الوقفةُ الرابعةُ : وقفاتٌ مع دعاءِ كُميل نفسهِ :
كما يعلمُ الجميعُ أن الدعاءَ عبادةٌ من العباداتِ ، ولذا جاء في القرآنِ والسنةِ ما يقررُ هذا الأمر أيما تقرير ، ولستُ بصددِ سردِ النصوصِ في ذلك فهي واضحةٌ وضوح الشمس في رابعة النهارِ .
والذي أريد أن أقرره هنا أن دعاء كميل يخالفُ الآدابَ والقواعدَ التي ينبغي أن تراعى سواء حال الدعاء ، أو في ذاتِ الدعاءِ نفسه فمن ذلك :
1 - الدعاءُ عبادةٌ كما هو معلومٌ لدى الجميعِ ، والأصلُ في العباداتِ أنها توقيفية ، أي لا يجوز أن يشرعَ الإنسان عبادةً من عند نفسهِ ، بل لا بد أن تكونَ ثابتةً عن النبي صلى اللهُ عليه وسلم ، ولو أردنا أن نجري هذا الأصلَ على دعاءِ كميل لرددناهُ لسبب واحدٍ وهو عدمُ ثبوتِ سندهِ كما قرر ذلك مراجعُ الرافضةِ أنفسهم ، وبناء عليه سقط الاستدلالُ به .
2 – تحديدُ الوقتِ لذكرهِ وهو ليلةُ النصفِ من شعبان ، وليلة الجمعة ، وهذا يحتاجُ إلى توقيفٍ من المصطفى صلى اللهُ عليه وسلم ، أو يصحُ سندهُ عن الصحابي ويكونُ له حكمُ المرفوعِ إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
3 – ما جاء في الدعاء من أن تفسيرَ قوله تعالى : " فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ " [ الدخان : 4 ] أن المقصودَ به ليلةُ النصفِ من شعبان ، وهو قولٌ مردودٌ ، بل المقصود ليلة القدر في رمضان ، وهذه بعضُ النقولُ لأهلِ العلمِ عند تفسيرِ هذه الآيةِ .
قال ابنُ جرير الطبري في " جامع البيان " عند تفسير الآيةِ بعد نقلهِ للأقوال : " وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : ذَلِكَ لَيْلَة الْقَدْر لِمَا قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ بَيَاننَا عَنْ أَنَّ الْمَعْنِيّ بِقَوْلِهِ : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة } لَيْلَة الْقَدْر , وَالْهَاء فِي قَوْله : { فِيهَا } مِنْ ذِكْر اللَّيْلَة الْمُبَارَكَة , وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ : { فِيهَا يُفْرَق كُلّ أَمْر حَكِيم } فِي هَذِهِ اللَّيْلَة الْمُبَارَكَة يُقْضَى وَيُفْصَل كُلّ أَمْر أَحْكَمَهُ اللَّه تَعَالَى فِي تِلْكَ السَّنَة إِلَى مِثْلهَا مِنْ السَّنَة الْأُخْرَى , وَوَضَعَ حَكِيم مَوْضِع مُحْكِم .ا.هـ.
وقال ابنُ كثير : " وَمَنْ قَالَ إِنَّهَا لَيْلَة النِّصْف مِنْ شَعْبَان كَمَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَة فَقَدْ أَبْعَدَ النُّجْعَة فَإِنَّ نَصَّ الْقُرْآن أَنَّهَا فِي رَمَضَان . وَالْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ عَبْد اللَّه بْن صَالِح عَنْ اللَّيْث عَنْ عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيّ أَخْبَرَنِي عُثْمَان بْن مُحَمَّد بْن الْمُغِيرَة بْن الْأَخْنَس قَالَ : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " تُقْطَع الْآجَال مِنْ شَعْبَان إِلَى شَعْبَان حَتَّى إِنَّ الرَّجُل لَيَنْكِحُ وَيُولَد لَهُ وَقَدْ أُخْرِجَ اِسْمه فِي الْمَوْتَى " فَهُوَ حَدِيث مُرْسَل وَمِثْله لَا يُعَارَض بِهِ النُّصُوص .ا.هـ.
وحكم الحافظُ ابنُ رجب على حديثِ عثمانَ بن محمد بن المغيرة الذي أوردهُ ابنُ كثير بالإرسالِ أيضاً في " لطائف المعارف " ( ص 256 ) .
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : وَجُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهَا لَيْلَة الْقَدْر . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا لَيْلَة النِّصْف مِنْ شَعْبَان ; وَهُوَ بَاطِل لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابه الصَّادِق الْقَاطِع : " شَهْر رَمَضَان الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن " [ الْبَقَرَة : 185 ] فَنَصَّ عَلَى أَنَّ مِيقَات نُزُوله رَمَضَان , ثُمَّ عُيِّنَ مِنْ زَمَانه اللَّيْل هَاهُنَا بِقَوْلِهِ : " فِي لَيْلَة مُبَارَكَة " فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ فِي غَيْره فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَة عَلَى اللَّه , وَلَيْسَ فِي لَيْلَة النِّصْف مِنْ شَعْبَان حَدِيث يُعَوَّل عَلَيْهِ لَا فِي فَضْلهَا وَلَا فِي نَسْخ الْآجَال فِيهَا فَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَيْهَا .ا.هـ.
