عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 2011-06-07, 08:56 PM
الصورة الرمزية عارف الشمري
عارف الشمري عارف الشمري غير متواجد حالياً
محـــــــــاور
 
تاريخ التسجيل: 2011-01-12
المشاركات: 538
عارف الشمري عارف الشمري عارف الشمري عارف الشمري عارف الشمري عارف الشمري عارف الشمري عارف الشمري عارف الشمري عارف الشمري عارف الشمري
افتراضي

من قال: خبر الواحد يفيد العلم بالقرائن
وبيان أنواع القرائن



وهذا القول قد اختاره جمع من متأخري الأصحاب، وبه قال الموفق وابن عقيل، واستظهره أبو البقاء في شرح التحرير، وهو قول النظام ومن تابعه، واختاره الآمدي، وبه قال القاضي أبو بكر ابن الباقلاني، والفخر الرازي وابن الحاجب وغيرهم.
ثم إن القرائن تنقسم إلى: متصلة، ومنفصلة.

أولاً: القرائن المتصلة:

فيراد بها أحوال الراوي أو المروي أو السامع:

(أ) أما أحوال الرواة: فمثل كونهم من أهل الصدق والأمانة إلى آخر الشروط، ومثل توافق العدد على نقل حديث واحد، أو توارد راويين على سياق متقارب، مع اختلاف الآراء، وتباعد الديار، مما يعلم به أنهما لم يتواطآ عليه، ويبعد في العادة اتفاقهما على الكذب فهذه ونحوها قرائن تحصل العلم اليقيني بخبرهم.

(ب) أما أحوال المروي: فإن كلام النبي صلى الله عليه وسلم عليه من النور والبهاء والقوة في الأسلوب ما يعرفه به المتبصر في الدِّين.
وكذا موافقته لما تهدف إليه الشريعة وكذا تأيده بالنصوص الأخرى بمعناه كل هذه قرائن توجب العلم القطعي به فلا يلتبس بالكذب والباطل على كل ذي عقل وفهم صحيح، فإن على الحق نوراً يبصره ذو البصيرة السليمة الذي يفرق بين الخبر الصادق والكاذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يفرق بين الليل والنهار.
(جـ) أما أحوال السامع: فإن من كان من أهل الحديث المشتغلين بالسنة، والعالمين بمقاصد الشرع، وبأحوال الرجال كانت معرفته بالحديث أتم، وتمييزه بين الصادق والكاذب أقوى، بخلاف المعرضين عن ذلك الذين لا اشتغال لهم بعلم الحديث، وليس لهم خبرة بأحوال نقلته، فإنهم بمعزل عن معرفة الصحيح منه والسقيم، فلا يتأثرون بالقرائن ولا يفرقون بين الأخبار كما هو مشاهد.
وقد يدخل في القرائن المتصلة تلقي الأمة للخبر بالقبول، وعملهم بموجبه أو اشتغالهم بتأويله، كما تقبلوا أحاديث الصحيحين في الجملة، وغيرهما مما ثبت كونه من الدِّين، بإطباق جمهور الأمة على العمل بما تضمنته.
قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة: والخبر المتحف بالقرائن أنواع:
1- منها ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، مما لم يبلغ حد التواتر، فإنه احتفت به قرائن.
(أ) منها جلالتهما في هذا الشأن.
(ب) وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما.
(ج) وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول.
وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن حد التواتر.
إلا أن هذا يختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين.
وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه، حيث لا ترجيح لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم، من غير ترجيح لأحدهما على الآخر.
وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته.
وممن صرح بإفادة ما أخرجه الشيخان العلم النظري الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني، ومن أئمة الحديث أبو عبدالله الحميدي، وأبو الفضل بن طاهر
.
2- ومنها المشهور إذا كان له طرق متباينة، سالمة من ضعف الرواة والعلل. وممن صرح بإفادته العلم النظري الأستاذ أبو منصور البغدادي، والأستاذ أبو بكر بن فورك وغيرهما.

3- ومنها المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين، حيث لا يكون غريباً، كالحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل مثلاً ويشاركه فيه غيره، عن الشافعي ويشاركه فيه غيره، عن مالك بن أنس، فإنه يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته، وأن فيهم من الصفات اللائقة الموجبة للقبول ما يقوم مقام العدد الكثير من غيرهم. ولا يتشكك من له أدنى ممارسة بالعلم وأخبار الناس أن مالكاً مثلاً لو شافهه بخبر أنه صادق فيه، فإذا انضاف إليه من هو في تلك الدرجة أزداد قوة وبعداً عما يخشى عليه من السهو. انتهى.
وعلى أن المراد بالقرائن هذا النوع يتلاقى هذا القول مع القول الأول، وهو أنه يفيد العلم، فإن الأولين لم يكونوا يقطعون بكل خبر سمعوه، ولا بكل ما قيل إنه حديث.
كيف وقد اشتهر تقسيمهم الأحاديث إلى صحيح وحسن وضعيف؛ وحكمهم على كثير مما يسمى حديثاً بأنه موضوع مكذوب، مع أنه خبر منقول بسند ورجال مسمين غالباً.
وسبق ذكر ما اشترطوه في قبول خبر الواحد، وإفادته العلم من كون رواته ثقاتٍ عدولاً ... إلخ.
مما يدل على أن من لم يستوف تلك الصفات لا يقبل خبره، ولا يفيد العلم، وإن أفاد الظن الغالب أحياناً.


ثانياً: القرائن المنفصلة:

فأرادوا بها أموراً خارجة، غير ملازمة للخبر دائماً بل تقترن به أحياناً أو تحدث معه، فيعرف بها صدق الناقل وصحة خبره. وهذا النوع هو الذي قصده أكثر المتكلمين الذين اشترطوا في إفادة العلم اقترانه بالقرائن غير اللازمة، كالآمدي والغزالي والرازي وابن الحاجب وغيرهم، حكى ذلك عنهم ابن الهمام وغيره، كما في شروح التحرير.
وقد مثلوا للقرائن المنفصلة بمن أخبر عن عطشه أو مرضه، ورُئيت عليه علامات ذلك ظاهرة، من يبس شفتيه أو تغير لونه، أو حرارة جسمه، أو نحو ذلك مما يقوي صحة خبره.
وكذا لو أخبر بما عليه فيه ضرر، ولكن حملته خشية الله والخوف من عذابه على الإقرار بما فعله لقصد التطهير؛ كمن أخبر بأنه ارتكب ذنباً يوجب حداً أو قوداً، وليس هناك ما يلجئه إلى الإقرار، وقد عرفت منه محبته للحياة، ورغد عيشه، وأخبر بذلك طوعاً واختياراً.
وهكذا من أقر بدين عنده له وقع في النفس، بدون بينة من صاحب الحق، وبدون أن يطلب منه يمين، وبلا تهديد ولا تعزير.
وكما لو أقر عند المفتي بطلاق أو عقد، أو بأنه وقع منه خلل في صلاته أو صومه، أو نحو ذلك، وطلب بيان الحكم، فإن المفتي يصدق خبره في كل ذلك، إلى أمثال هذه الصور مما هو كثير.
وأنت تعرف أن هذه القرائن تقوي صدق الخبر أيَّا كان نوع المخبر، بدون أن يشترط له ما تقدم من الشروط كالضبط والعدالة ... إلخ.
وقد مثلوا ذلك بمعرفة محبة الشخص لمحبوبه، حيث تعرف من أفعاله، وإن لم يخبر عما يكنه ضميره فإن قيامه بخدمة ذلك الشخص، وطول ملازمته، وبذل ماله له، ونحوه من الأفعال التي هي من خواص المحبين، تدل يقيناً على صدق المحبة، وإن كانت كل خصلة منها لا تدل على ذلك بانفرادها، لاحتمال أن تكون لغرض خاص، فباجتماعها واستمرارها يتحقق من مجموعها صدق محبته له، وهكذا لو حصل ضدها من شخص لآخر عرف بذلك عداوته له وبغضه.
ثم إن نفس القرائن قد تكون قاصرة عن إفادة العلم، فإذا انضاف إليها خبر من شخص لا يوثق بخبره، كانت موافقته له دليل صدقه، فيحصل العلم بخبره وبالقرائن معاً، فإن حصل العلم بالقرائن كان خبره زيادة فضل.
وإذاً فخبر الثقة العدل يفيد العلم في بعض الأمور لبعض الأشخاص، وقد يقصر عن ذلك فيتقوى ببعض القرائن، وقد تحصل القرائن لبعض السامعين دون بعض، كما لو أخبر شخص زيداً وعمراً بأن خالداً قد مات، وكان عمرو قد علمه مريضاً غير ميئوس منه، وزَيْدٌ قد عهده لا بأس به، فإن خبر المخبر يحصل العلم لعمرو دون زيد.
وقد يكون هناك ثالث علم شدة مرضه، ولم يسمع بموته، ولكنه رأى الجنازة أخرجت من بيته الذي لا مريض فيه سواه، ورأى أهله وولده وحاشيته قد أحدقوا بها، وقد اتصفوا بما يدل على مصابهم، من الحزن والكآبة، والبكاء والنحيب ونحو ذلك، فإنه يحصل له العلم اليقيني بأن هذا المحمول على السرير هو خالد دون غيره، وذلك معروف بالمشاهدة، فظهر بهذا تباين الناس، وتباعد ما بينهم في التأثر بالقرائن، وأن منهم من عنده من المعرفة بأحوال الرواة، وتتبع الأخبار، وقرائن الأحوال، وما يحتف بالخبر من هذه الدلائل ما لا يوجد عند الآخرين، فيحصل له العلم اليقيني بهذا الخبر، بينما الآخرون لم يحصل لهم أكثر من الظن أو التردد، ومع ذلك فقد استبعد العلم به بعض المتكلمين وأنكره بعضهم، ومن أعجب ما قرأته ما ذكره الغزالي في المستصفى في نفي حصول العلم بخبر الواحد حيث قال: ولا يُظن بمعتوه تجويزه مع انتفاء القرائن، أما إذا اجتمعت قرائن فلا يبعد أن تبلغ القرائن مبلغاً لا يبقى بينها وبين إثارة العلم إلا قرينة واحدة، ويقوم إخبار الواحد مقام تلك القرينة، فهذا مما لا تعرف استحالته، ولا يقطع بوقوعه، فإن وقوعه إنما يعلم بالتجربة، ونحن لم نجربه، ولكن قد جربنا كثيراً مما اعتقدناه جزماً بقول الواحد، مع قرائن أحواله، ثم انكشف أنه كان تلبيساً. اهـ.
هكذا يقول هذا العالم الكبير، وأنا أستبعد أحقية ذلك، وإن قدرنا صحته فلعله مختص بالبلاد التي نشأ فيها، وبأهل الزمان الذين اتصل بهم، فيمكن أن قد فقد بينهم الصدق، وخف فيهم الدين، وكثر التزوير والبهرج، حتى عد من المستحيل الوثوق بخبر الواحد، وحصول العلم به مهما بلغ من الأمانة والديانة، وتعظيم أمر الله، والخوف من مغبة الكذب، لدرجة أن من صدقه يعد أقل حالة من المعتوه وهو ناقص العقل.
فأما أن يطبق هذا على كل وقت وكل أناس، وإن اتصفوا بالعدالة وتمام الضبط ... إلخ فليس كذلك إن شاء الله.


