وأما زعم أبي محمد بن حزم أن الإمام إسحاق بن راهويه ذكر ما قاله وذهب إليه بعينه وقال على هذا جميع أهل الإسلام - باطل ، فإن إسحاق لم يقل إن مستقر الأرواح عند انقطاع العناصر وإنما قال محمد بن نصر المروزي في كتابه الرد على ابن قتيبة في تفسير قوله تعالى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ الآية فذكر الآثار التي ذكرها السلف من استخراج ذرية آدم من صلبه ثم أخذ الميثاق عليهم وردهم في صلبه وأنه أخرجهم مثل الذر وأنه قسمهم إذ ذاك إلى شقي وسعيد وكتب آجالهم [ ج- 2][ص-48] وأرزاقهم وأعمالهم وما يصيبهم من خير وشر ، ثم قال قال إسحاق أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد استنطقهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم الآية أن تقولوا إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل . هذا نص كلامه وهو كما ترى لا يدل على أن مستقر الأرواح ما ذكر ابن حزم حيث منقطع العناصر بوجه من الوجوه بل ولا يدل على أن الأرواح كانت قبل الأجساد بل إنما يدل على أنه سبحانه أخرجها حينئذ فخاطبها ثم ردها إلى صلب آدم . وهذا وإن كان قد قاله جماعة من السلف والخلف كما مر فالذي صححه ابن القيم والجمهور خلافه . ولو سلم أن خلق الأرواح قبل الأجساد لم يكن فيه دليل على أن مستقر الأرواح حيث منقطع العناصر ولا أن هذا الموضع كان مستقرها أولا .
وقالت طائفة مستقر الأرواح بعد مفارقة أبدانها العدم المحض ، وهذا أيضا باطل لا يلتفت إليه فإن صاحب هذا القول يزعم أن الروح عرض من أعراض البدن وهو الحياة وقال به الباقلاني ومن وافقه وكذا قال أبو الهذيل العلاف المعتزلي النفس عرض من الأعراض ولم يعينه أنه الحياة كما عينه ابن الباقلاني بل قال الروح عرض كسائر أعراض الجسم ، وهؤلاء عندهم أن الجسم إذا مات عدمت روحه فلا تعذب ولا تنعم وإنما يعذب وينعم الجسد إذا شاء الله تعذيبه وتنعيمه رد إليه الحياة في وقت يريد تنعيمه وتعذيبه وإلا فلا روح هناك قائمة بنفسها ألبتة . وقال بعض أرباب هذا القول ترد الحياة إلى عجب الذنب ، قال الإمام ابن القيم وهذا قول يرده الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقول والفطر ، قال وهو قول من لم يعرف روحه فضلا عن روح غيره والله أعلم .
__________________
علم العليم وعقل العاقل اختـلفا *** أي الذي منهما قد أحـرز الشرفا
فالعلم قال أنا أحـــرزت غايته *** والعـقل قال أنا الرحمن بي عرفا
فأفصح العلم إفصـاحاً وقال لـه *** بــأينـا الله في فـرقانه اتصـفا
فبـان للعقــل أن العـلم سيده *** وقبل العقـل رأس العلم وانصرفا
|