المقدمةالبحث :
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، و أتم علينا النعم و رضي لنا الإسلام ديناً. و أشهد أن لا إله إلا الله، و لا رب لنا سواه، الإله الحق، المالك المتصرف في الخلق. و أشهد أن محمداً عبده و رسوله الذي عرفنا ديننا، و أوضح لنا الطريق إلى ما فيه من الهداية و النجاة و الحياة الطيبة، صلى الله و سلم عليه و على آله و صحابته الذين بلغوا عنه دينه، و ساروا على نهجه، و على أتباعهم بإحسان أبداً و سرمداً.
أما بعد:
فقد كان الناس في جاهلية جهلاء، و ضلال عن الصراط السوي، فبعث الله محمداً صلى الله عليه و سلم بالهدى و دين الحق، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، و أمره بالدعوة إلى سبيل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة، و المجادلة بالتي هي أحسن، و لقد امتن الله على المؤمنين ببعثته، فقال تعالى: ((لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته و يزكيهم و يُعلمهم الكتاب و الحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين))(سورة آل عمران:164)، و إذا كانت هذه وظيفة هذا النبي الكريم، و رسالته التي تحملها من الله إلى عباده، فقد قام بأدائها أتم قيام، فبلغ ما أنزل إليه، وعلم الناس كل ما فيه نفعهم و صلاحهم، قال صلى الله عليه و سلم: "قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك"، رواه أحمد وابن ماجة (هو في مسند أحمد 4/126، و ابن ماجة برقم 43 عن العرباض بن سارية رضي الله عنه). و قال فيما صح عنه: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، و ينذرهم شر ما يعلمه لهم"، رواه مسلم و النسائي عن عبدالله بن عمرو (كما في صحيح مسلم 12/232 كتاب الإمارة، و سنن النسائي 7/152 كتاب البيعة في حديث طويل)، فكان حقاً على الأمة السير على نهجه، و اتباع سنته، مما يسبب لهم النصر و الرفعة في الدنيا، و حصول رضى الرب و ثوابه في الدار الآخرة.
و لكن الله من حكمته أن يتبلي عباده بأعداء من جنسهم، يشككونهم و يُلبسون عليهم، و يقدحون في دينهم، و يعيبونهم بالجمود و التأخر و الرجعية كما يعيبون دينهم بما هو بريئ منه بما يروجونه من شبه و تضليلات. و كثيراً ما يسددون سهامهم إلى أصل من أصول الدين، كالحديث النبوي، فيلقون في ذلك الشبه، و يولدون الشكوك، خداعاً للطغام، و صرفاً لضعفاء العقول و الأفكار عما فيه سعادتهم و هدايتهم إلى الطريق المستقيم.
فراجت على بعض ضعفاء البصائر ممن يدعي الإسلام، فتقلوها من أولئك الأعداء، و تقبلوها بصدور رحبة، إحساناً للظن بأولئك الأعداء المارقين مما هان به في النفوس الضعيفة قدر هذ الشريعةو خف به وزنها في قلوب من قلت معرفته بأدلة الدين، و عميت بصائرهم عن الحق المبين، و لكن الله صدق وعده بحفظ دينه من عبث العابثين، و لما كان الدفاع عن الدين واجباً على كل مسلم، رأيت أن أقوم بقسط في هذا السبيل. و قد رأيت أن يكون موضوع رسالتي خبر الواحد، و بيان حجيته، و صحة أحاديث الآحاد النبوية، المعمول بها بين المسلمين، و المتلقاة منهم بالقبول سلفاً وخلفاً، و ما ذاك إلا أن الأخبار، فتحقيق ثبوته يلزم ثبوت السنة بأكملها.
و قد بدأت البحث بمقدمة في أهمية السنة و اعتناء السلف بها، ثم ضمنت البحث ستة أبواب.
الباب الأول: في تعريف الخبر و أقسامه، و فيه ثلاثة فصول.
الفصل الأول: في ماهية الخبر.
الفصل الثاني: في تعريف المتواتر و شروطه.
الفصل الثالث: في تعريف الآحاد و أقسامها.
الباب الثاني: في شروط العمل بخبر الواحد، و فيه ثلاثة فصول.
الفصل الأول: في شروط الراوي.
الفصل الثاني: في طرق معرفة أهلية الراوي.
الفصل الثالث: في الشروط المعتبرة في متن الخبر.
الباب الثالث: في ما يفيده خبر الواحد، و فيه تمهيد، و ثلاثة فصول.
الفصل الأول: في أدلة من قال: إن خبر العدل يفيد العلم، و بيان ما يرد عليها و الجواب عنه.
الفصل الثاني: فيمن قال: خبر الواحد يفيد العلم بالقرائن، و بيان أنواع القرائن.
الفصل الثالث: في مستند من قال إن الآحاد لا تفيد إلا الظن، ومناقشة شبههم.
الباب الرابع: في حكم قبول الآحاد في العقائد، و فيه فصلان.
الفصل الأول: في أدلة من قال بالجواز.
الفصل الثاني: في شبه المخالفين و مناقشتها.
الباب الخامس: في حكم العمل بخبر الواحد، و فيه فصلان.
الفصل الأول: في دلالة العقل على العمل بخبر الواحد.
الفصل الثاني: في الخلاف في دلالة السمع على وجوب العمل بخبر الواحد.
الباب السادس: في جملة من أخبار الآحاد مختلف فيها.
ثم ختمته بخاتمة في وجوب التمسك بالحديث الصحيح و إن خالف المذاهب و الآراء و الله المستعان و به الثقة.
__________________
قال النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس :إنّ فيك خَصلتين يُحبهما الله:الحلمُ ، والأناةُ )رواه مسلم :1/48
وعن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من أحبّ لِقاء الله أحبّ الله لقاءهُ ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءهُ ) رواه مسلم : 4/2065
|