المشككة في بلاغة القرآن من ادّعاء ( الصّرافة ) وغيرها، ينتقل إلى النقطة التالية وهي: ـ إنّ بلاغة القرآن في نظمه، فإعجازه في نظمه. وهنا يذكرنا عبد القاهر، بأنّ المزيّة التي يعود إليها تقدّم كلام على كلام في البلاغة، إنما تدرك بالفكر. ويتوصل إليها بإعمال النظر وبذل الجهد. فهل يمكن أن يكون في الكلمات المفردة ما يدرك ويستنبط بالرّؤية والجهد، إنّ الكلمات إرث مشاع، لكل قائل أن يأخذ منها ما يحقق غرضه. وكذلك لا يجوز أن يكون الإعراب من الوجه التي تظهر بها المزيّة، وذلك لأنّ العلم بالإعراب مشترك بين العرب جميعاً، فليس أحدهم أعلم من غيره بأنّ إعراب الفاعل الرفع أو المفعول النصب. ومن العجيب: أننا إذا نظرنا في الإعراب، وجدنا وجه التفاضل فيه محالاً لأنه لا يتصوّر أن يكون للرّفع والنصب في كلام مزية عليهما في كلام آخر وإنما الذي يتصور أن يكون معنا كلاماً قد وقع في إعرابهما خلل، ثمّ كان أحدهما أكثر صواباً من الآخر، وكلاماً قد استمر أحدهما على الصواب ولم يستمر الآخر، ولا يكون هذا تفاضلاً في الإعراب، ولكن تركا له في شيء واستعمالاً له في آخر. وكذلك لا تعود الفضيلة في الكلام بأن يكون المتكلم قد استعمل من اللغتين في الشيء أصحهما وما يقال أنها أفصحهما، ولا بأن يكون قد استعمل الغريب من الألفاظ، لأنه العلم بجميع ذلك لا يعدو أن يكون علماً باللغة، وبأنس الكلم المفردة، وبما طريقة الحفظ، دون أن يستعان عليه بالنظر وإعمال الفكر. وإذا كانت المزيّة التي توجب تقدّم الكلام على غيره، لا تعود إلى شيء ممّا ذكر، فلا شك أنها تقود إلى النظم وصياغة العبارة، فذلك هو الجانب الوحيد الذي يحتاج إلى الفكر وبذل الجهد ثمّ أننا نعلم أنّ تفضيل الكلام على غيره ووصفه بالفصاحة والبلاغة إنما يعود لأمر أحدثه في الكلام وشيء كان له جهد فيه، وإذا كان كذلك فينبغي أن ننظر إلى المتكلم، هل يستطيع أن يزيد من عند نفسه شيئاً في اللفظ ليس في اللغة حتى يجعل من صنيعه مزية يعبّر عنها بالفصاحة. إذا نظرنا وجدنا أنه لا يستطيع أن يصنع باللفظ شيئاً أصلاً ولا أن يحدث فيه وصفاً، كيف وإنه أفسد على نفسه وأبطل أن يكون متكلماً، لأنه لا يكون متكلماً حتى يعمل أوضاع اللغة على ما وضعت عليه فلم يبق للمتكلم شيء ينسب إليه سوى طريقة نظم العبارة أو صياغة الفكرة في ألفاظ، عن طريق تعليق الكلمات ببعضها البعض وفق معاني النحو لتصبح صورة للمعنى في نفسه. وهذا يجيء الدّور على بيان مفهوم النظم وماهيته. وجوهر النظم عند عبد القاهر، أن تصاغ العبارة بطريقة تفصح تماماً عمّا في نفس قائلها، وتكشف عمّا يريد أن يوصله إلى مخاطبة، ولا يتمّ ذلك إلا ّإذا كانت عبارته صورة للمعنى القائم في نفسه فالمتكلم في صياغته للعبارة، إنما يقتفي أثر المعنى في نفسه، ويرتب عبارته حسب ترتيب المعنى، فالبليغ صانع، له من صناعته بمقدار ما بذل من جهد في سبيل صناعة أسلوب جميع، وعليه أن يختار أسلوب العرض المناسب، الذي يتضمن من الخواص ما يكون مطابقاً للمعنى القائم في نفسه، بدءاً من اختيار الألفاظ التي هي ألصق بالمعنى من حيث معناها اللغوي، ودلالاتها المتعدّدة بجرسها وإيحاءاتها التي اكتسبها طوال استعمالها في أذهان مستمعيها، ومروراً باختيار الصّيغة لمطابقتها بخواصّها لدقائق جوانب المعنى وخرافية، وانتهاء بإبراز في الصّورة المناسبة لما يقتضيه المقام، ومن هنا كان اختلاف