مستند من قال إن الآحاد لا تفيد إلا الظن ومناقشة شبههم


تتابع الأصوليون غالباً في مؤلفاتهم على اختيار أن خبر الواحد لا يفيد العلم ولو بقرينة، وإنما يجوز العمل به وإن كان ظني الثبوت، لجواز العمل بما يفيد الظن.
وأعتقد أن عدم حصول العلم لهم من هذه الأخبار بسبب أن جل اشتغالهم بعلم الكلام ونحوه، وهم في الجملة بمعزل عن علم الحديث وطرقه ورجاله.
وقد انخدع بكثرتهم وتهافتهم على هذا القول كثير من أهل الحديث المتأخرين، كما فعل النووي في التقريب وشرح مقدمة مسلم، وكذا ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول الذي نقل عبارة الغزالي بالحرف.
ومن العجيب تأويل الغزالي لقول من ذهب إلى أنها تفيد العلم بأحد أمرين:

1- أنهم أرادوا إفادتها للعلم بوجوب العمل.
2- أن العلم بمعنى الظن.
ثم حكى أن بعضهم فسَّره بالعلم الظاهر، لقوله تعالى: (فإن علمتموهن مؤمنات)(الممتحنة:10) ورد هذا التفسير.
وكأنه لما استحكم في قلبه كونها ظنية اعتقد ذلك حجة مسلمة من كل ذي عقل، واستبعد أن يخالفه فيها أحد.
ولما كان هذا القول مشهوراً عن السلف أراد أن يصرفه عن ظاهره، حتى لا يبقى عالم معتبر يخالف ما قاله، فأوله إما بجعل العلم مراداً به غير ما نحن فيه، وأنه العلم بوجوب قبول هذه الأخبار، والعمل بما تتضمنه، وإما بأن العلم مراد به الظن الذي يقول به جمهورهم.
ويتضح أنه لم يقرأ عبارات المحدثين والأئمة في تصريحهم بالعلم اليقيني، واستدلالهم عليه بما هو معلوم من الأدلة الشرعية والعقلية كما تقدم، مما لا يحتملها التأويل الذي قاله، ولا أنهم أرادوا العلم الظاهر، كما نقله ورده، ولهذا لما نقل ابن الهمام في التحرير تأويله الأول رده بتصريح ابن الصلاح بالقطع بمروي الشيخين، فأما قول الآمدي أن فيهم من قال يفيد العلم بمعنى الظن، واستدلوا بقوله تعالى: (فإن علمتموهن مؤمنات) أي ظنتموهن، فهذا قول لا حقيقة له، وإن وجد من يقوله، فلا فرق بينه وبين قول الأكثرين منهم، بأنه لا يفيد العلم اليقيني مطلقاً، فإنهم لم ينفوا إفادته للظن.
وقد علمت أن هذا أحد التأويلين اللذين سلكهما الغزالي في صرف القول الأول عن ظاهره، ولو كان يعلمه قولاً لأحد لحكاه، ولم يجعله احتمالاً، وعلمت أيضاً أن الغزالي ذكر الآية في دليل من قال: المراد العلم الظاهر، لا العلم بمعنى الظن، ولما كان أهل الأصول قد وضعوا لهم قاعد كلية، حكموا بموجبها على كل خبر بحكم موافق لتلك القواعد التي لم يكن مستندهم فيها إلا أدلة عقلية، بزعمهم يقينية، وهي وهمية، جعلوها مطردة، فحكموا لأجلها بأن مفاد أخبار الآحاد الظن، ثم إنهم تناقضوا بعد ذلك بإيجابهم العمل بها، لما رأوا أدلة وجوب العمل متواترة، وقبول السلف لها مشهوراً، ورأوا هذا مطرداً بين المسلمين سلفاً وخلفاً، فلم يجدوا بداً من القول بأنها توجب العمل، مما هو هدم لقواعدهم من الأساس.


مناقشة شُبه من يقول إن خبر الواحد لا يفيد العلم:


لا أعتقد وجود نص من الأدلة السمعية يصرح برد خبر الواحد الثقة، أو التوقف فيه، أو عدم حصول العلم به، ولكن أهل الظن والشك في الأخبار ولدوا شبهاً وخيالات ظنوها عقلية، قطعية الدلالة إليه.
1- فمنها قولهم: إن الطبيعة البشرية تقتضي السهو والنسيان من كل إنسان وإنه يوجد كثيراً تعمد الكذب لمصلحة يعتقدها الكاذب أو لغيرها، وكل ذلك يقتضي التوقف في خبر الواحد.
فيقال: نحن لا نقول باستحالة الخطأ على جميع النقلة، ولا بعصمتهم من تعمد الكذب، ولكن نقول بالجزم والتصديق للخبر عند ظهور أمارات تؤيد ذلك، من تتبع أخبار الراوي حتى يوقف على صحتها، ومن موافقته لمن هو مثله أو أفضل منه، وغير ذلك مما يعرف به أهل الفن صدق الرواية أو الخطأ فيها.
وليس ببدع أن يجعل الله في خلقه من يقرب القول بعصمته من تعمد الكذب، ومن السهو الكثير في التحمل والأداء لواجبات الدين، كي تقوم حجة الله على خلقه، ويحصل الأمن من التعبد لله بخطأ.
فرواة الأخبار التي تلقتها الأمة بالقبول، يلزم من تخطئتهم عدم قيام حجة الله على من لم يشاهد الرسول، وذلك مما ينافي حكمة الله.

2- ومنها قولهم: إننا نشاهد اختلاف المحدثين في الحديث الواحد، ما بين مصحح له ومضعف، وطاعن في رواته وذاب عنهم، ونحو ذلك مما يسبب عدم اليقين بما قالوه، والتوقف في مروياتهم مخافة الخطأ.
فقد روى البخاري ومسلم أحاديث حكما بصحتها، ثم تعقبهما بعض العلماء -كالدار قطني- وذكروا فيها مطاعن.
وكذا الترمذي كثيراً ما يصحح أحاديث في جامعه، ولا تكون صحيحة وهكذا ما اشتهر عن الحاكم في مستدركه.
ولو كانت أمارات الصحة ظاهرة مفيدة للعمل لما وقع فيها هذا الاختلاف الكثير، فيقال: لقد اصطلح أهل الحديث على تمييز الصحيح الثابت من الحديث النبوي في رجاله ولفظه ومعناه مما يعرفونه به من غيره.
ولم يكن العلماء بهذا الفن على استواء في العلم بهذه المميزات، مما كان سبباً لمثل هذا الاختلاف ولا شك في تقدم أهل الصنعة في ذلك كالبخاري ومسلم، والإمام أحمد ويحيى بن معين ونحوهم على غيرهم.
فنحن عند اختلافهم نعمل بالترجيح الذي يكون بالأكثرية، كما يكون بالقوة وتمام المعرفة، وهذا ما تميز به البخاري ومسلم في صحيحيهما.
وقد عرف أيضاً أن الحكم بصحة الحديث لا يعتمد الإسناد دائماً، فقد يكون له طرق أخرى يعرفها من صححه، أو يكون هناك قرائن تقوي ثبوته لم يطلع عليها من طعن فيه.
أما الترمذي فقد عرف عنه نوع من التساهل في التصحيح، ظهر ذلك بالتتبع. فحكمه بالصحة معتبر في الغالب. وقد يكون مقيداً بما ظهر له وإن خالفه غيره.
وأما الحاكم فهو - وإن كان واسع الحفظ كثير الرواية- لكنه كثير التساهل في التصحيح، ولهذا لا يوثق غالباً بتصحيحه وحده.
وقد تتبعه في مستدركه بعض العلماء كالذهبي، فوافقوه على الكثير مما حكم بصحته، وخالفوه في كثير مع إيضاح وجه المخالفة؛ مع أنه غالباً إنما يجزم بصحة السند دون المتن، وذلك مقيد بما ظهر له من حال الرواة.
وهذه سنة الله في وجود هذا التفاوت بين خلقه.
ولكن لا يلزم من الاختلاف في البعض التوقف في الجميع، فإن الغالب من أحاديث المصححين وغيرهما مما ثبت لم يقع فيه اختلاف بين الصحيحين والحمد لله.

3- ومنها قولهم: إنما يجب حسن الظن بالراوي من غير جزم، لأن الله يقول في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء). ولقوله تعالى: (إن بعض الظن إثم)(الحجرات:12). ولم يقل: كل الظن. فيقال: هذا مما لا صلة له بما نحن فيه.
أما ظن العبد بربه وأمره بإحسان الظن. فذلك فيما يعامله به من الجزاء في الدارين، ولا شك أن الله قد حجب عن العبد ما هو فاعل به في دار الجزاء، فأمر بأن يحسن الظن بربه، لحمله ذلك على الرجاء الذي يستلزم الجد في الطاعة، ليتحقق ما ظنه.
أما قوله تعالى: (إن بعض الظن إثم) فسياق الآية في ظن المسلم بأخيه أنه اغتابه أو حسده، أو رام له شراً، ونحو ذلك مما ينقله الوشاة لقصد إثارة العداوة والبغضاء، مع أن أكثره لا صحة له، ولكنه قد يسبب سوء الظن من المسلم بأخيه، فأمر المؤمنون بتجنب كثير من هذا الظن الذي يثير الشحناء والتقاطع بين المسلمين. وليس في الآية أمر ببعض الظن أصلاً.

4- ومنها قولهم: لو علم الله صدق خبر الواحد لم يخلنا من دليل على ذلك. فيقال: لا شك أن الله ضمن بقاء دينه وشرعه لهذه الأمة بعد أن أكمل لهم الدين، وأتم عليهم النعمة.
ولا شك أن أكثر تفاصيل هذا الدين إنما تؤخذ عن هذه الأخبار، فلو كانت كذباً في نفس الأمر لأقام الله على ذلك أدلة وبراهين، كي لا يلتبس الحق بالباطل، فتقع الأمة في الزيغ والضلال.
وهذا أوضح دليل على أنها صدق وحق.
وهكذا من أوضح الأدلة وأكبر البراهين على صحتها إجماع الأمة في الجملة على العمل بها.
فهذا الدليل ينبغي أن يعكس عليهم فيقال: لو علم الله أنها كذب مع عمل الأمة بها لأقام برهاناً واضحاً على عدم صحتها، فدل على أنها صحيحة ثابتة.

5- ومنها قولهم: إننا لا نصدق كل خبر نسمعه، فلو كان خبر الواحد يفيد العلم لصدقنا كل ما سمعناه، وحصل به العلم كما يحصل بكل متواتر، ولم يلزم اشتراط إسلام الرواة وعدالتهم في قبول الآحاد، كما لا يلزم ذلك في المتواتر.
فيقال: حقّاً إننا لا نصدق كل خبر، ولكن لا يلزم منه تكذيب كل خبر، ولا التوقف في جميع الأخبار، فنحن نصدق البعض يقيناً، ونجزم بكذب البعض، وقد يترجح لنا أحد الاحتمالين من غير جزم، وقد نتوقف في البعض، وقد يحصل التوقف للبعض منا دون البعض؛ وهذه سنة الله في التفاوت بين خلقه في الأفهام والمدارك، فلا يلزم من رد البعض رد الكل.
أما حصول العلم بكل متواتر فإنما ذلك نظراً لتوفر شروطه التي صدق عليه لأجلها اسم التواتر، وحصل به العمل الضروري، بخلاف الآحاد فإن أفراده تختلف، فلا يحصل العلم بكل آحاد.
أما عدم اشتراط العدالة والإسلام في رواة المتواتر، فإنما كان ذلك لحصول العلم بالكثرة التي يؤمن معها التواطؤ على الكذب، وهي مفقودة في الآحاد.

