التمهيد
مما يعلم ببداهة العقول تفاوت الناس في العلم بالشيء قوة و ضعفاً، بحسب تفاوتهم في الإقبال عليه و الاشتغال به.
و لما كان أهل الحديث مكبين على طلبه و قد أفنوا أعمارهم في تعلمه و تعليمه، و تتبع رواياته، و المقارنة بينها، و سبر موافقة الرواة بعضهم بعضاً، و تواردهم على الحديث الطويل بسياق واحد أو متقارب، مع تنائي الديار و تفاوت الآراء، فلا جرم عرفوا من أثر هذا التتبع رواية الموثوق المقبول من ضده، و حصل لهم العلم اليقيني بالكثير من الآحاد التي تمت فيها شروط القبول؛ و من المعلوم أيضاً بداهة وجود التفاوت العظيم بين نقلة الأخبار، و رواة الحديث، مما سبب الجزم لأول مرة بصدق الخبر الذي نقله من عرف بالصدق و الأمانة، و الصلابة في الدين، و اشتهر عنه الحفظ و الفهم بأدائه للخبر كما هو في كل وقت، مع التثبت و الاحتياط الذي يحجزه عن التحديث بما لا صحة له، أو بما يتوقف في ثبوته كما هو حال الأئمة المشهورين من الصحابة و من تبعهم.
و هكذا الحكم برد الخبر عندما يعرف ناقله بتعمد الكذب، أو خفة الديانة أو يعلم منه سوء الحفظ، أو مخالفة الثقات، أو نحو ذلك من القرائن و الأمارات التي برع فيها أئمة هذا الشأن.
و حينئذ فمن الخطأ إطلاق القول بأن خبر الواحد يفيد العلم أو الظن.
والصواب أن يحكم على كل خبر بما يليق به من ظن أو يقين، مما قد تكفل به جهابذة العلماء من صدر هذه الأمة، حيث تتبعوا كل حديث مرفوع يدور على الألسنة أو يوجد في دواوين السنة، فبينوا درجته، و حكموا عليه بما يستحقه من جزم أو تردد أو ظن غالب.
و لم يجعلوا مستندهم دائماً عدالة الراوي أو ضعفه فقط، بل أضافوا إلى ذلك ما يتصل بالخبر من قرائن تقوي أحد الاحتمالين.
وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم
واتباع سنته والتحاكم إلى ما جاء به
لا شك أن دخول أي عاقل في هذا الدِّين يتوقف على شهادته لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، ثم اعتقاده لمعنى هذه الشهادة دائماً، واطمئنان قلبه بأَنها تتضمن الإقرار بأَنه صلى الله عليه وسلم قد جاء برسالة ربه إلى المكلفين، التي توجب تعبدهم بكل ما يتقربون به إلى ربهم من أَفعال وأَقوال واعتقادات، وما يترتب على متابعته أو مخالفته في ما بلَّغه من الثواب أَو العقاب.
ومع أَن هذا المعنى هو المفهوم من هذه الشهادة، والمدلول للفظها، فقد صَّرح الله تعالى به في القرآن، ونوَّعه بعبارات تؤدِّي هذا المعنى، وتدور عليه، وإليك بعض هذه العبارات من القرآن، وما يشهد لها من السنة مع وجه دلالتها.
1. الأَمر بالإيمان به:
كما أمر بالإِيمان بالله، والملائكة، والكتاب، والنبيين، وتهديد من أَبى ذلك، وتوعده بالعذاب، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا امِنُوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيدا)(النساء:136). وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم)(الحديد:28). وقال تعالى: (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا)(التغابن:8). وقال تعالى: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون)(الأعراف:158). وقال تعالى: (ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيراً)(الفتح:13).
وهكذا أيضاً صرح النبي صلى الله عليه وسلم في سنته بلزوم ذلك، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به).
وفسر الإيمان في حديث جبريل المشهور بقوله: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر) الحديث.
ولا شك أن الإيمان به صلى الله وسلم يستلزم تصديقه فيما جاء به، ذلك أن الإيمان به هو يقين القلب بصحة رسالته، فباجتماع القلب واللسان يتم الإيمان به، ويعتبر، وبتخلف تصديق القلب لا تعتبر الشهادة ولا تنفع، ولهذا كذب الله المنافقين الذين قالوا: نشهد إنك لرسول الله. قال تعالى: (إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون)(أول سورة المنافقون).
2. الأمر بطاعته التي هي من أَثر الإيمان به:
ذلك أَن التصديق الجازم بصحة نبوته يستلزم طاعته فيما بلَّغه عن الله، فمن خالفه في ذلك أو شيء منه عناداً لم يكن مؤمناً به الإيمان الواجب.