الأدباء في عرض المعاني والتعبير عنها. ذلك لأنّ المعنى الواحد تتعاقب عليه الصّور، ويصوغه كلّ أديب في صورة فيها من السّمات والخصائص ما يبرّر نسبتها إليه دون سواه، وإن كان أصل المعنى أو الغرض العامّ واحداً في الجميع، وتتفاوت هذه الصّور في الجمال بمقدار التوفيق في المؤاخاة بين المعنى والصّورة الدّالة عليه. وشواهد ذلك حاضرة، ننظر إلى قول الناس: الطبع لا يتغيّر. فترى فيه معنى عامياً غفلاً معروفاً في كل جيل، ثم ننظر إلى قول المتنبي: [FONT="Mudir MT"][B][U][COLOR="Red"][SIZE="6"][FONT="mozakraf"]يراد من القلب نسيانكم *** وتأبى الطباع على الناقل[/FONT][/SIZE][/COLOR][/U][/B][/FONT] هذا، وقد لقيت آراء عبد القاهر ما هي أهل له، من قبول العلماء الذين تلقوها، وهيّأ الله منهم من تكفل بالجانب التطبيقي لها، وعلى رأسهم الإمام جار الله الزمخشري ( المتوفى سنة 538) في كتابه تفسير القرآن الذي سماه ( الكشاف عن حقائق التنزيل، وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، والذي أصبح منهلاً ينهل منه الباحثون عن أسرار الإعجاز القرآني. كما هيّأ له من ضبط ولمَّ شعثها وضبط قواعدها. وترتيب أبوابها وعلى رأس هؤلاء: الفخر الرازي في كتابه ( نهاية الإيجاز في دراسة الإعجاز ). غير أنّ الرازي في محاولته لضبط آراء أستاذه غلبت عليه طبيعته المنطقيّة الفلسفيّة، فبدت واضحة في عمله. ووقع في خطإ أفسد ما حاول إصلاحه، فآراء عبد القاهر على ما بها من توزع في مواطن معالجتها، وإطناب في محاولة الإقناع بها، كانت تساق في أسلوب أدبي يخاطب الوجدان والذوق، ويبرز أسرار جمال التعبير بأسلوب رقيق شفاف يستهوي القلوب. أمّا الرازي، فقد أحال الأمر إلى مجال للجدل المنطقي، وتتبّع لما توجبه القسمة العقلية للآراء فتتابعت تقسيماته للموضوعات إلى عشرات الأبواب ومئات الفصول، وأمثالها من القواعد والتنبيهات التي يصل القارىء في تتبعها. وهذا المسلك الذي اختطه الرّازي ظل طوال قرون مسيطراً على عقول الباحثين، فساروا خلفه مستسلمين، يتبارون داخل دائرة مغلقة لا تجد في ثناياها غير تلخيص كتاب، ثمّ إعادة للتلخيص، فحاشية على الشرح، ثمّ تعليق على الحاشية، إلى آخر هذه السّلسلة العقيمة التي لا تتضمّن، على الرّغم ممّا بها من جهد عقلي خارق وقدرة مذهلة على الحجاج ـ لا تتضمّن شيئاً ممّا كانت البلاغة أحوج ما تكون إليه لتؤدّي دورها في صقل المواهب وتنمية الملكات القادرة على الإحساس بجماليات التعبير وتذوّق محاسنه. وتطاول الزمن دون أن يتغيّر هذا المنهج في البحث، حتى أذن الله تعالى لهذه الأمّة أن تفيق من غفوتها، وأن تنفض عنها الكثير من المعوقات التي تشلّ حركتها. وعلى أيدي روّاد النهضة فبعثت من جديد كتب عبد القاهر ورجال مدرسته، التي يتسم منهجها باستلهام النصوص الأدبيّة وأسرارها. وعرض خواطر العلماء ونظراتهم في تلك النصوص بأسلوب مشرق مضيء يستهوي الدّارس، ويضع يده على موطن جماله، ويفصح عن سرّ سموّه. وسنختار علماً من هؤلاء كنموذج لمن تعرّض لقضية الإعجاز القرآني في العصر الحديث، وهو المرحوم الدكتور / محمد عبد الله دراز، وكتابه ( النبأ العظيم ). يعتبر كتاب ... النبأ العظيم... كتاباً فريداً في منهجه الذي اتبعه في دراسة هذه القضية والإقناع بها لأنه كما يقول مؤلفه: حديث يبدأ من نقطة البدءـ فلا يتطلب من قارئه انضواء تحت راية