6- ومنها قولهم: لو أفاد خبر الواحد العلم لما تعارض خبران، ونحن نرى الكثير من الأخبار تتعارض، فإن قيل بإفادة الجميع العلم حصل اجتماع الضدين وهو محال، وإن قيل بإفادة أحدهما كان ترجيحاً بلا مرجح.
وهذا يحقق أن أحدهما لا بعينه كذب، فيوجب التوقف في كل خبر.
فيقال: إن هذا مجرد فرض لما لا يمكن وقوعه، كما لا يحصل ذلك بين متواترين، ولا بين خبرين تحتف بكل منهما القرائن المنفصلة.
ثم إذا حصل العلم اليقيني بالخبر فلا بد من خطأ كل خبر يعارضه المعارضة التامة.
ثم إن ما يوجد من الحديث الصحيح ظاهره التعارض يمكن حمل كل من المتعارضين على وجه صحيح.
ولقد تكفل العلماء بالسنة بالجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التناقض، فخرجوا كل حديث على معنى محتمل، كما فعل ابن قتيبة في (تأويل مختلف الحديث) وكذا ابن القيم، وشيخه ابن تيمية في مؤلفاتهما.
وقد ذكرنا في المقدمة الجمع بين النهي عن كتابة الحديث بقوله: (لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن) مع الإذن فيها بقوله: (اكتبوا لأبي شاه) ونحوه وما لا يمكن الجمع بينهما حمل على التوسعة، وجواز الأمرين، كصفات صلاة الخوف، وألفاظ التشهد، أو على الخصوص كإذنه صلى الله عليه وسلم لامرأة أبي حذيفة أن ترضع سالماً مولاهم، وهو رجل، لتصير أما له في المحرمية، مع قوله: (إنما الرضاعة من المجاعة).
وقد يحمل على أن المتقدم من الحديثين منسوخ عند معرفة المتأخر كحديث: (الماء من الماء). مع حديث: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل) المتأخر عن الأول.
وما لا يمكن تخريجه على شيء من ذلك يحمل على خطأ بعض الرواة، لمخالفته رواية الأكثرين، وهو ما يسمى شاذاً، وقد سبق ذكره، وذلك كما روي في صلاة الكسوف بأكثر من ركوعين في كل ركعة ونحوه عند بعضهم.

7- ومنها قولهم: لو حصل العلم بخبر الواحد لما احتيج في الأحكام إلى تعدد الشهود، ولا إلى يمين المدعي مع الشاهد، فعدم جواز الحكم بشهادة الواحد دليل عدم حصول العلم بخبره، فكذلك كل خبر واحد.
فيقال: لما كانت حقوق العباد بينهم كثيراً ما يقع فيها النزاع والتشاجر، جعل الله الحكم بينهم بأمر ظاهر منضبط، هو البينة التي إذا وجدت تحتم الحكم بها.
وليس ذلك لحصول العلم بما شهدت به، ولا لعدم حصوله بما دونها.
فإن الحاكم لو حصل له العلم بخلاف ما شهدت به لم يجزله القضاء بعلمه، والعدول عن البينة.
فالقاضي قد يحصل له العلم بالقضية بدون بينة، وقد يحصل له بشهادة واحد، وقد لا يحصل له بشهادة أربعة أو أكثر.
ولكنه مكلف بالحكم إذا تمت البينة، فلو امتنع من ذلك أثم، ولو كان الأمر في الباطن بخلاف ما حكم به.
ثم لا يلزم من الحكم بموجب الشهادة العمل بالظن، ولا القول بأن خبر الواحد إنما يفيد الظن، فيعمل به لذلك.
حيث إن الأخبار الدينية تتضمن شرع الله الذي تكفل بحفظه، وضمن بقاءه، فلا بد من وضوح ظاهر في الفرق بينه وبين ما سواه من الباطل. لذلك كان ما تضمنته هذه الأخبار حقاً متيقناً، مقطوعاً بصحته، بخلاف ما شهدت به البينة، فإنه في حقوق العباد، مما قدر الله بينهم فيه التظالم والتعدي من بعضهم على البعض الآخر، وقد شوهد من بعضهم الكذب والزور.
فكان ما شهدت به البينة يكون أحياناً مظنوناً وقد يكون متيقن الصحة أو الكذب، فالحكم إذا إنما يعتمد أمر الله بذلك، وهو أمر بشيء منضبط لاخَفَاء فيه، ثم فيه نوع من التعبد فيأثم من تركه.
وهذا بخلاف أخبار الدين، فإننا لا نحكم بثبوتها لنقل اثنين أو أكثر مع تطرق الشك، أو غلبة عدم صحة الخبر، ونصدق خبر من دون نصاب الشهادة إذا ظهرت أمارات الصدق.

8- ومنها قولهم: لو أفاد خبر الواحد العلم لجاز نسخ القرآن ومتواتر السنة به، لكونه بمنزلتهما، فلما لم يجز ذلك دل على عدم إفادته العلم.
فيقال: يندر أن يقع الاختلاف الكلي بين نص من القرآن أو السنة المتواترة مع الآحاد الصحيحة، يحتاج معه إلى القول بالنسخ، مع أن النسخ حتى بالمتواتر قد أنكره بعض من ينتسب إلى العلم ونصره بعض المتأخرين.
ثم إن احتيج إليه فلا مانع من القول بالنسخ، ورفع الحكم السابق، عند تعذر الجمع، ولو كان السابق معلوماً بالضرورة، بعد تحقق ثبوت الخبر وتأخره.
وقد وقع ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فعمل أهل قباء بخبر الواحد الذي نقل لهم نسخ القبلة الأولى، وهكذا أبو طلحة الأنصاري أتلف جرار الخمر، وأمر بإراقتها اعتماداً على خبر الذي نقل لهم تحريمها كما سيأتي تخريج هذين الحديثين إن شاء الله.
ثم إن قيل بالمنع فإنما ذلك لعدم المساواة في العلم، وسيأتي قريباً إن شاء الله أن العلم يتفاوت في الكم والكيف، ولأن السنة متأخرة الرتبة عن القرآن، لكونها بياناً له، ولحديث معاذ الذي سيأتي إن شاء الله، لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (كيف تقضي؟) قال: بكتاب الله، قال: (فإن لم تجد؟) قال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

9- ومنها قولهم: لو حصل العلم بخبر الواحد مجرداً لم يحتج من ادعى النبوة إلى تأييد خبره بالمعجزات التي يعلم بها صحة ما ادَّعاه، فإن العلم يحصل بمجرد خبره، فلا يحتاج إلى زيادة مقويات، لأنه تحصيل للحاصل.
فيقال: لما كان مدعي النبوة قد جاء بشيء غير مألوف، ونصب نفسه مشرعاً مخبراً عن الله، يبين الحلال والحرام، وينقل الناس عن أعمال وعادات كانوا قد ألفوها، وألفوا عليها أسلافهم، إلى أحكام جديدة لم يكن لهم بها علم من قبل، ويعدهم على طاعته الثواب، ويحذرهم نقمة الله على مخالفته، كان شيئاً مستغرباً في نفوسهم، يصعب عليهم اعتناقه ومفارقة ما ألفوه، فاحتاج إلى آيات تقوي صدقه.
وأيضاً فليس كل من ادعى النبوة مأموناً من كونه متقولاً على الله، لما في هذا المنصب من الرفعة، وحفظ النفس الذي يجلب التهمة لمن ادعاه، فلا يقبل منه إلا ببينة.
فلذلك احتاج مدعي النبوة إلى ما يقوي دعواه، ويوضح للناس صدقه، ويحملهم على تقبل ما جاء به من المعجزات وخوارق العادات.
ثم إن هذه سنة الله في خلقه، أن يؤيد رسله بالبينات والدلائل الظاهرة، وما هكذا يكون كل خبر عدل ينقل عن مثله شرعاً لم يكن هو الذي ابتدأه، وإنما أسنده إلى مصدره، وقد عرفت منه الثقة والأمانة، فلا مانع من وقوع العلم بخبره.


10- ومنها قولهم: إننا نشاهد تزايد العلم في القلب كلما تكرر من المخبرين، ولو حصل العلم لأول مرة لما وقع هذا التزايد المحسوس، لأن العلم شيء واحد، لا يقبل الزيادة ولا النقصان.
فيقال: نحن لا نشك أن خبر الواحد العدل يحصل به كمال العلم، ويستيقن القلب صحته، بحيث لا يتخالجه شك كما هو مشاهد، فزيادة المخبرين قد تكون من باب تواتر الأخبار وترادفها، الذي يقوي الخبر ويؤكد ثبوته.
ثم إذا سلمنا ما تصوره من زيادة العلم بزيادة المخبرين، لم نسلم عدم التفاوت في نفس العلم، فإن العلم بالشيء على الصحيح يتفاوت في الكم والكيف والقوة، ولذلك فرق بين علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، كما فُرق بين العلم الضروري والنظري، مما سوغ التفريق بين العلم الحاصل عن المتواتر والآحاد، وشاهد ذلك العقل والفطرة السليمة.

11- ومنها قولهم: إن الإجماع منعقد على عدم تكفير مخالف خبر الواحد وتفسيقه، وما ذاك إلا لأنه لا يفيد العلم، فليس كالمتواتر الذي يكفر ويبدع من رده بدون تأويل.
فيُقال: نحن قد ذكرنا أن العلم بالخبر متفاوت بحسب معلومات من وصل إليهم، وأن من السامعين من يقطع بكذب بعض الأخبار، اعتقاداً لخطأ الناقل أو كذبه، أو يراها مخالفة لما يعرفه ويفهمه من ظواهر النصوص، وهو مخطئ في نفس الأمر، ولكنه معذور لاجتهاده.
ومنهم من يصدق بالخبر ولكن لا يرى دلالته ظاهرة.
وعلى هذا فيجب علينا أن نحسن الظن بمن رأيناه قد خالف بعض الأخبار الصحيحة، فنحمل ذلك على أن الخبر لم يصل إليه، أو لم يصح عنده، أو رأى له محملاً أو تأويلاً دفعه به، أو نحو ذلك.
وعلى هذا يحمل ما روي عن بعض الصحابة من رد بعض الأخبار التي ثبتت عند المحدثين لا على أنها لا تفيد العلم.
فأما إذا تحققنا ثبوت الحديث عند شخص، وعدم ما يسوغ له رده، ثم رأيناه بعد ذلك لم يقبله، أو ترك العمل به بدون عذر أو تأويل، فإننا -بعد إقامة الحجة عليه وإبائه- نلتزم تبديعه وتفسيقه بذلك.
وقد اشتهر عن الأئمة رجوعهم إلى الأحاديث متى صحت عندهم، ونبذهم لما سواها، مما كانوا يقولون به أو يرونه قبل ذلك، وهكذا اشتد نكيرهم على من خالفها بدون تأويله إلى غيرها من الآراء وأقوال الرجال.
وما ذاك إلا لثبوتها عندهم وإفادتها العلم اليقيني والله أعلم.