ولقد أمر الله بطاعته في مواضع كثيرة من القرآن كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا)(النساء:59). وقال تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا إنما على رسولنا البلاغ المبين)(المائدة:92). وقال تعالى: (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين)(النور:54). وقال تعالى: (يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم)(محمد:33). وقال تعالى: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين)(التغابن:12). وقال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)(الحشر:7).
بل قد رتب على طاعته الثواب الجزيل كما في قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون)(النور:56). وقوله تعالى: (ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما)(الأحزاب:71). وكذا توعد على معصيته وأخبر بعقوبة من عصاه كما في قوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعدَّ حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين)(النساء:14). قوله: (يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا)(الأحزاب:66).
وهكذا ورد في الحديث بيان الثواب على طاعته وعقوبة من عصاه، ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله) وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أطاعني دخلَ الجنة ومن عصاني فقد أَبي) رواه البخاري.
ومعلوم أن طاعته هي فعل أمره وتجنب نهيه، والتسليم لما جاء به، والرضى به رسولاً نبياً.
3. الأمر باتباعه والتأسي به:
قال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ، قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين)(آل عمران:31-32). وقال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنةُ لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً )(سورة الأحزاب:21).
ولا شك أن محبة العبد لربه واجبة، وقد وقف حصولها وقبولها على اتباع هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وجعل من ثواب اتباعه حصول محبة الله ومغفرته للعبد، وهذا الاتباع له والتأسي به يوجب تقليده، والسير على نهجه، والاقتداء به في تقرباته، وتجنب كل ما نهى عنه، والحذر من مخالفته التي نهايتها الخروج عن التأسي به.
كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: (فمن رغب عن سنتي فليس مني).
4. محبــته:
وقد أمر الله بها في قوله تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله، وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين)(التوبة:24).
فوبخهم على تقديم محبة شيء من هذه الأصناف التي تميل إليها النفس طبعاً، وتؤثر الحياة لأجلها، على محبة الله ومحبة رسوله، وتوعدهم بقوله (فتربصوا) ففي هذا أبلغ دليل على وجوب محبته صلى الله عليه وسلم.
وقد أكد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث المتفق عليه عن أنس: (لا يؤمن أحدكم حتى أَكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين). ومن ثواب محبته الحشر في زمرته، كما قال عليه الصلاة والسلام: (المرء مع من أحب) متفق عليه عن أنس وغيره، وكفى بذلك شرفاً وثواباً لهذه المحبة.
ومعلوم أن المراد المحبة الصادقة التي تستلزم الاقتداء به، والتأدب بآدابه، وتقديم سنته على رضى كل أحد، وتستلزم أيضاً محبة من والاه وبغض من عاداه ولو كان أقرب قريب؛ فمن استكمل ذلك استكمل المحبة، ومن نقص منه شيئاً نقصت محبته له بقدر ذلك.
5. احترامه وتوقيره:
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم * يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون * إن الذين يغضون أصواتهم عِند رسول الله أولئك الذين أمتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم)(الحراجات:1-3). وقال تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً)(النور:63). وما ذاك إلا لما خص به من الفضل والرفعة، ففي تعزيره وتوقيره وتبجيله تعظيم لسنته، ورفع لقدرها في نفوس أتباعه، مما يعرف به لزوم اتباعه، وامتثال ما أمر به وتجنب ما نهى عنه.
6. الأمر بالتحاكم إليه، ولزوم الرضا بحكمه:
قال تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)(النساء:59). وقال تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يُصيبهم عذاب أليم)(النور:63). وقال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويُسلموا تسليما)(النساء:65). أجمع العلماء على أن هذا الرد والتحاكم بعده يكون إلى سنته، ففي هذه الآيات أعظم برهان على تحريم مخالفته، والاستبدال بسنته، فانظر كيف حذر المخالفين له بالفتنة التي هي الشرك، أو الزيغ، وبالعذاب الأليم، وكيف أقسم على نفي الإيمان عنهم إذا لم يحكموه في كل نزاع يحدث بينهم، ويسلموا لقضائه، ولا يبقى في أنفسهم حرج من قضائه، وكفى بذلك وعيداً وتهديداً لمن ترك سنته بعد معرفة حكمها، تهاوناً واستخفافاً، واعتاض عنها العادات والآراء.