معينة، ولا اعتناقاً لمذهب معين، ولا يفترض فيه تخصّصاً في ثقافة معيّنة، ولا حصولاً على مؤهّل معيّن، وإنما يناشد القارىء فقط أن يعود بنفسه صحيفة بيضاء إلا ّمن فطرة سليمة ورغبة صادقة في الوصول إلى الحقّ وسوف يأخذ المؤلف بيد القارىء مجتازاً به مراحل البحث التي يسلم بعضها إلى بعض في رفق وأناة يصل إلى نهاية المطاف الذي لا يسع القارىء إلا ّ التسليم به. ويتضمّن الكتاب بحوثاً تتضمّن مرحلتين متتابعتين في البحث[/COLOR][/SIZE][/FONT][/RIGHT][/B]. [B][I][U][RIGHT][COLOR="YellowGreen"][SIZE="6"][FONT="tohfah"][COLOR="DarkOrange"]الأولى: [/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR][/RIGHT][/U][/I][/B] [B][RIGHT][FONT="momadad"][SIZE="5"][COLOR="Blue"]دراسة تمهيدية خارجة عن جوهر القرآن نفسه، هدفها الوصول إلى أنّ القرآن الكريم إلهي المصدر، وليس للرّسول صلى الله عليه وسلم فيه إلا ّالحفظ ثم ّالحكاية والتبليغ ثم ّالبيان والتفسير ثمّ التطبيق والتنفيذ.[/COLOR][/SIZE][/FONT][/RIGHT][/B] [B][I][U][RIGHT][FONT="tohfah"][SIZE="6"][COLOR="DarkOrange"]المرحلة الثانية:[/COLOR][/SIZE][/FONT][/RIGHT][/U][/I][/B] [B][RIGHT][FONT="momadad"][SIZE="5"][COLOR="Blue"]دراسة في جوهر القرآن نفسه هدفها إثبات الإعجاز القرآني من أي النواحي اتجهنا إليه سواء في ذلك ناحية أسلوبه أو ناحية علومه ومعارفه أو ناحية اثره الذي أحدثه في العالم وغيّر به التاريخ. أمّا عن إثبات أنّ القرآن الكريم إلهي المصدر، فيرى الدكتور / دراز: أنه لا خلاف على أنّ القرآن الكريم جاء على لسان رجل عربيّ أمّيّ ولد بمكة، هو محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم أمّا من أين جاء به محمّد صلى الله عليه وسلم أمّن عند نفسه ووحي ضميره أم من عند معلم ومن هو هذا المعلم؟ فهذا مات يحتاج إلى بيان. و ذلك أنّ القرآن صريح في أنه لا صنعة فيه لمحمّد صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الخلق، وإنما هو منزل من عند الله لفظه ومعناه. قال تعالى: « إنا أنزلناه قرآناً عربياً ». وقال سبحانه لنبيه: « قل ما يكون لي أن أبدّله من تلقاء نفسي، إن أتبع إلا ما يوحى إليّ » والمعروف أنّ كثيراً من الأدباء يسطون على آثار غيرهم فيسرقونها، أمّا أنّ أحداً ينسب لغيره أنفس آثار عقله وأغلى ما تجود به قريحته فذلك ما لم يلده الدهر. وقد يحيك في صدر جاهل: أنّ هذا الزعيم قد نسب القرآن إلى الوحي الإلهي، لأنه في ذلك ما يعنيه على تحقيق غرضه من استجابة الناس له، ونفاذ أمره فيهم. لكن علينا أن نتذكر أموراً تمحو هذه الشبهة:[/COLOR][/SIZE][/FONT][/RIGHT][/B] [B][I][U][FONT="wadhih"][SIZE="6"][COLOR="Magenta"][RIGHT]أوّلها:[/RIGHT][/COLOR][/SIZE][/FONT][/U][/I][/B] [B][FONT="momadad"][SIZE="5"][COLOR="Blue"][RIGHT]أنّ صاحب هذا القرآن قد صدر عنه الكلام المنسوب إلى نفسه، والكلام المنسوب إلى الله تعالى، فلم تكن نسبة ما نسبه إلى نفسه بناقصة من لزوم طاعته شيئاً، ولا نسبة ما نسبه على ربّه بزائدة فيه شيئاً، بل استوجب على الناس طاعته فيهما على السواء فكانت حرمتهما في النفوس على سواء.