أدلة من قال بالجواز لقبول أخبار الآحاد في العقائد


لقد أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام بتبليغ ما أنزل عليه، وبدعوة الناس إلى ما خلقوا له، وكان من أهم ذلك تعريفهم بأصول الدين، من معرفة ربهم، وتوحيده، وأسمائه وصفاته، وجزائه وقضائه وقدره، ونحو ذلك.
وما ذاك إلا أن هذه العلوم تعتبر كالأساس الذي يقوم عليه البناء للإسلام، فلزم تقدم العلم بها على كل عمل، ليصح اعتقاد العبد، ولتعتبر نيته التي يدور عليها قبول العمل أو رده. لذلك بدأ صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى معرفة هذه القواعد والأسس، وأقام عليها الأدلة، وضرب لها الأمثال، وما كان قصده إلا رسوخ الإيمان في قلوب من صدقه وآمن برسالته لما ينبعث من ذلك من المبادرة إلى العمل والقيام بسائر التكاليف. ولقد لزمه صحابته رضي الله عنهم، فتلقوا عنه أنواع العلوم في الأصول والفروع، وتقبلوها معتقدين لمفادها، وعاملين بمقتضاها.
وهكذا بلغوها لمن بعدهم، امتثالاً لأمره، حيث قال: (بلغوا عني ولو آية) فكان لزاماً على كل مسلم قبول ما بلغه عنهم، آثرين له عن نبيهم صلى الله عليه وسلم وتصديقه، سواء كان متواتراً أو آحاداً، بعد ثبوته وتوفر أسباب قبوله، أيّاً كان متعلقه أصولاً أو فروعاً.
ولقد تلقى السلف من جملة ما بلغهم عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أحاديث الصفات والعقائد، ودونوها في مؤلفاتهم، موقنين بصحتها، عالمين يقيناً بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بها كما جاء بالصلاة والزكاة والتوحيد، وهذا مثل أحاديث الشفاعة، والحوض، والميزان، وعذاب القبر ونعيمه، ورؤية الله في الآخرة، وتكليمه لعباده كما يشاء، وعلوه على خلقه، وإثبات العرش، ونحو ذلك.
فإن كل من له معرفة بأحوال الرواة، وطرق الأحاديث، يتحقق ثبوت هذا النوع من السنة، ويوقن بصدوره عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كانت طرقه آحاداً، فإن الذين نقلوه لنا هم الذين نقلوا جميع أنواع الشريعة، فيلزم من رد بعض أخبارهم وقبول البعض التفريق بين متماثلين، وإلحاق الطعن بالصحابة والسلف، وعدم الثقة بأخبارهم مع ما عرف من ورعهم وتثبتهم، وتحريهم للصدق، إلى غير ذلك مما ينافي سوء الظن بهم.
وإليك بعض الأدلة القاطعة على قبول هذا النوع من الأخبار في هذا الباب:
1- فمن ذلك: ما تقدم من تناقل السلف لهذا النوع من الأخبار، وتداولها بينهم، والحرص على تلقيها وتحصيلها، ثم الاشتغال بمذاكرتها، وإثباتها في المؤلفات. وإن في هذا لأوضح دليل على أن قد تحققوا صحتها، واستفادوا منها العلم اليقيني، وإلا لذهب عملهم ضياعاً، وحاشاهم أن يفنوا أعمارهم في تناقل ما لا يفيد علماً ولا يوجب عملاً.
فإنه من المتفق عليه أن ما تحتوي عليه هذه الأخبار ليس من الأمور العملية التي تنقل لأجل أن يعمل بها، وإن كانت ظنية.
فما بقي إلا أن يتحقق يقينهم بمعناها، واعتقادهم لما دلت عليه على ما يليق بجلال الله، وهذا هو ما عليه الصحابة والتابعون، ومن اقتفى أثرهم من سلف الأمة وأئمتها.

2- ومن الأدلة: ما اشتهر عن الأئمة من إدخال مدلول تلك الأخبار في معتقداتهم، وتصريحهم بالقول بمقتضاها، وردهم لقول من جحدها، وتحذيرهم منه.
وما ذاك إلا لتحققهم صدقها، وعدم الشبه والشكوك في قلوبهم، مما يسبب نفرتهم عن الإصغاء إليها، بل إن أحدهم يتقبل كل ما سمعه من أخيه الذي يثق بصدقه ودينه، من غير توقف في نوع ما من أخباره.
بل إن عظمة حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قلوبهم أعظم من أن يردوه بمثل هذه التوهمات.
وكذلك قدر الصحابة ونقلة الحديث وحماته أجل عندهم من أن يتطرق إليهم تهمة، أو يقال لأحدهم: خبرك خبر واحد، فلا يفيد العلم، أو لا يقبل إلا في الفروع.
وقد روي عنهم التثبت، وطلب زيادة رواة في بعض أحاديث الأحكام، كما طلب عمر من أبي موسى أن يأتي بمن يتقوى به في خبر الاستئذان، فأتى بأبي سعيد، وكذا استظهر المغيرة بمحمد بن مسلمة ليشهد معه عند عمر على خبر دية الجنين وميراث الجدة. وغير ذلك.
ولم ينقل عنهم التوقف في شيء من أخبار الصفات، أو المعاد ونحوها، بل قد اشتهر عنهم إمرارها كما جاءت بلا كيف، وعدم التعرض لتأويلها، وصرح الكثير منهم بالقول بمقتضاها على ما يليق بجلال الله تعالى.


3- ومنها: ما تواترت به الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعثه الدعاة إلى أطراف البلاد، وعهده إليهم تبليغ جميع الدين أصولاً وفروعاً، مع البداءة بالتوحيد كما في حديث معاذ المتفق عليه، لما بعثه إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) وفي رواية: (-إلى أن يوحدوا الله- فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم).
فانظر كيف أمره بتقديم الدعوة إلى التوحيد، ثم بأركان الإسلام، ولم ينقل أن أحداً من أولئك الرسل اقتصر على تبليغ الفروع، أو الأعمال الظاهرة. بل كانوا يدعون إلى الإيمان بالله وثوابه وعقابه، والشهادة لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة. وهكذا بلغوا عنه أيضاً العبادات الظاهرة المعلومة من الدين بالضرورة، كالصلاة والزكاة، وكذا المحرمات المجمع على تحريمها كالزنا وقتل النفس، وكل ذلك مما تقبله عنهم من استجاب لدعوتهم، وبقي معتقداً لما تلقاه من أصول أو فروع، وقامت عليه الحجة بذلك، وهو دليل القبول.
وقد اعترض على هذا الدليل من قبل المنكرين بأن بعث أولئك الرسل لم يكن لتعليم الأصول، وإنما هو لإخبارهم بالأدلة العقلية، والآيات الكونية التي يعرفونها بفطرهم.
فيقال: هذا ليس بشيء، فإن ما يعرفونه بعقولهم لا يكفي لقيام الحجة عليهم، وإلا لم يكن هناك حاجة لعبث الرسل.
ويرد ذلك التصريح بتقديم الدعوة إلى التوحيد، كما في حديث معاذ المذكور، ولم ينقل أن أحداً من أولئك الصحابة بدأ بتعريف الدلائل العقلية، قبل الدعوة إلى الشهادتين.


4- ومنها: ما تضمنته كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك في زمانه، التي دعاهم فيها إلى الإسلام أصلاً وفرعاً، وقد حصل بها تبليغهم الرسالة التي كلفه الله بها، ولا شك أن كتبه إذ ذاك بطاقات صغيرة في الغالب، يتولى كتابتها شخص واحد، ويحملها واحد؛ ولو كان خبر الواحد لا يقبل في الأصول للزمه أن يبعث إلى كل قطر جماعة يبلغون حد التواتر، ليحصل العلم بخبرهم، ولو فعل ذلك لم يبق معه في المدينة أحد.
ولما لم يقع هذا أفاد اكتفاؤه بالواحد حصول العلم، ووجوب الالتزام بخبر الواحد في الأصول والفروع وهو المراد.

5- ومن الأدلة أيضاً : قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)(النحر:43). ووجه الدلالة منها أنه أمر بسؤال أهل الذكر عن الرسل ودعوتهم، وماذا أوحى إلى كل منهم، وكونهم من جنس البشر، وهذا من أكبر الأصول؛ فقد أمر من لا يعلم ذلك أن يسأل أهل الذكر، ولو لم يجد إلا واحداً منهم، ولا بد أن جواب المسؤول يكتفى به ويلزم اعتقاده؛ وسيأتي إيضاح دلالة الآية بأبسط من هذا إن شاء الله في النوع الأول من الفصل الثاني من الباب الخامس.


شبه المخالفين ومناقشتها


في أواخر عصر الصحابة ظهرت بدع في الدين، وقد كثر معتنقوها في القرن الثاني وما بعده، وذلك مثل نفي القدر والشفاعة، وإنكار صفات الله تعالى التي وردت في النصوص، كالكلام والعلو، والنزول والمجيء ونحوها.
وأكثر أهل تلك البدع ملاحدة تستروا بالإسلام، وما كان قصدهم إلا إفساد العقائد، وبلبلة الأفكار، وقد أنكر السلف بدعتهم، وحذروا من مجالستهم، أو الإصغاء إليهم.
ولقد مكثوا طوال القرن الثاني أذلاء مقموعين في الغالب، ثم تمكن بعضهم في أول القرن الثالث من الاتصال ببعض الولاة، مما سبب ارتفاع مناصبهم، وشهرة ذكرهم، وانتشار عقائدهم الزائغة، وكثرة من قلدهم على غير هدي، بل إحساناً للظن بهم. ولقد تظاهروا بتقديس الوحيين، وأخذ الدليل منهما، عندما رأوا عظمة قدرهما في قلوب عوام المسلمين.
كما تظاهروا بقصد تعظيم الله، وتنزيهه عما لا يليق به بزعمهم من صفات الحوادث، ومشابهة الخلق، وما ينكره العقل.
ولما كانت النصوص في الكتاب والسنة صريحة في معارضة ما قرروه، وإبطاله من الأساس، احتالوا لردها حتى تسلم لهم عقيدتهم، فسلطوا التأويلات على نصوص القرآن في هذا الباب، حتى صرفوها عن المفهوم المتبادر منها ثم ردوا نصوص السنة من أصلها، ومنعوا الاستدلال بها في العقيدة، حيث اصطلحوا على تقسيمها إلى متواتر وآحاد.
فردوا المتواتر -مع ندرته عندهم- بأنه وإن كان قطعي الثبوت لكنه غير قطعي الدلالة، لتطرق الاحتمالات إليه كنصوص القرآن.
أما الآحاد فاصطلحوا على أنها لا تفيد إلا الظن، مهما بلغت من الكثرة والثقة برواتها؛ وأن ما كان مظنوناً لا يعتمد في أدلة الأصول التي يجب أن تكون يقينية قطعية. ولكنهم تناقضوا، حيث أثبتوا كثيراً من أصولهم وقواعدهم بأدلة ظنية أو وهمية، كما في كتب الأصول.

وإليك بعض شبههم في رد الآحاد في هذا الباب مع مناقشتها:


1- أن هذه الآحاد إنما تفيد الظن فلا تقبل في الأصول التي يجب أن تكون أدلتها يقينية قطعية.

فيقال: تقدم في الباب قبله من الأدلة على إفادة خبر الثقة العلم اليقيني ما فيه الكفاية، وبعد ثبوت ذلك لا يتصور فرق في الاستدلال بها بين الأصول والفروع، ثم بتقدير أنها إنما تفيد الظن الغالب، وأن الأحكام والأوامر تثبت بمثلها، لا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بها، فإنه لا فرق بين الطلب والخبر، بحيث يحتج بها في أحدهما دون الآخر، فالتفريق بينهما تفريق بين متماثلين، وذلك لأن الطلب يتضمن القول على الله بأنه شرع كذا، ورضيه ديناً، وشرع الله ودينه هو بمقتضى أسمائه وصفاته، فالطلب متضمن للخبر وبالعكس كما هو واضح.

2- أن من رد شيئاً من الأصول والعقائد يكفر وأخبار الآحاد لا يكفر من رد منها شيئاً للاختلاف في ثبوتها.
فيقال: سبق أن استدل بهذا على أن الآحاد لا تفيد العلم مطلقاً، وأجيب هناك بأن من اتضحت له السنة ولو آحاداً وتحقق ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ردها بدون تأويل ولا شبهة، وقامت عليه الحجة فإنه يكفر. لتظاهره برد شيء مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه، ومن رد شيئاً من دين الرسول كمن رد جميعه.
وعلى هذا فلا فرق بين الأصول والفروع في التكفير، فتخصيص الأصول لا دليل عليه.

