6- الخبر المرسل:
وهو عند أهل الحديث ما رفعه التابعي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وعند الأصوليين يعم ما رفعه من دون التابعي، والأول هو المشهور في كتب الحديث والأحكام، ولا خلاف في رد ما أرسله من دون التابعين.
أما ما أرسله الثقة من التابعين فقد اختلف في قبوله، فاحتج به مالك وأبو حنيفة وأصحابه، وقيل: إن أول من صرح برده الإمام الشافعي وعلل ذلك بالجهالة بحال المحذوف بعد التابعي، فإنه يحتمل أن يكون تابعياً آخر ويكون ضعيفاً، وعلى تقدير أنه ثقة فقد يروي عن تابعي ثالث ويكون غير ثقة، وبهذا الاحتمال توقف الشافعي و غيره في قبوله حتى يتقوى بغيره.
وقد قبل الشافعي مراسيل سعيد بن المسيب، وعلل بأنها تُتبعت فوجدت مسانيد، وصرح بقبول مراسيل كبار التابعين الذين لا يروون إلا عن ثقات، بأن يكون أحدهم إذا سمى لم يسم إلا ثقة.
وكذا إذا ورد المرسل من جهة أخرى مسنداً أو مرسلاً عن ثقات غير رواة الأول، أو تقوى بقول بعض الصحابة، أو بفتوى أكثر العلماء، فإن هذه الأمور مما يتقوى بها فيقبل، وأما من احتج به من الأئمة فقال: إن التابعي عدل في نفسه، وقد جزم بالحديث مرفوعاً، مع علمه بتحريم الكذب في الحديث، فجزمه دليل تأكده من صحته.
وبالغ بعضهم حتى فضله على المتصل، وقال: إن من أسند فقد أحالك، ومن أرسل فقد تكفل لك.
ولكن قد عرف أن بعض من يروي الحديث يذكره لتقوية حجته، أو لقطع خصمه، ونحو ذلك مما يحمله على التساهل في الجزم، وقد يثق ممن حدثه ويكون غير ثقة، وكثيراً ما يروي المحدث عن شيخ له، فإذا سئل عنه توقف في تعديله وقد يجرحه. ثم إن هذا الخلاف إنما هو بالنسبة لمراسيل غير الصحابة، فأما الصحابة فاتفق الأئمة على قبول مراسيلهم، لأنهم إنما يروون عن ثقة، وكثيراً ما يروي بعضهم عن بعض وكلهم عدول.
ويندر أن يروي الصحابي عن أحد من التابعين، والنادر لا اعتبار به، وخالف في ذلك ابن حزم وأبو حامد الإسفرائيني وغيرهما، والصحيح الأول.
2- زيادة الثقة:
ويراد بها أن يروي جماعة من الثقات حديثاً عن شيخ، وينفرد أحدهم فيه بزيادة لا تخالف رواية الباقين، ومثاله ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين. فإن مالكاً تفرد بزيادة: من المسلمين. دون بقية من رواه عن نافع.
وهكذا لو انفرد الثقة بوصل الإسناد أو رفع الموقوف ونحو ذلك. ومثاله ما رواه مالك قال: بلغنا أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (للمملوك طعامه وكسوته). هكذا في الموطأ معضلاً. وقد رواه إبراهيم بن طهمان والنعمان بن عبدالسلام، عن مالك، عن محمد بن عجلان، عن أبيه عن أبي هريرة، فتقبل زيادتهما لثقتهما، وإن كان رواة الموطأ أكثر عدداً.
والصحيح عند المحدثين قبول زيادة الثقة مطلقاً، فإنها بمنزلة الحديث المستقل، وتفرد الثقة بالحديث مقبول، وفرق بعضهم بين ما إذا اتحد المجلس أو تعدد، فتقبل في الثاني، أما الأول ففيها تفصيل.