[/RIGHT][/COLOR][/SIZE][/FONT][/B] [B][I][U][RIGHT][FONT="wadhih"][SIZE="6"][COLOR="Magenta"]ثانيهما:[/COLOR][/SIZE][/FONT][/RIGHT][/U][/I][/B] [B][RIGHT][FONT="momadad"][SIZE="5"][COLOR="Blue"] أنّ هذه الشبه مبنيّة على افتراض باطل وهو تجويز أن يكون هذا الزعيم من الذين يرون الوصول إلى غايتهم بأية وسيلة كانت، مستبيحين الكذب والتمويه، فالواقع التاريخي يؤكد أنه عليه الصّلاة والسّلام كان في حركاته وسكناته وفي رضائه وغضبه وسائر جوانب حياته مثالاً في دقة الصّدق وصرامة الحقّ، وأنّ ذلك كان من أخصّ شمائله قبل الرّسالة وبعدها. وسنته المطهّرة زاخرة بالمثل الواضحة الدّالة على مبلغ صدقه وأمانته في دعوى الوحي هذه. ومن ذلك: أنه عليه الصّلاة والسّلام كانت تنزل به نوازل تحفزه على القول وتلحّ عليه أن يتكلم بحيث لو كان الأمر إليه لسارع إلى الكلام لكنه كانت تمضي الأيام والليالي ولا يجد في شأن ما نزل به قرآناً يقرؤه على الناس من ذلك ما أرجف به المرجفون من حديث الإفك فقد طال الأمر وأبطأ الوحي والناس يخوضون ولو كان الأمر إليه لسارع إلى تبرئتها صيانة لعرضه لكنه صلى الله عليه وسلم ظلّ صابراً حتى نزل بعد طول انتظار صدر سورة النور معلناً براءتها.[/COLOR][/SIZE][/FONT][/RIGHT][/B] [B][I][U][RIGHT][COLOR="Magenta"][SIZE="6"][FONT="wadhih"]ثالثاً:[/FONT][/SIZE][/COLOR][/RIGHT][/U][/I][/B] [B][RIGHT][FONT="momadad"][SIZE="5"][COLOR="Blue"]صحيح أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان له من الذكاء الفطري والبصيرة النافذة ما يؤهله لإدراك الحقّ والباطل من الآراء والحسن والقبيح من الأخلاق. إلا ّأنّ ما في القرآن الكريم لم يكن كله من هذا النوع الذي تبلغه بالملكات البشرية مهما بلغ اكتمالها. إذا أضفنا إلى ذلك ما تضمّنه القرآن من أمور غيبيّة تقع في مستقبل الأيّام ثمّ تتحقق كما أخبر عنها تماماً دون أن يتخلف منها شيء ازددنا يقيناً بأنّ القرآن الكريم ما هو إلا ّوحي يوحى وأنه لا سبيل للقوى البشريّة إليه بحال كما أخبر أنّ الرّوم سيغلبون الفرس بعد بضع سنين وليس ذلك فقط بل سيواكب هذا تزامن معه أن ينتصر المسلمون على أعدائهم. يقول سبحانه: « غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6) » [سورة الروم]. وتمضي الأيّام ويتحقق وعد الله تماماً كما أخبر. ومن ذلك أيضاً: وعد الله بحفظ كتابه الكريم بقوله: « إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون » وتمضي الأيّام وها هو كتاب محفوظ بعناية الله وحفظه على الرّغم ممّا دبّر له من مكائد وما مرّ بالمسلمين من محن بل إننا نرى عجباً فكلما هجس في خواطر الغيورين على كتاب الله هاجس يمسّ حفظ كتاب الله رأينا من أساليب الحفظ وأساليب تلقيه نقيّاً كاملاً بأصوات قراءة يتلونه حقّ تلاوته كما أنزل من مخارج حروفه حرفاً حرفاً لا ينقص منه مدّة ولا غنة ممّا لا يخطر على بال أحد من إذاعات متخصّصة وتسجيلات وحكمة ومن تسابق الغيورين على البذل في القيام بحقّ لكتاب الله. وهكذا يصل الدكتور / دراز بالقارىء، إلى الاقتناع العقلي والاطمئنان القلبي بأنّ القرآن الكريم إلهي المصدر. وينتقل بعد ذلك إلى مرحلة الدّراسة في جوهر القرآن نفسه، هدفها إثبات أنّ القرآن الكريم معجز من أيّ ناحية جئناه.[/COLOR][/SIZE][/FONT][/RIGHT][/B] |
| الساعة الآن »02:49 PM. |
Powered by vBulletin Copyright ©2000 - 2026 Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة - فقط - لأهل السنة والجماعة