3- قالوا: إن الحق واحد في باب الخبر اتفاقاً، فمن رد شيئاً منه فهو كافر أو فاسق، بخلاف الطلب، فإن الصواب متعدد، فالحق يرجع إلى ما حكم به المجتهد، فإن كل مجتهد مصيب، وبهذا ردت المعتزلة جميع الآحاد مطلقاً.
فيقال: هذا قول مخترع، لم يسبقوا إليه، فإن الحق واحد، منحصر في أدلته الشرعية، إلا أن من أخطأه بعد بذل الجهد في طلبه معذور في خطئه، مأجور على اجتهاده.
وما زال السلف يعترفون بخطئهم، ويرجعون عنه إلى الصواب إذا اتضح لهم الدليل، وينقضون أحكامهم السابقة، وهذا واضح في أن الصواب منحصر في قول واحد، سواء أكان في الأحكام أم في الأخبار، وأدلة ذلك مستوفاة في كتب الأصول.
ثم إنهم تباينوا في تعريفاتهم لحقيقة كل من الأصل والفرع، وكل تعريفاتهم واضحة البطلان، كما بين ذلك المحققون كابن تيمية وابن القيم وغيرهما.


التمهيد :


بعد أن تحققت أن خبر العدل يفيد العلم، و أن أحاديث الآحاد التي تقبلتها الأمة فعمل بها الأكثر، و اشتغل بعضهم بتأويل البعض منها، لئلا ترد عليهم قد أفادتهم العلم اليقيني، فإن هذا الباب يعتبر فضلة.
فإن العلم تابع للعلم، لما عرف من وجوب العمل بكل ما تحقق صدوره عن الرسول عليه الصلاة والسلام.
و لكن المتكلمين عقدوا هذا الباب بناء على أنها ظنية، و سردوا فيه الأقوال و الأدلة العقلية و النقلية، فلم يكن بد من بيان حال تلك المذاهب، و تمحيص ما أوردوا لها من الأدلة، و إزالة شبه من خالف ما هو الواجب، و قد نعيد بعض الأدلة التي سبقت لبيان دلالتها، و الجواب عما أوردوا عليها.


دلالة العقل على العمل بخبر الواحد :


كان السلف يعتمدون الأدلة السمعية، ويرجعون إليها دائماً، ويحكمونها في الخلاف بينهم، ولا يلتفتون إلى موافقتها للعقول أو مخالفتها.
ولقد أنكروا علم الكلام عند ظهوره، وحذروا منه، لما فيه من الإعراض عن الأدلة السمعية، ولما يسببه من الحيرة وكثرة التقلب.
ولم أطلع للسلف على قول في حكم التعبد بخبر الواحد، ولا في دلالة العقل عليه أو عدم دلالته.
وهذا يدلنا منهم على أمرين:

1- أنهم لا يفرقون بين المتواتر والآحاد من الأخبار، بل إن صحة الخبر لديهم هي السبب الوحيد في قبوله، وتحتم اتباعه، والإنكار بشدة على من خالفه.

2- أنهم لم يتدخلوا بعقولهم في أحكام الشريعة، بل إن الدليل السمعي -ولو آحاداً- هو المقدم عندهم على ما يتوهمه العقل، وما ذاك إلا لسلامة فطرهم عن الزيغ والشبه، وفي ذلك دليل على أن السمع الصحيح لا يخالف العقل الصريح أبداً أما أهل الكلام فقد ابتدعوا أدلة عقلية، وردوا لأجلها الأدلة السمعية، وعند التحقيق يعلم أن أدلتهم خيالات لا تثبت على حال، فأحدهم يجزم بأن العقل يوجب هذا، بينما الآخر يجزم بأنه يحرمه.

ومثال ذلك: ما قالوه في هذا الباب فإن فيه لهم ثلاثة أقوال:

القول الأول: منع التعبد بخبر الواحد عقلاً:
وهذا قول بعض المعتزلة، كالجبائي وابن علية والأصم، وجماعة من أهل الكلام. ولهم على ذلك شبه:

1- منها: أن التعبد به يؤدي إلى تحليل الحرام، وتحريم الحلال، لإمكان كونه كذباً في الباطن، ففي العمل به مفسدة تخالف مقتضى القواعد الشرعية فلا بد أن يقيم الله على كل حكم برهاناً قطعياً (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة)(الأنفال:42) أما أن يحيلهم على دليل ظني يجوز العقل خطأه فلا، لما يترتب عليه من قلب الحقائق، واستباحة المحظورات، مما هو خلاف حكمة الشارع.
وهذا الدليل ليس عقلياً محضاً، بل مما أخذه العقل من الشرع. فيقال:
(أ) يبطل اللزوم على مذهب المعتزلة في أن كل مجتهد مصيب؛ حيث أنه لا حلال ولا حرام في نفس الأمر، وإنما ذلك يظهر بعد الاجتهاد، فعليه لا يلزم محذور إذا اعتمد المجتهد على خبر يمكن أن يكون كذباً في نفس الأمر.
فإن العمدة اجتهاده، وقد أصاب كما يصيب من خالفه باجتهاد آخر وهلم جرا.
أما على مذهب الجمهور في أن المصيب واحد -فإنما يلزم تحريم الحلال وعكسه أن لو قيل بالقطع بموجبه، أما أن يقال بالظن- الذي هو ما يقدره المجتهد- مع تجويز خلافه.
فإنه لا يلزم منه مخالفة حكم الله.

(ب) أن إمكان كذبه يضعف بتوفر شروط قبوله المعروفة، فيكون العمل به مستنداً إلى يقين أو ظن غالب.

(ج) المعارضة بما وافقوا عليه من قبول الشهادة والفتيا والحكم والظن في تحري القبلة، فإن الشهادة قد يقطع بصدقها كشهادة الأنبياء، وقد يظن كشهادة غيرهم، والكل يعمل به، وكذلك فتوى النبي صلى الله عليه وسلم وقضاؤه مقطوع بصحته غالباً، فألحق بذلك حكم سائر الحكام وفتوى المجتهدين، وكذلك القبلة يقطع بها عند معاينة الكعبة فألحق به ظنها بالاجتهاد.
فهكذا يلحق بخبر النبي صلى الله عليه وسلم المقطوع به خبر كل ثقة يظن صدقه، فلا فرق بينه وبين الصور قبله.

(د) وأجاب الآمدي وغيره بأن دليلهم مبني على وجوب رعاية المصالح في أحكام الشرع وأفعاله، وهو غير مسلم.
ولكن هذا الجواب غير سديد، فإن أفعال الله تعالى معللة بمصالح العباد على الصحيح، والله تعالى كتب على نفسه الرحمة، من غير أن يوجب عليه أحد شيئاً، وإنما لتمام حكمته وإحسانه بالعباد كانت أفعاله وأوامره ونواهيه في غاية المناسبة، وكان مما ينافي حكمته تكليف الخلق بما لا فائدة فيه، أو بما هو ضرر محض.

2- ومنها قولهم: يلزم منه اجتماع الضدين كما لو روي خبر في تحريم هذه العين وآخر في تحليلها، واستويا في استيفاء شروط القبول، فالعمل بهما معاً محال، وبأحدهما ترجيح بلا مرجح.
فيقال: سبق أن أشرنا إلى أن كل دليلين ثبتت صحتهما فوجود المعارضة بينهما نسبية غالباً وأن الأئمة تمكنوا من الجمع بين ما أوهم التعارض وتخريج كل دليل على وجه صحيح، أو جعلوه من باب التوسعة، وتجويز الأمرين معاً، أو جعلوا المتأخر ناسخاً للمتقدم بعد معرفة التاريخ إلى آخر ما تقدم.

3- ومنها: لو جاز التعبد بخبر الواحد لجاز قبول خبر من ادعى النبوة بلا معجزة فيقال: سبق الجواب عن هذه الشبهة وبيان أن من ادعى النبوة جاء بأمر مستغرب، وفيما جاء به نقل الناس عن كثير من عاداتهم إلى ما لم يألفوه، ثم ما في دعواه من إمكان كونه طالب رئاسة أو حظ لنفسه، فاحتاج إلى تأييد قوله بمعجزة، لئلا يتقول أحد على الله، وليس كذلك من نقل شرعاً عن غيره مقتدياً بسائر الرواة.

4- ومنها: أنه قد اتفق على عدم قبول الآحاد في الأصول، فدل على امتناعها في الفروع، فلا فرق بينهما، فيقال: هذا الاتفاق متوهم وقد ذكرنا أن السلف لا يفرقون في قبولها بين ما يتعلق بالأصول أو بالفروع، وقد أجاب المتكلمون هنا بأنه قد اتفق على أن الأصل لابد له من دليل قطعي، بخلاف العمل فيكتفى له بالظني، هكذا أجابوا لكن عملهم غير مطرد على ما ذكروا، ثم يطالبون بالفرق، والصحيح هو ما أشرنا إليه من القبول في الكل.

5- ومنها قولهم: لو جاز التعبد به لجاز نقل القرآن المتعبد بتلاواته بقراءة الآحاد، وهو خلاف الإجماع، فيقال لما كان القرآن يعتبر معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم، لزم أن يكون مما يقطع بنقله، بخلاف الأحكام الشرعية، فتثبت بالظن الغالب.
ثم إن الصحيح إن شاء الله أن القراءة إذا صح سندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ووافقت رسم المصحف قبلت، وإن لم يقرأ بها أحد من السبعة أو العشرة
.
القول الثاني: أن العقل يوجب العمل بخبر الواحد:

وهذا قول ابن سريج والقفال من الأشاعرة، وأبي الحسين البصري من المعتزلة وغيرهم، وحكي عن الإمام أحمد، وقاله أبو الخطاب.

واستدلوا لذلك بما يأتي:

1- أن في ترك العمل به تعطيلاً لأكثر الوقائع عن الدليل، لقلة الأدلة المقطوع بها بالنسبة للحوادث، وحكمة الله تقتضي أن كل حادثة تكون معروفة الحكم بدليل يجب قبوله، وأكثر الوقائع إن أدلتها آحاد، فيجب قبولها.

2- أنه من المعلوم عموم بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، وليس في إمكانه مشافهة الجميع، ولا أن يبعث إلى كل جهة عدداً يبلغون حد التواتر، فلم يبق إلا الاكتفاء بالآحاد، فلو لم يجب على الأمة العلم بأخبارهم لم يحصل التبليغ، ولم يكن لبعثهم فائدة.

3- أن ظن صدق الراوي يرجح وجود الحكم الذي يترتب على تركه العقاب، والعاقل يحتاط بامتثال هذا الأمر، ليسلم من هذا العقاب ولو مظنوناً.
وأيضاً لما كان العلم بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم معلوماً من الدين بالضرورة في الجملة، وكانت هذه الأخبار قد جاءت تفصيلاً لتلك الجملة، لما في فعله مصلحة، وفي تركه مضرة، كانت مما تثير الخوف في القلب، فوجب العمل بمفادها عند ترجح صدقها، تحصناً وتحرزاً، من المخاوف، هذا ملخص حججهم، وهي كما ترى في وجاهتها.
وقد تكلف الآمدي وغيره ردها بأجوبة جدلية، نشير إلى مخلصها مع مناقشتها:

قالوا: أما الحجة الأولى فإنه لا يلزم من ترك خبر الواحد تعطل الوقائع عن الأحكام، فإن المفتي إذا لم يجد دليلاً انتقل إلى حكم شرعي، وهو البراءة الأصلية كما لو لم يجد خبر الواحد.
فيقال: نحن لا نشك في أن النصوص الشرعية قد بينت تفاصيل الأحكام، وتعرضت لكل واقعة يمكن أن تقع، وهو مقتضى كمال الدين، وإذا لم يوجد في الواقعة الجزئية نص خاص، وجدت قواعد كلية تعم أفراداً كثيرة من جزئيات المسائل.
ففي رد أخبار الآحاد إبطال لكليات وقواعد شرعية من جوامع الكلم الذي أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم، فيلزم من ردها تعطيل وقائع كثيرة، يكون بيانها من موجب الرسالة، على أن البراءة الأصلية إذا كانت قبل ورود التكاليف، أما بعده فقد أصبحت الذمة مشغولة بالأحكام، فتكون البراءة أيضاً مظنونة بالنسبة إلى هذا الحكم، وتتقابل مظنونة بمظنونة، فيعمل بالأرجح.