منزلة السنة من القرآن الكريم :
لما كان محمد صلى الله عليه وسلم هو الواسطة بين الله وعباده في تبليغ شرعه ودينه، كانت هذه الشريعة كلها متلقاة عنه.
ولكنها تنقسم إلى وحي مُنزَل، متعبد بتلاوته، وهو القرآن الكريم، وإلى بيان له وتمثيل وتقرير، وتشريع منه، ليس له حكم القرآن في التعبد بتلاوته، وهو السنة النبوية.
ولما كان في القرآن أحكام مجملة لا تعرف كيفيتها، كان إيضاحها مما وكل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)(النحل:44). وقال تعالى: (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه)(النحل:64).
وقد امتثل عليه الصلاة والسلام هذا الأمر من ربه فبين للناس بسنته كيفية الصلوات وعدد ركعاتها وأوقاتها، وما يُقال فيها ... إلخ. كما بين أنصبة الزكاة، والأموال الزكوية، ومتى تجب ... إلخ. وكذا الصيام والحج وأكثر المعاملات، والعقود والحدود، وغيرها مما تُلُقي بيانه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يوضح أن أغلب أحاديث السنة النبوية بيان لكتاب الله، وإيضاح لمجمله، وتقييد لمطلقه، ونحو ذلك.
وقد تأتي زائدة على ما في القرآن، كإحداد المتوفي عنها، وتحريم كل ذي ناب من السباع، والحمر الأهلية، وغير ذلك، وكلها من السنة النبوية.
وإذ قد عرف وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع شرعه، فإن هذه الأوامر والتعليمات التي تُلُقِّيَتْ عنه هي مما يلزم الأُمة فعله وقبوله، تأسياً بهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
احترام السنة وفضل الحديث والمحدثين :
لما كانت السنة مصدراً تشريعياً، ومتلقاة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان الله قد أَمر المؤمنين بتعزيره وتوقيره، ومدح الذين يغضون أصواتهم عنده، لا جرم كان لها من الحرمة مثل ما لمن تلقيت عنه، مما حمل العلماء عن أن بالغوا في احترامها وإعظامها، وإليك أمثلة من ذلك: روى عمرو بن ميمون عن ابن مسعود أَنه حدَّث يوماً، فجرى على لسانه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم علاه كرب، حتى رأيت العرق ينحدر عن جبهته، وفي رواية: وقد اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه. وكان ابن سيرين إذا ذُكر عنده حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك خشع، واشتهر عن الإمام مالك رحمه الله في ذلك أَكثر من غيره، فكان إذا أَراد الحديث اغتسل وتطيب، ولبس ثياباً جدداً وتعمم، وجلس على منصة، خاشعاً، ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ من الحديث، ويقول: أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يكره أَن يحدِّث وهو قائم أو مستعجل، ذكر هذه الآثار القاضي عياض في الشفاء؛ وما ذاك إلا تعظيماً لمن صدر عنه، وإجلالاً لتلك الألفاظ الشريفة التي هي من أشرف الكلام وأعلاه قدراً. وقد أوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم وفواتحه وخواتمه، وهو المبين له والموضِّح لمقاصده، وهو المصدر الثاني لأَدلة الأحكام، وهو من الحكمة التي من أُوتيها فقد أُوتي خيراً كثيراً.
ولقد حث الله تعالى على تعلم العلم ومدح العلماء ونوه بذكرهم، حيث قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته على وحدانيته، وحصر خشيته فيهم، ونفى المساواة بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم حث على العلم، وأخبر أن حملته هم ورثة الأنبياء، وأن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم، ونحو ذلك كثير.
فمن تحمل هذا الحديث واشتغل بتعلمه وتعليمه فله الحظ الأوفر من هذا المدح للعلماء، وكفى بهذا شرفاً للحديث وحملته، فصرف العمر في تعلمه ونشره أفضل من الاشتغال بنوافل القربات، وما ذاك إلا لما فيه من بيان القرآن، وإحياء سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والتأسي به في الدعوة والتبليغ، ولو لم يحصل لأهله من الفضل إلا كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي ورد فيها الفضل الجزيل، كقوله صلى الله عليه وسلم: (أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة). أخرجه الترمذي عن ابن مسعود وحسنه.
ثم فيه استحقاق دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، كما في المسند والسنن عن زيد ابن ثابت وغيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نضَّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وأَدَّاها كما سمعها)، ثم فيه امتثال أمره صلى الله عليه وسلم بقوله: (بلغوا عني ولو آية) رواه أحمد والشافعي بأسانيد صحيحة عن عبدالله بن عمرو وغيره.