والأرجح قبولها، فإن من ذكرها مثبت، ومن تركها لم ينقل عنه نفي ولا إثبات؛ ثم إنه محتمل أنه لم ير موجباً لذكرها، فاقتصر على محل الشاهد وأنه نسيها، أو لم يتقن حفظها، أو قام قبل التحديث بها، أو دخل بعد أن فاته بعض الحديث أو نحو ذلك.
3- خبر الواحد فيما تعم به البلوى:
ويراد به الخبر الذي يتعلق بأمر من الأمور التي تقع كثيراً بين المسلمين يحتاجون إلى الاستفسار عن حكمها، أو يكون الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم كثرة وقوعها فيهتم ببيانها، كنقض الوضوء بمس الذكر، أو بالقهقهة، وعدم الإفطار من الأكل ناسياً، ونحو ذلك. فإذا لم ينقل الأخبار المبينة لأحكام هذه الحوادث إلا آحاد لم يقبل عند بعض الحنفية لأن هذه الأشياء مما يبتلى بها الناس، ولا يحل للنبي صلى الله عليه وسلم أن يخص بتعليمها الآحاد، فلابد أن يكون قد بين حكمها لكثير من الصحابة، فتشتهر وتتوفر الدواعي على نقلها، فانفراد هذا الراوي بها دليل خطئه.
والصحيح إن شاء الله قبولها كما تقبل في سائر الأحكام، فإن هذه الأشياء وإن كانت تقع كثيراً لكن لا يلزم أن يحتاج كل فرد إلى معرفة حكمها قبل أن تحدث عليه، وقد لا يجري عليه شيء منها طوال عمره، ومن عرف حكمها فقد لا يجد مناسبة للتحديث بها، وقد يعتقد معرفة الناس لمثلها، وقد يكتفي بغيره في التحديث بحكمها، ولا يلزم حينئذ أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أسرَّ بعض الأحكام إلى خواص من أصحابه، وأن بعض الصحابة كتموا شيئاً من الدين يجب عليهم بيانه، وقد سبق أمثلة من عمل الصحابة بأخبار الآحاد فيما تعم به البلوى.
[caution]يوجد هنا تكرار بسيط في رابط الكتاب اللذي ساضعه وصححته ولذلك وجب التنبية لمن ارد النقل من الكتاب[/caution]
4- خبر الواحد في الحدود:
إذا عرف وجوب العمل بخبر الواحد في الأحكام لم يكن هناك فرق بين ما يتعلق بالحدود والكفارات وغيرها، فإن الجميع من الأحكام الشرعية التي بينتها الأحاديث، فيقبل فيها ما يقبل في غيرها.
وقد رد بعض الحنفية خبر الواحد فيما يتعلق بالحدود، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ادرؤوا الحدود بالشبهات) ولأن خبر الواحد مظنون، فلا يقدم به على القطع والرجم والجلد ونحوها.
والصحيح قبوله فيها، كما أنها تثبت بالشهادة التي هي ظنية، وخبر الواحد، وإن كان ظنياً فقد أثبتت به سائر الأحكام.
فأما الحديث المذكور فهو ضعيف، رواه ابن ماجه بمعناه عن أبي هريرة، وفي سنده إبراهيم بن الفضل وهو ضعيف، وفي الباب عن عائشة، وعلي، وابن عباس، وكلها ضعيفة لا تخلو أسانيدها من مقال كما في نيل الأوطار وغيره.
وقد يكون معناه الأمر بالتثبت في البينة والإقرار ونحوها مخافة الخطأ، بخلاف ما إذا ورد حديث صحيح يتعلق بأحكام العقوبات ونحوها، فليس هناك شبهة تدل على رده.
5- خبر الواحد إذا خالفه الراوي:
اشتهر عن بعض الحنفية تقديم رأي الصحابي على روايته، ومثلوه بما رواه أبو هريرة مرفوعاً من الأمر بغسل الإناء بعد ولوغ الكلب سبعاً، كما في الصحيحين. فقد روى الدار قطني عن أبي هريرة أنه اكتفى بغسله بثلاث.