قالوا: وأما الحجة الثانية: فإن التبليغ إنما يجب على النبي صلى الله عليه وسلم فيما يقدر عليه بالمشافهة أو بخبر التواتر، فمن بلغه الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك قامت عليه الحجة، وإلا فهو معذور، كالبعيد الذي لم يتمكن من تبليغه ولو بالآحاد.
فيقال: هذا ليس بوجيه، فالرسول صلى الله عليه وسلم مكلف بالدعوة والإنذار بما في استطاعته، كما حصل من اقتصاره على بث الدعاة في أقطار البلاد، واكتفائه بذلك، مما يدل على أنه مما قامت به الحجة وإن كان مظنوناً ظناً غالباً.
أما من لم يقدر على تبليغه كمن في الجزائر النائية فهذا يعذر حتى تبلغه الدعوة، وقد زال العذر بدعوة الصحابة ومن بعدهم، وتبليغهم جميع الشريعة إلى القاصي والداني.

قالوا: وأما الحجة الثالثة: فإن ظن صدق الراوي إنما يرجح كون العمل بخبره أولى، من غير إيجاب، كما في خبر الكافر والفاسق عند ترجح صدقه، من عدم وجوب العمل به إجماعاً.
قالوا: وهذا استعمال لقياس ظني في أصل من الأصول التي لابد أن تكون أدلتها يقينية قطعية.
فيقال: إذا عرف العاقل أن مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم تسبب الضرر عليه، وأن امتثال أمره مما يحصل له المصلحة، وجاءه أمر تترجح صحته، فعدم امتثاله والحالة هذه مما يلحقه به اللوم، وبتكرر ذلك لابد أن يحصل عليه ضرر، فالعقل السليم يوجب الحذر من أسباب الضرر.
ومثال ذلك: ما إذا علم العاقل تحريم قتل نفسه، وظن ظناً غالباً أن هذه الطعام مسموم، حرم عليه أكله، أو ظن أن هذا الجدار يريد أن ينقض لم يجز له الجلوس تحته.
وكثيراً ما يجعل الفقهاء الاحتياط مناطاً للوجوب.
أما قياسه على خبر الكافر والفاسق فغير مسلم، لأنه لا يوثق بخبرهما بمجرده، فإن اقترن به قرائن تغلب صدقه وجب العمل به اعتماداً على القرائن.
أما قولهم إن أدلة الأصول لا تكون ظنية، فغير مسلم، وقد نقضوه بأنفسهم، فكثيراً ما يثبتون قواعد وأحكاماً وأصولاً بأدلة ظنية أو خيالية.

القول الثالث: أن خبر الواحد يجوز العمل به عقلاً من غير وجوب:
وهذا قول أكثر المتكلمين.
قالوا: لأنه لم يلزم عنه لذاته محذور في العقل، واحتمال كونه كذباً أو خطأ غير مانع من التعبد به.
وقاسوه على ما وقع الاتفاق عليه من العمل بقول الشاهد والمفتي، مع كونه مظنونأً ومثلوا ذلك بما لو قال الشارع إذا طار طائر وظننتموه غراباً فقد أوجبت عليكم كذا، فإنه لا يلزم منه محال، حيث إن الظن شيء محسوس، يجده الإنسان من نفسه، فبمجرد وجوده يترتب الحكم.

الخلاف في دلالة السمع على وجوب العمل بخبر الواحد

فقد حققنا فيما سبق أن خبر العدل يفيد العلم اليقيني، وعليه فإن من خالفه عناداً يكفر بعد إقامة الحجة عليه.
ولكن المتكلمين في هذا الموضوع كغيره اعتمدوا كونه ظني الثبوت، واختلفوا فيه على قولين:

القول الأول: أنه لا يجب العمل به سمعاً:

وهو قول الجبائي ومن تبعه من المعتزلة في نفي جوازه عقلاً، وقاله أيضاً بعض من جوَّزه عقلاً كالقاساني من الظاهرية، وابن داود، وجمهور القدرية والرافضة.
وقد استدلوا بأدلة:
أولاً: من القرآن: كقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم)(الإسراء:36)، وقوله حكاية عن أولاد يعقوب: (وما شهدنا إلا بما علمنا)(يوسف:81)، وقوله: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)(الأعراف:33)، وقوله حكاية عن الذين كفروا: (إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين)(الجاثية:32)، وقوله: (قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون)(الأنعام:148)، ونحوها من الآيات.
فيقال: سبق أن استدل بهذه الآيات على إفادة الآحاد العلم اليقيني، وأن جعلها ظنية، مما تسلط به المعتزلة على ردها مطلقاً في الأصول والفروع، استدلالاً بهذه الآيات التي فيها النهي عن القول على الله بلا علم، وذم اتباع الظن.
ولكن المتكلمين القائلين بوجوب العمل بها مع كونها ظنية أجابوا عن هذه الآيات بعدة أجوبة.

1- فمنها: أن امتناع التعبد بخبر الواحد ليس عليه دليل قطعي، فمن نفاه فإنما عمدته الظن فيدخل في الذم المذكور في هذه الآيات.

2- ومنها: أن الظن المنهي عن اتباعه خاص بما المطلوب فيه العلم كالعقائد.

3- ومنها: أن القول بموجب الآحاد، والعمل به عمدته الإجماع، وهو دليل قطعي، ليس العمدة الآحاد التي هي ظنية.

4- وأحسن ما أجيب به على قولهم أن الظن المذموم أريد به التخرص والوهم الذي ليس له مستند، بخلاف الظن الراجح، فهو ملحق بالقطعي في وجوب العمل به، ولا يصدق على من قال به أنه قال على الله بلا علم.


ثانياً: من السنة:

رد النبي صلى الله عليه وسلم خبر ذي اليدين، لما سلم النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشى عن اثنتين، فقال له ذو اليدين: أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: (لم أنس ولم تقصر) فقال: بلى قد نسيت. فلم يعمل بقوله حتى سأل الحاضرين معه. متفق عليه.
فيقال: إنما رد عليه السلام خبر ذي اليدين لمخالفته لما يعتقده من إتمام الصلاة ولاستبعاد انفراده بمعرفة النقص دون غيره، ولا شك أن هذا مما يجعل الوهم يتطرق إليه، فبموافقة آخر له يزول الوهم.
ثم يقال: إنه عليه الصلاة والسلام عمل بخبره مع خبر أبي بكر وعمر، وهو لا يخرج بذلك عن الآحاد.
(ج) ومن الأدلة ما اشتهر عن بعض الصحابة من عدم قبول بعض الأخبار، فقد رد أبو بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة، حتى شهد معه محمد بن مسلمة ورد عمر خبره أيضاً في املاص المرأة حتى أخبره بذلك محمد بن مسلمة، أيضاً متفق عليه.
وفي الصحيح أيضاً أن عمر رد خبر أبي موسى في الاستئذان، حتى شهد معه أبو سعيد وردت عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه ورد على خبر ابن سنان الأشجعي في المفوضة وأمثال ذلك.
فيقال: إنما ذلك لعارض، وهو إمكان الخطأ، واستبعاد أن ينفرد عنهم مثل هذا الراوي، بهذه السنة الظاهرة.
فطلبهم لمن يشهد معه إنما هو من باب التثبت، وتقوية الخبر، ولا شك أن الخبر كلما كثرت نقلته ازدادت إليه طمأنينة النفس.
ألا ترى العالم يروي الحديث من خمسة طرق، ثم إذا سمع زيادة سادس أو سابع كتبها، لأن الخبر كلما تواتر كان أثبت للحجة، وأقطع للخصم، ولذلك قال عمر لأبي موسى: إني لم أتهمك، ولكني أردت أن أتثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد أجيب عن كل أثر بجواب خاص، يبين أن ردهم لذلك لم يكن عن شك، وإنما هو لأسباب مبررة.
على أن انضمام راو إلى آخر لا يخرجه عن كونها آحاداً كما لا يخفى.


القول الثاني: وجوب العمل يخبر الواحد سمعاً.

وهذا قول جمهور الأمة، بل عليه إجماع السلف قاطبة، وإنما حدث الخلاف فيه بعد ظهور علم الكلام، ولهذا كان عمدة المتكلمين في القول بوجوب العمل بها إنما هو الإجماع، مع أن الإجماع لابد له من مستند.
أما بقية أدلتهم مع كثرتها فقد أوردوا عليها اعتراضات صارت دلالتها من أجلها عندهم ظنية، مع أن المسألة من الأصول التي لابد فيها من قواطع الأدلة.
وإليك بعض ما أوردوه في هذا الباب من الأدلة السمعية، مع مناقشة اعتراضاتهم عليها:

1- النوع الأول: القرآن:

ودلالته في عدة آيات:
1- قوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)(التوبة:122) أمر تعالى الطائفة النافرة أو الباقية بالتفقه في الدين، وبإنذار قومها بما تفقهت فيه، وعلل الإنذار بحصول الحذر من القوم. والأمر يقتضي وجوب المأمور به، وهو التفقه ثم الإنذار الذي هو الإخبار بالأمر المخوف؛ والتعليل بقوله: (لعلهم يحذرون) ليس للترجي، فإنه محال في حق الله تعالى، لما يشعر به من عدم علمه بالعاقبة، بل هو للطلب فيفيد وجوب المطلوب، وهو الحذر اعتماداً على إنذار الطائفة، ولفظ الطائفة، يعم الواحد والاثنين، لقوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا)(الحجرات:9) فإنه يصدق على ما إذا اقتتل اثنان، وأيضاً فإن الفرقة أقلها ثلاثة. وقد أمرت كل فرقة أن يخرج بعضها، فظهر بذلك وجوب التفقه على هذه الطائفة، ووجوب إنذارها لقومها الذي يسبب الحذر الذي جعل الإنذار علة لحصوله.
وقد أوردوا على دلالة هذه الآية شبهاً:
(أ) فمنها: أن قوله: (لينذروا) ليس من صيغ الأمر الصريح، فلا يكون الإنذار واجباً، حيث لا أمر في الآية.
فيقال: لا شك أن الله أوجب التفقه في دينه، ثم بيانه للناس، وذم الذين يكتمون ما أنزل الله، في هذه الآية من الحض على التفقه والإنذار ما يؤيد ذلك.
ولما كانت صيغة (لينذروا) هنا ذكرت لتعليل الحض على التفقه دل على وجوب التفقه، ثم الإنذار وهو التخويف الموجب للحذر، إذ لا تخويف في ترك غير واجب.

(ب) ومنها: أن الأمر قد لا يدل على وجوب المأمور به.
فيقال: الأمر المطلق لا يصرف عن الوجوب إلا بقرينة، وها هنا دلت القرائن وهي أدلة وجوب البيان والنهي عن الكتمان - على أنه للوجوب.
(ج) ومنها: أن الإنذار أريد به التخويف من فعل شيء أو تركه، بناء على اجتهاد المخوف والتخويف خارج عن الإخبار.
فيقال: الإنذار كما قلنا الإخبار بمخوف يترتب على فعل أو ترك، والعلم بالمخوف أثر التفقه في الدين، فكان التخويف إخباراً عن شيء مخوف متلقى علمه عن الشرع.