ويكفي في شرف المحدثين أن قد رُويَ تعديلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) رواه العقيلي وابن أبي حاتم، وابن عبدالبر وغيرهم عن إبراهيم بن عبدالرحمن العذري مرسلاً وصححه أحمد.
وإن في تعظيمهم للحديث النبوي وحرصهم على نقله والتحديث به لعلامة على قوة محبتهم لمن قاله، وإيثارهم للتأسي به، مما يسبب حشرهم معه، فإن من أحب قوماً حشر معهم، فهو إمامهم وقدوتهم، وقد قال تعالى: (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم).
اعتناء السلف بالحديث النبوي :
لما عرف الصحابة رضي الله عنهم أهمية هذا العلم حرصوا على تلقيه عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، فأكثروا ملازمته، وآثروا مجالسته على العمل في أموالهم، وأسباب ارتزاقهم، وربما أناب بعضهم من يحضر مجلسه ويبلغه ما فاته من العلم، كما فعل عمر بن الخطاب مع جاره الأنصاري.
ولقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في حسن تعليمهم، وإيصال المعنى إلى أفهامهم فكان يستعمل ألواناً من وسائل الإيضاح والبيان، كالعرض والمناقشة وضرب الأمثلة، وتكرير الكلام ليفهم عنه، فكانوا يتلقون عنه في المجالس والنوادي وعلى المنابر، في السفر والحضر، فما قبضه الله إلا وقد علمهم كل شيء يحتاجون إليه كما شهد له بذلك بعض أعدائه من اليهود، كما روى مسلم عن سلمان أن بعض اليهود قالوا له: علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟ قال: أجل. الحديث.
وبعد أن توفاه الله عرف أصحابه أن هذا العلم الذي تلقوه عنه أمانة في أعناقهم، يلزمهم بيانه للناس كي لا يلحقهم وعيد الذين قال الله فيهم: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)(البقرة:159).
وهكذا عرف تلامذتهم منزلة هذا العلم من الدين الذي كلفوا به، مما حمل الجميع على بذل الجهد في التعلم والتعليم فعمروا بهذا الحديث مجالسهم، وصار طلبه جل مقاصدهم، وتحملوا في تحصيله المشاق وقطعوا المراحل الكثيرة، كما روي عن ابن عباس أنه قال: (كان يبلغني الحديث عن بعض الصحابة فآتي إليه وهو قائل، وأجلس عند الباب، تسفي الريح في وجهي التراب حتى يستيقظ). رواه الحاكم. واشتهر عن جابر رضي الله عنه أنه سافر إلى الشام لأخذ حديث واحد من عبدالله بن أنيس، كما رواه أحمد وأبو يعلى وغيرهما. وكذا أبو أيوب سافر إلى مصر من المدينة ليروي حديثاً واحداً عن عقبة بن عامر ذكره ابن عبدالبر في جامع بيان العلم.
وكانوا بعد سماعه يتذاكرونه، ويعرضه بعضهم على بعض ليتأكد كل منهم صحة ما حفظه، وربما كرره الواحد زمناً طويلاً حتى يحفظه، كما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يجعل جزءاً من الليل لدراسة الحديث ليبقى في ذاكرته. ذكره ابن جريج وغيره.
وقد خصهم الله بزيادة في الحفظ فاقوا بها من بعدهم بكثير وعنهم في ذلك روايات عجيبة، وربما استعان بعضهم على الحفظ بالكتابة حتى يحفظ، وبالجملة فقد أثر عن سلفنا من العناية بالحديث والاهتمام بشأنه ما به حقق الله حفظ هذه الشريعة وحماية مصادرها، فرحمهم الله وجزاهم عن الإسلام خير الجزاء.
جهود علماء السنة في حفظ الحديث :
في أواخر عصر الصحابة رضي الله عنهم ظهر من يتعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، رغم ما ورد عنه من الوعيد على ذلك والتحذير منه، وكان أغلب من اشتهر بوضع الحديث قوم من الملاحدة دخلوا في الدين تستراً، فأَرادوا إفساد العقيدة، والتشكيك في الإسلام.
وآخرون (من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً)(الروم:32)، قصدوا التعصب لو لا تهم وقبائلهم وبلادهم.
ونوع ثالث وهم القُصاص الذين أرادوا الشهرة بكثرة المرويات، وغرائب الحكايات التي تستثير النفوس وتحرك القلوب.