وقال القرطبي : قُلْت : وَقَدْ ذَكَرَ حَدِيث عَائِشَة مُطَوَّلًا صَاحِب كِتَاب الْعَرُوس , وَاخْتَارَ أَنَّ اللَّيْلَة الَّتِي يُفْرَق فِيهَا كُلّ أَمْر حَكِيم لَيْلَة النِّصْف مِنْ شَعْبَان , وَأَنَّهَا تُسَمَّى لَيْلَة الْبَرَاءَة . وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْله وَالرَّدّ عَلَيْهِ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع , وَأَنَّ الصَّحِيح إِنَّمَا هِيَ لَيْلَة الْقَدْر عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ .ا.هـ.
وقال الشنقيطي في " أضواءِ البيانِ " (7/319) : وقد بين تعالى أن هذه الليلةَ المباركةَ هي ليلةٌ القدرِ التي أنزل فيها القرآن من شهر رمضان في قوله تعالى : " شَهْر رَمَضَان الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن " [ الْبَقَرَة : 185 ] .
فدعوى أنها ليلةُ النصفِ من شعبان كما روي عن عكرمةَ وغيرهِ ، لا شك أنها دعوى باطلةٌ لمخالفتها لنص القرآن الصريحِ . ولا شك كل ما خالف فهو باطلٌ . والأحاديثُ التي يوردها البعضُ في أنها من شعبان المخالفة لصريح القرآنِ لا أساس لها ، ولا يصحُ سندُ شيء منها كما جزم به ابنُ العربي وغيرُ واحدٍ من المحققين . فالعجبُ كلُ العجبِ من مسلمٍ يخالفُ نصَ القرآنِ بلا مستندِ كتابٍ ولا سنة صحيحةٍ .ا.هـ.
3 – كما هو معلومٌ أن الأدعيةَ الثابتةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم هي من جوامعِ كلمهِ صلواتُ الله وسلامه عليه ، ودعاءُ كميل المزعوم لا تجدُ فيه مسحةَ جوامعِ كلمهِ صلى الله عليه وسلم لو فرضنا أن علياً نقلهُ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فما بالكم لو كان عن غيرِ النبي صلى اللهُ عليه وسلم وبهذا الطولِ ؟! .
لا شك أنه يُردُ ولو لم يكن في كلماتهِ ما يستغربُ أو يخالفُ آدابَ الدعاءِ ، ودعاءُ كميل على عكس ذلك .
4 - يوجدُ الكثيرُ في دعاءِ كميل من الاعتداءِ في الدعاء ، وخذ هذا الكلام على سبيل المثال لا على سبيل الحصر : يا مولاي...فكيف يبقى في العذاب ، وهو يرجو ما سلف من حلمك..؟! ام كيف تولمه النار، وهو يأمل فضلك ورحمتك ..؟! ام كيف يحرقه لهيبها ، وأنت تسمع صوته وترى مكانه..؟! أم كيف بشتمل عليه زفيرها ، وأنت تعلم ضعفة..؟! أم كيف يتقلقل بين اطباقها ، وانت تعلم صدقه..؟! أم كيف تزجرة زبانيتها ، وهو يناديك يا ربه ..؟! أم كيف يرجو فضلك في عتقه منها ، فتتركه فيها..؟! هيهات ...
والله قال في كتابه في التحذيرِ من الاعتداءِ في الدعاءِ : " ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " [ الأعراف : 55 ] .
وعَنْ ابْنٍ لِسَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا أَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ ، وَنَعِيمَهَا ، وَبَهْجَتَهَا ، وَكَذَا وَكَذَا ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ النَّارِ ، وَسَلَاسِلِهَا ، وَأَغْلَالِهَا ، وَكَذَا وَكَذَا ، فَقَالَ : يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ إِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَ الْجَنَّةَ أُعْطِيتَهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الْخَيْرِ ، وَإِنْ أُعِذْتَ مِنْ النَّارِ أُعِذْتَ مِنْهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الشَّرِّ .
رواه أبوداود (1480) ، وابن ماجه (3864) ، وأحمد (1/171، 183) ، وقال الأرنؤوط في تخريجه للمسند (3/80) : حسن لغيره .
وصورُ الاعتداءِ في الدعاءِ كثيرةٌ ليس هذا مجال ذكرها ، ولكن يكفي العبارة التي جاءت في دعاءِ كميل .<!-- / message -->