(د) ومنها: أن الإنذار أريد به الفتوى، ونحن معكم على قبول المقلد خبر المفتي. ويرجح ذلك لفظ التفقه الذي هو شرط لجواز الإفتاء.
فيقال: الإنذار في الآية على عمومه لحذف مفعوله، فيشمل الإفتاء والإخبار بشيء من كلام الله ورسوله، أو ما استنبط منهما بما يوجب الحذر.
كما أن لفظ القوم عام فيشمل المجتهدين والمقلدين مع أن التفقه في اللغة لا يستلزم الإفتاء.

(هـ) ومنها قولهم: يلزم أن يخرج من كل ثلاثة واحد، ولا قائل بوجوبه.
فيقال: النص يقتضي ذلك ويقتضي وجوب العمل بخبر الواحد، وقد خص الأول بالإجماع على عدم الوجوب، ولا يلزم من تخصيصه تخصيص الثاني.

(و) ومنها: أن الآية في وجوب الإنذار، لا في العمل، وقد يكون الأمر بالإنذار ليحصل بخبر المنذر تمام حد التواتر.
فيقال: إذا سلم وجوب الإنذار فقد علل بحصول الحذر، فدل على وجوب الأمرين معاً.
فإن هذا التعليل نظير التعليل في قوله تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون)(البقرة:21)، ولا شك في وجوب التقوى. ولم يكن في الآية إشارة إلى تأخير الحذر حتى يحصل التواتر.
2- قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنباء فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)(الحجرات:6) وفي قراءة (فتثبتوا) فلما أمر بالتثبت في خبر الفاسق دل على أن خبر العدل بخلافه، وإلا لم يكن لتخصيص الفاسق معنى، حيث يجب التثبت في الجميع.
وأيضاً فلو كان خبر الواحد لا يقبل مطلقاً لم يحتج إلى تعليل التثبت فيه بالفسق، لأن علة الرد موجودة فيه قبل الفسق، فكان التعليل تحصيلاً للحاصل.
وقد أورد على هذا بأنه استدلال بمفهوم المخالفة، وهو غير حجة أو هو حجة ظنية، والظن لا يكتفى به في الأصول.
فيقال: إن هذا المفهوم مما تؤيده الفطرة وعمل الأمة، من التفريق بين خبر العدل والفاسق حتى عند العامة، فالتثبت هنا معلل بالفسق، فبعدم الفسق لا يؤمر بالتثبت.
3- قوله تعالى: (فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)(النحل:43) وأهل الذكر يعم الواحد والعدد، حيث لم يقل:سلوا عدد التواتر منهم. فيلزم الجاهل سؤال من وجده من أهل العلم. وتقوم عليه الحجة بخبر الواحد منهم. واعترض على هذا الدليل بما يأتي:
(أ) أن قوله (فاسألوا) ليست صيغة أمر. وإن سلم ذلك فلا تفيد الوجوب.
فيقال: إن صيغة: افعل ونحوها. من أصرح الصيغ في الدلالة على الأمر عند المحققين من أهل الأصول.
والأمر المطلق يفيد الوجوب، وإنما يصرف عنه لقرينة.
(ب) أن المراد هنا الاستفتاء من أهل العلم. ونحن نقول بقبول قول المفتي.
فيقال: ظاهر الآية أمر كل من جهل حكماً أن يسأل أهل الذكر - وهم أهل العلم بالشرع وأدلته فيعم سؤال المجتهد لغيره، وسؤال المقلد، حيث لا دليل على التخصيص.
(ج) ظاهر الآية الأمر بالسؤال الذي يحصل منه العلم بالمسؤول عنه؛ لأنه إنما أمر بالسؤال عند عدم العلم. فالتقدير:
اسألوا حتى يحصل لكم العلم بما لا تعلمونه. ولما كان خبر الواحد إنما يحصل الظن دل على أنه ليس هو المطلوب هنا وإنما المطلوب السؤال الذي يتم به العلم، وهو المتواتر.
فيقال: سبق أن استدل بالآية على أن خبر الواحد يفيد العلم، وحينئذ يبطل هذا الاعتراض؛ مع أن ظاهر الآية أمر كل من جهل حكماً أن يسأل عنه أهل العلم الذي يعم الجزم بالمعلوم والظن الغالب.
4- قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط)(المائدة:8).
والأمر للوجوب. وإذا تحمل الإنسان علماً عن الرسول صلى الله عليه وسلم فمن القيام لله والشهادة بالقسط إبلاغه والإخبار به، ووجوب ذلك عليه دليل وجوب القبول منه.
قالوا: الأمر لا يفيد الوجوب، ثم إن قدر أنه يفيده لم يجب على كل أحد القيام لله والشهادة بالقسط إلا إذا كان خبره مما يجب قبوله، ولا يجب قبول خبره إلا إذا كان قائماً لله شاهداً بالقسط، فيلزم الدور. فيقال: قد عرف أن مطلق الأمر للوجوب، ما لم يصرفه صارف، وأما الدور الذي زعموه فغير مسلم، فكل مؤمن مأمور بالقيام لله والشهادة بالقسط، ليحصل البلاغ، ولا يرده عدم قبول خبره؛ كما لم يرد الرسل عدم القبول منهم، قال تعالى: (إن عليك إلا البلاغ)(الشورى:48).
5- قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بينَّاه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)(البقرة:159)، فكل من أخفى شيئاً من الدين مع الحاجة إليه فهو متوعد بما في الآية، ولو لم يجب العمل بخبره لم يكن في إظهاره فائدة.
(أ) قالوا: لعل المراد القرآن، فهو الذي يطلق عليه اسم المنزل.
فيقال: لما كانت السنة من الدين، ولها حكم القرآن في العمل أحياناً، كان كتمانها حراماً كالقرآن، فتدخل في عموم الآية.
مع أن السنة قد يطلق عليها أنها منزلة، حيث إنها مما علمه الله محمداً صلى الله عليه وسلم.

(ب) قالوا: إنما الوعيد على الكتمان، ولم تتعرض الآية لحكم قبوله من الآحاد، كما أن الفاسق يجب عليه البيان لما يعلمه مع أنه لا يقبل منه.
فيقال: قد تقرر أن الله أوجب على أهل العلم البيان، وأوجب على أهل الجهل السؤال، ولا شك أن الوعيد يعم من كتم العلم ولو واحداً، وإذا تحقق تحريم الكتمان دل على أن كل من أظهر علماً دينياً لزم كل من سمعه قبوله، ولو لم يسمعه إلا من واحد، للعموم، أما الفاسق فلم يقبل خبره لفسقه، لا لأن خبره خبر واحد، وهو مكلف قبل البيان بالتوبة، ليزول عنه المانع فيقبل خبره.

(ج) قالوا: إن المراد وجوب إظهار كل فرد ما علمه؛ لينضم خبره إلى خبر غيره؛ فيتألف من الجميع التواتر المفيد للعلم.
فيقال: لا دليل على هذا التخصيص، بل التحريم يعم من كتم علماً ولو شخصاً واحداً، فبقتدير فقد العلم في البلد إلا معه يكلف بالبيان، ويلزم قبول بيانه وخبره.

6- قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إنه ولكن إذا دعيتم فادخلوا)(الأحزاب:53) ويجوز الاكتفاء بإذن الشخص الواحد ودعوته، لعدم تعيين العدد في النص، قال الحافظ في الفتح: وهذا متفق على العمل به عند الجمهور، حتى اكتفوا فيه بخبر من لم تثبت عدالته لقيام القرينة فيه بالصدق. اهـ.
ومن تتبع الآيات وجد فيها كثيراً من هذا الضرب، وإذا كان في بعضها احتمالات فإنها بمجموعها تُقوي دلالتها، فيتحصل من الجميع دليل قطعي، كما أن خبر الواحد دلالته عندهم ظنية، فبعد توافق الآحاد تبلغ التواتر فتكون دلالتها قطعية.


النوع الثاني: السنة النبوية:


وقد اشتهر عن النبي صلى الله عليه وسلم قبول خبر الواحد والعمل به في مواضع كثيرة، سيأتي لها أمثلة إن شاء الله تعالى.
وقد حكى الله عن بعض الأنبياء السابقين ما يدل على قبولهم لخبر الواحد.
فإن موسى عليه السلام قبل خبر الرجل الذي جاء (من أقصا المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين * فخرج منها خائفاً يترقب)(القصص:20-21) وكذا قبل خبر نصف رجل، حيث صدق بنت صاحب مدين التي قالت له: (إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا)(القصص:25)، وقبل خبر أبيها في دعواه أنهما إبنتاه، فتزوج إحداهما بناء على خبره.

وقبل يوسف عليه السلام خبر الرسول الذي جاءه من عند الملك وقال له: (أرجع إلى ربك فسئله ما بال النسوة التي قطعن أيديهن)(يوسف:50) وثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي) وقد أورد الإمام البخاري في صحيحه في هذا الباب أكثر من عشرين حديثاً وتوسع كثير من العلماء في سرد الأدلة من السنة.

ونحن نورد هنا ما تيسر منها مع الإشارة أحياناً إلى دلالتها باختصار:

1- فمنها: حديث مالك بن الحويرث حين وفد مع بعض قومه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفيه قال: (إذا حضرت الصلاة فيؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم) متفق عليه.

2- وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن بليل، ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم) رواه البخاري وغيره.

3- وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) متفق عليه.
ودلالة هذه الأحاديث في الأمر بتصديق المؤذن وهو واحد، والعمل بخبره في فعل الصلاة، والعلم بدخول وقت الصلاة، وأول وقت الإفطار والإمساك، مع أن هذه من العبادات التي تختل بتغير وقتها.
ولم يزل المسلمون في كل زمان ومكان يقلدون المؤذنين، ويعملون بأذانهم في أوقات مثل هذه العبادات، وإن هذه لأوضح دليل على وجوب العمل بخبر الواحد.
وقد كثرت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً في الدلالة على تكليف الآحاد أو غيرهم.


4- فروى الشافعي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نضر الله عبداً سمع مقالتي، فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه).
وقد رواه أحمد والدارمي، وأهل السنن إلا النسائي عن زيد بن ثابت بنحوه، وورد معنى ذلك مرفوعاً عن أنس، وأبي سعيد، وجبير بن مطعم، والنعمان بن بشير وغيرهم، روى ذلك الإمام أحمد والترمذي، والحاكم وغيرهم.
ووجه دلالته أنه أمر كل عبد يسمع مقالته أن يبلغها، مع إمكان كونه غير فقيه.
والعبد حقيقة للشخص الواحد، ولا يأمره إلا وخبره مما تقوم الحجة به.

5- وعن عبيد الله بن أبي رافع ، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري يقول: لا أدري؟ ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه، ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه). رواه الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وغيرهم. فانظر كيف ذكره على وجه الذم، لرده أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لم يجده في القرآن، فمن رد خبر الواحد الثقة صدق عليه الذم الوارد في هذا الحديث.

6- ومثل ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم (من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار). وهو حديث مشهور، رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو هريرة، وابن مسعود، وعبدالله بن عمرو بن العاص بنحوه، أخرجه بعض أهل السنن والمسانيد، وذكر ابن عبدالبر بعض طرقه في أول كتابه (جامع بيان العلم) وترتب الوعيد على كتم العلم دليل على أن بيانه مما يجب قبوله والعمل به ولو من واحد، فإنه لو لم يقبل منه لم يكن في إظهاره فائدة، فلم يستحق هذا العقاب.
ولقد اشتهر بعث النبي صلى الله عليه وسلم الآحاد من صحابته، واعتماده على أخبارهم فيما يترتب على تحققها.