قالوا: لأن الصحابي أعلم بما روى، فلولا معرفته بأن الخبر ليس على ظاهره لما خالفه، فلابد أنه اطلع على ما ينسخه أو يخصصه أو نحو ذلك؛ فإن مخالفته بدون مبرر تعتبر قدحاً في عدالته.
والصحيح العمل بالرواية التي صرَّح برفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم كسائر رواياته، فإن الحديث إذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم تحتم على الأمة العمل به، لا يترك الخلاف أحد كائناً من كان.
فأما مخالفة راويه له فإنه من الممكن أن ينساه، أو لا يستحضره وقت الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته، أو يتأوله خطأ، أو يقوم عنده ما يعارضه ويكون في الحقيقة غير صالح للمعارضة، أو يقلد غيره ممن يعتقده أفقه منه، ثم لو قدر انتفاء هذه الاحتمالات ونحوها فهو غير معصوم، ومخالفته لهذا الحديث الواحد لا تسقط عدالته، فيجب العمل بالحديث المرفوع وطرح ما سواه.
6- خبر الواحد إذا خالف القياس:
إذا عرف أن الشرع جاء بما يوافق الفطر، وبما تتقبله العقول، لم يتصور أن يأتي بشيء يخالف المصلحة العامة أو الأدلة الواضحة.
ولما كانت أخبار الآحاد الصحيحة متحققة الثبوت، أو مفيدة للظن الغالب، لم يكن بد من كون ما تضمنته موافقاً لما تهدف إليه الشريعة من المصلحة العامة، وبهذا تعرف أنه لا يأتي خبر صحيح مخالف للقياس الصحيح، كما صرح بذلك بعض المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية.
فإنه قال في مجموع الفتاوى: وفي الجملة فما عرفت حديثاً صحيحاً إلا ويمكن تخريجه على الأصول الثابتة، وقد تدبرت ما أمكنني من أدلة الشرع، فما رأيت قياساً صحيحاً يخالف حديثاً صحيحاً كما أن المعقول الصريح لا يخالف المنقول الصحيح، بل متى رأيت قياساً يخالف أثراً فلابد من ضعف أحدهما، لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفى كثير منه على أفاضل العلماء، فضلاً عمن هو دونهم.
فإن إدراك الصفات المؤثرة في الأحكام على وجهها، ومعرفة الحكم والمعاني التي تضمنتها الشريعة، من أشرف العلوم، فمنه الجلي الذي يعرفه كثير من الناس، ومنه الدقيق الذي لا يعرفه إلا خواصهم، فلهذا صار قياس كثير من العلماء يرد مخالفاً للنصوص، لخفاء القياس الصحيح عليهم، كما يخفى على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل الدقيقة التي تدل على الأحكام. اهـ.
ولقد تتبع رحمه الله في هذا الموضع وغيره أكثر الأحاديث التي قيل إنها مخالفة للقياس، فخرجها على القواعد الشرعية، وبين موافقتها للمصلحة.
ثم لو قدرت المعارضة ظاهراً فإن الخبر أصل ودليل برأسه، فيكون هو المقدم في العمل به على ما يتصور مخالفته من قياس أو استحسان.
ولقد أطال المتكلمون ذكر الخلاف في هذا الباب، وأكثروا من حكاية الأقوال فيه، وقد نسب تقديم القياس على الخبر إلى بعض الأئمة كمالك وأبي حنيفة، ولا يصح عنهما بإطلاق، فإن مالكاً يقول بحديث المصراة مع مخالفته للقياس عندهم وكذلك يجعل دية أصابع المرأة في الثلاثة ثلاثين بعيراً، وفي الأربعة عشرين، وهكذا أبو حنيفة لا يخالف الحديث الصحيح لقياس و لا غيره فقد عمل بحديث الوضوء بالنبيذ في السفر، وبحديث بطلان الوضوء بالقهقهة في الصلاة: لاعتقاده صحتهما مع مخالفتهما للقياس.