ولكن علماء الحديث عندما أحسوا بهذا الخطر قابلوه بما يبطله ويرده من حيث جاء، ليسلم الحديث النبوي من كل دغل وكدر، ويبقى معيناً صافياً لمن يرتاده، وقد وضعوا لذلك قواعد، وابتكروا طرقاً كانت سبب نجاح فكرتهم:
1. فمنها التزام الأسانيد وتسمية الرواة، وهذا من خصائص هذه الأُمة، وبه يعرف مصدر الحديث، ومرتبة رجاله، فيحكم بقبوله أو رده، قال عبدالله بن المبارك: الإسناد من الدين لو لا الإسناد لقال من شاء ما شاء. رواه مسلم في مقدمة صحيحه، وكان من نتيجة ذلك أن توقف الكثير عن الوضع مخافة ظهور كذبه، مما يسقط به قدره عند من يعظمه.
2. تتبع أحوال الرواة، والبحث عن مكانتهم في الحديث وأهليتهم لتحمله، وقد أقدموا على الكلام فيهم من باب النصيحة للأُمة، حيث إنهم تولوا نقل شيء من أمر الدين له حكم. وقد خصصوا هذا النوع من عموم النهي عن الغيبة لما فيه من المصلحة العامة للأُمة.
3. التثبت في الرواية تحملاً وأداء، فكان أحدهم لا يقدم على ذكر الحديث إلا بعد إتقانه، ولا يحدثون به إلا من هو أهل لسماعه، ويتحاشون تحديث السفهاء وأهل الأهواء، وقد نتج عن هذه الجهود ونحوها أن ميزوا الحديث النبوي، وأخرجوا الموضوع عن مسمى الحديث، وعرفوا الكذابين، وبينوا حالهم، وكشفوا عوارهم، مما جعلهم يتوارون أمام هؤلاء الجهابذة الأعلام، حتى لقد قال سفيان الثوري: ما ستر الله أحداً يكذب في الحديث، وقيل لابن المبارك: هذه الأحاديث الموضوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له الحافظون)(الحجر:9). ذكره العراقي عنهما في فتح المغيث وغيره.
تدوين الحديث النبوي :
لقد ورد النهي عن كتابة الحديث في آثار مرفوعة وموقوفة، كما ورد الإذن بها صريحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان ولبعض الأشخاص، ومن الخطأ حمل النهي عن الكتابة على عدم حجية الأحاديث، كما توهم ذلك بعض الزنادقة. وكذا حمله على أن السبب الوحيد قلة أدوات الكتابة والكتاب، فقد كان في الصحابة وأبنائهم الكثير ممن يحسن الكتابة.
وأصح ما حمل عليه النهي عن كتابة الحديث أن ذلك خاص بأول الإسلام، ليشتغلوا بحفظ القرآن ويقبلوا على دراسته من الألواح والصحف، ويكون أخذهم للحديث بالممارسة والمجالسة.
أو أن النهي خاص بكتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة، مخافة الاشتباه على الجهلاء به، ويكون الإذن فيها لمن عرف منه عدم الاشتباه، كعبدالله بن عمرو وعند الحاجة كأمره بالكتابة لأبي شاه.
ولقد اشتهر أنه صلى الله عليه وسلم كتب صحائف كثيرة لبعض المعاهدين وفي بعض المناسبات، وبعث كتباً إلى رؤساء الدول في عهده يدعوهم إلى الإسلام: وذلك دليل جواز الكتابة لجنس الحديث.
ثم إن الصحابة عرفوا العلة في النهي، فتوقف بعضهم كما استعمل الكتابة آخرون للحاجة. ولما أن زال المحذور وتميز القرآن عن غيره، واشتدت الحاجة إلى الكتابة، ابتدئ في تدوين السنة، وذلك في أواخر القرن الأول بأمر عبدالعزيز بن مروان، ثم ابنه عمر، ثم اشتهرت الكتابة في القرن الثاني فكانوا يكتبون ويحدثون من كتبهم مع المحافظة عليها.
إلى أن وصلت هذه الأحاديث إلى علماء أجلاء كالبخاري ومسلم، وأهل السنن، فدونوها في مؤلفاتهم تدويناً عاماً أو خاصاً، مع بيان صحيحها من ضعيفها ونحو ذلك.
وقد وصلت إلينا تلك الدواوين بحمد الله كما كتبوها، مصونة عن التغيير والتبديل، وبهذا تحقق ضمان الله بحفظ مصادر الشريعة، وقامت حجة الله على العباد، والحمد لله رب العالمين.
__________________
قال النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس :إنّ فيك خَصلتين يُحبهما الله:الحلمُ ، والأناةُ )رواه مسلم :1/48
وعن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من أحبّ لِقاء الله أحبّ الله لقاءهُ ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءهُ ) رواه مسلم : 4/2065
|