7- فمن ذلك: ما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة وزيد بن خالد في قصة العسيف. وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واغد يا أنيس - لرجل من أسلم إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) فاعترفت فرجمها.
فقد اعتمد صلى الله عليه وسلم خبره في اعترافها، مع ما فيه من إقامة حد، وقتل نفس مسلمة.

8- ومنها: ما رواه الإمام أحمد والشافعي، ومالك وغيرهم، عن رجل من الأنصار أنه قبل - امرأته وهو صائم، فأرسل امرأته تسأل فدخلت على أم سلمه، فأخبرتها أم سلمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، فما زاده إلا شراً، وقال: لسنا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحل الله لرسوله ما شاء، فرجعت المرأة إلى أم سلمه فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها فقال: (ما بال هذه المرأة) فأخبرته أم سلمه، فقال: (ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟) فقالت أم سلمه: قد أخبرتها فذهبت إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شراً، وقال: لسنا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحل الله لرسوله ما شاء، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: (والله إني لأتقاكم لله ولأعلمكم بحدوده).
ففيه أن خبر أم سلمه مما يجب قبوله، وكذلك خبر امرأته وهي واحدة.

9- ومنها : ما رواه البخاري وغيره عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: (من يأتيني بخبر القوم؟) فقال الزبير: أنا. مرتين. فقال صلى الله عليه وسلم: (إن لكل نبي حواري، وحواريي الزبير) فانظر كيف اكتفى بخبر الزبير عن الأحزاب، وهو واحد.

10- ومنها: قصة الوليد بن عقبة بن أبي معيط، لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق ليقبض زكاتهم، فرجع وقال: إنهم منعوا الزكاة فغضب النبي صلى الله عليه وسلم. وهم بغزوهم، رواه الإمام أحمد ابن أبي حاتم، والطبراني بإسناد حسن عن الحارث بن أبي ضرار، والد جويرية أم المؤمنين، وهو ممن جرت عليه القصة.
وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب بعد خبر الوليد، وبعث البعث إلى الحارث حتى إذا استقل البعث، وانفصل عن المدينة، لقيهم الحارث قادماً إلى المدينة.
ورواه ابن جرير عن أم سلمه، وفيه: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون.
ورواه ابن جرير أيضاً عن عطية العوفي، عن ابن عباس، وقال فيه: فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك غضباً شديداً، فبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد.
وقد روى هذه القصة مرسلة ابن أبي ليلى، ويزيد بن رومان، والضحاك، ومقاتل وغيرهم.
ولو لم يكن العمل بخبر الواحد جائزاً لما هم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ولأنكره الله عليه، كما أنكر عليه عدم التثبت في خبر الفاسق.
وأما رواية بعث خالد بن الوليد للتثبت من أمرهم، فإنما رويت مرسلة عن قتادة ومجاهد، ولعل ذلك في قصة أخرى بعد نزول الآية امتثالاً للأمر بالتثبت.
ولقد تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يبعث الآحاد إلى الجهات القريبة والبعيدة، ويحملهم أمور الدعوة والتبليغ، ويعتمد الناس أخبار أولئك الإفراد، من غير أن يكون تفردهم مسبباً لوجود الشك في خبر أحدهم.

11- فمن ذلك: ما رواه الشافعي في الرسالة بإسناد صحيح عن عمرو بن سليم الزرقي عن أمه قالت: بينما نحن بمنى إذا علي بن أبي طالب على جمل يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن هذه أيام طعام وشراب فلا يصومن أحد). فاتبع الناس وهو على جملة يصرخ فيهم بذلك.
وهو صلى الله عليه وسلم لا يبعث الواحد إلا وقد عرف لزوم قبول خبره فيما بلغه عنه، وإلا يكون بعثه عبثاً.

12- ومثله : حديث يزيد بن شيبان قال: كنا في موقف لنا بعرفة، بعيداً عن موقف الإمام، فأتانا ابن مربع الأنصاري فقال: أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم يأمركم أن تقفوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم. رواه أهل السنن الأربعة وغيرهم.

13- وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال لأهل نجران: (لأبعثن إليكم رجلاً أميناً حق أمين) فبعث أبا عبيدة وهو دليل على وجوب قبول ما بلغهم عنه.

14- وروى البخاري وغيره عن سلمه بن الأكوع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أسلم: (أذن في قومك يوم عاشوراء أنه من أكل فليتم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم)، وبعث صلى الله عليه وسلم أبا بكر سنة تسع على الحج، فأقام للناس مناسكهم نيابة عنه صلى الله عليه وسلم، وبعث علياً تلك السنة فنبذ إلى قوم عهودهم، وبلغ عنه أول سورة براءة، وبعث قيس بن عاصم، والزبرقان بن بدر، ومالك بن نويرة، إلى عشائرهم، لتعليمهم الأحكام، وقبض الزكاة، وبعث معاذاً وأبا موسى، وعماراً وغيرهم إلى جهات متفرقة باليمن، ونحو ذلك كثير، واشتهر أيضاً بعثه الأمراء في السرايا والبعوث، وأمره بطاعتهم في ما يخبرون عنه.
ومن أشهر ذلك كتبه التي يبعثها إلى الملوك في زمانه، التي يتولى كتابتها واحد، ويحملها شخص واحد غالباً، كما بعث دحية الكلبي بكتابه إلى هرقل عظيم الروم، وعبدالله بن حذافة إلى كسرى.
وذكر الشافعي أنه بعث في دهر واحد اثني عشر رسولاً، إلى اثني عشر ملكاً يدعوهم إلى الإسلام، وهكذا كتبه التي يبعثها إلى ولايته وعماله بأوامره وتعليماته، يكتبها واحد، ويحملها واحد، ولم يتوقف أحد منهم في قبولها، واستمر على هذا عمل المسلمين بعده إلى اليوم، من غير نكير فكان إجماعاً.


شبه للخصوم حول هذا الدليل:

1- قالوا: إن هذه الأحاديث لا تخرج عن كونها آحاداً، فلا يستدل بها على قبول الآحاد، لما يلزم منه من الدور.
فيقال: إن بعض هذه الأخبار قد روي من طرق كثيرة، بلغ حد الاستفاضة، ولو استقصينا طرقها وشواهدها لطال الكلام.
ثم إنها وإن كانت آحاداً فهي لكثرتها وتعدد جهاتها ملحقة بالمتواتر المعنوي، الذي يفيد القطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتفي بالآحاد، ويبني على خبرهم.

2- قالوا : إن القصد من بعث أولئك الرسل ونحوهم التعليم والفتوى، والقضاء، وقبض الزكاة، أما أدلة الأحكام فلم يؤمروا بتبليغها، فلا تدل على المراد.

فيقال: لا شك أنه بعثهم إلى أناس لم يعرفوا شيئاً من الدين في الأغلب، وقد كان تعليمهم من موجب الرسالة، فاكتفى صلى الله عليه وسلم ببعث أولئك الآحاد الذين بلغوهم ما يلزمهم في الإسلام من عبادات ومعاملات، فمن خص تعليهم بنوع منها فقد كذب الواقع المحسوس.
ثم لو قدر أنه بعثهم لقبض الزكاة ونحوها، وكان خبر الواحد، لا يقبل، لم يلزم المبعوث إليهم تسليمهم الزكاة، ولا قبول فتواهم وحكمهم، لكونهم بلغوا أصول الدين وهم آحاد.

3- قالوا : يمكن أن يكون بعث الواحد لينضم إلى من سبقه في ما يبلغه، حتى يبلغ حد التواتر الذي يفيد العلم.
فيقال: وهذا التخصيص مما لا دليل عليه أيضاً، فإن أهل تلك الجهات تقبلوا منهم ما بلغوه، وطبقوه لأول مرة، فلم ينقل أن أحداً منهم توقف حتى يتواتر الخبر، ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم مبادرتهم إلى العمل بأول خبر.
ولم ينقل أنه بعث إلى كل جهة أكثر من واحد، إلا في القليل النادر، فإن سعة البلاد، وبعد المسافات، وقصر زمن النبوة منذ قوي الإسلام، وكون المبعوثين معروفي الأسماء والجهات، مما يؤكد أنه لم يكن أهل جهة من تلك الجهات النائية وصلت إليهم تفاصيل الشريعة وأدلة الأحكام بطريق التواتر في تلك السنوات القليلة.



النوع الثالث: إجماع سلف الأمة على قبول أخبار الآحاد:


وقد نقل عن الصحابة والتابعين من الآثار الدالة على اكتفائهم بخبر الواحد ما لا يحصى إلا بكلفة، فنشير إلى طرف من ذلك.
1- ففي الصحيحين عن ابن عمر قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة.
وقد رويت هذه القصة عن البراء، وأنس، وابن عباس، وعمارة بن أوس، وعمرو بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسهل بن سعد، وعثمان بن حنيف، وغيرهم من طرق كثيرة.
فانظر كيف اعتمدوا خبر هذا الشخص، وتحولوا عن قبلة كانت متحققة الثبوت عندهم، ولا شك أن قد اطلع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولم ينقل أنه أنكر عليهم.

2- وفي الصحيحين أيضاً عن أنس قال: كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة، وأبي بن كعب شراباً من فضيخ، فجاءهم آت، فقال: إن الخمر قد حرمت. فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها. فقد أقدموا على إتلاف مال محترم، تصديقاً لذلك المخبر، وهم من أهل القدم في الإسلام، ولم يقولوا: نبقى على حلها حتى يتواتر الخبر، أو نلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم. مع قربهم منه، ولم ينقل أنه أنكر عليهم عدم التثبت.

3- وعن أبي موسى في قصة دخول النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الحائط وقوله: لأكونن بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاء أبو بكر فقلت: على رسلك حتى أستأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبت فاستأذنت له فقال: (أذن له وبشره بالجنة) ثم جاء عمر ثم عثمان فكان شأنهما كذلك، متفق عليه مطولاً.
فقد اعتمد هؤلاء الصحابة الأجلاء خبر أبي موسى وحده في الإذن.

4- ومثله حديث عمر الطويل المتفق عليه لما احتجر النبي صلى الله عليه وسلم في مشربه له، فجاء عمر فقال للغلام: استأذن لعمر. فأذن له فدخل. فقد قبل عمر خبر هذا الغلام وحده، مع أن الله نهى عن دخول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إلا بإذن.

5- وفي حديث عمر المذكور أنه كان له جار من الأنصار، يتناوب معه النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا غاب أحدهما أتاه الآخر بما حدث وتجدد من الوحي والأخبار، وهو ظاهر في أن كلاً منهما يعتمد نقل صاحبه.

6- وروى أحمد وأبو داود، وابن ماجة والترمذي وصححه أن عمر رضي الله عنه كان يجعل الدية للعاقلة، ولا يورث الزوجة منها حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كتب إليه أن يروث امرأة أشيم الضبابي من ديته، فرجع إليه عمر.

7- وروى أحمد أيضاً وأبو داود وابن ماجة وغيرهم، عن ابن عباس أن عمر قال: أذكر الله امرأ سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين شيئاً، فقام حمل بن مالك فقال: كنت بين جارتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنيناً ميتاً، فقضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة، فقال عمر: لو لم نسمع به لقضينا بغيره.

8- وهكذا رجع عمر بالناس حين خرج إلى الشام فبلغه أن الوباء قد وقع بها، لما أخبره عبدالرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم به ببلدة فلا تقدموا عليه) متفق عليه.
__________________
قال النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس :إنّ فيك خَصلتين يُحبهما الله:الحلمُ ، والأناةُ )رواه مسلم :1/48
وعن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
(من أحبّ لِقاء الله أحبّ الله لقاءهُ ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءهُ ) رواه مسلم : 4/2065
رد مع اقتباس