وقد نسب إلى أبي حنيفة رد خبر الواحد إذا خالف الأصول كالاستحسان والاستصحاب، وأنا أعتقد أن أكثر تلك الروايات التي تحكى عن هؤلاء الأئمة مخالفة للقواعد الشرعية لا تصح عنهم، وإنما خرجها على مذاهبهم بعض من غلا في تقليدهم، عندما وجد لهم أقوالاً اعتمدوا فيها القياس، حيث لم تبلغهم الأحاديث فيها، أو لم تتضح لهم دلالتها، فأراد بعض أتباعهم أن يعتذر عنهم بأن تلك الأحاديث آحاد قد خالفت الأصول؛ ثم أضيفت تلك القواعد إلى مذاهب الأئمة لشهرتها عند أتباعهم، ثم إن بعض الأصوليين فرق في خبر الواحد بين ما إذا كان راويه فقيهاً فيقدم على القياس بخلاف خبر غير الفقيه.
ومنهم من فصل في علة القياس بين المنصوصة والمستنبطة، ثم بين وجود العلة في الفرع قطعاً أو ظناً، ومثلوا للمنصوصة بما لو قال الرسول صلى الله عليه وسلم لا تبيعوا البر بالبر متفاضلاً لأنه مقتات ومدخر؛ فيدخل الأرز في الحكم، لوجود العلة فيه قطعاً فلو جاء خبر بجواز الربا في الأرز لم يقبل، لمخالفته تلك العلة المنصوصة، فأما إن لم ينص على العلة، وإنما استنبطت من الأصل، ثم وجدت في نظيره فهاهنا يقدم الخبر لكون دلالته قطعية إلى آخر تفصيلاتهم التي لا دليل عليها.
والمختار تقديم الخبر الصحيح مطلقاً لأمور:
1- أن القياس مختلف في كونه دليلاً.
2- أن دلالته ظنية غالباً بخلاف الخبر، فإن الأغلب أن تكون دلالته قطعية.
3- ولأن الخبر إنما ينظر في صحته في دلالته، أما القياس فينظر أولاً إلى حكم الأصل ثم إلى تعليله، ثم إلى تعيين العلة، ثم إلى وجودها في الفرع ثم إلى نفي المعارض في الأصل ثم في الفرع؛ فتطرق الخطأ إليه أكثر.
4- ولأن تناول العلة لمحل خبر الواحد مظنون لجواز استثنائه.
5- ولأن الصحابة لم يكونوا يلتفتون إلى رأي أو قياس إذا جاءهم الخبر، كما تقدم قول عمر في الجنين: لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره. وفي رواية: إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا.
6- ولما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: (كيف تقضي)؟ قال بكتاب الله. قال: (فإن لم تجد)؟ قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: (فإن لم تجد؟) قال: أجتهد رأيي. فضرب على صدره وقال: (الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضى رسول الله). رواه أبو داود والترمذي.
ففيه أنه أخر الاجتهاد عن السنة التي تعم المتواتر والآحاد. والله أعلم.
وجوب التمسك بالحديث الصحيح وإن خالف المذاهب والآراء :
وبعد أن عرفت وجوب العمل بالحديث الصحيح أيا كان نوعه، وبطلان ما يورد أهل البدع على دلالته، فما عليك إلا أن تقول بموجبه ولو خالفه أكثر الناس، فإن عمل الأكثر ليس بحجة، ولقد كان الأئمة الأربعة رحمهم الله ينكرون على من خالف الحديث بعد صحته. وقد نقل عن كل منهم قوله: إذا صح الحديث فهو مذهبي، ونقل المزني عن الشافعي أنه قال: إذا وجدتم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى أحد. وقال الربيع عنه: ليس لأحد قول مع سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وسمعته روى حديثاً. فقال له رجل: أتأخذ بهذا يا أبا عبدالله؟ فقال: متى رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً فلم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب.
وقد اشتهر عنه رحمه الله أنه قال للإمام أحمد: إذا صح عندكم حديث فأعلمونا به لنأخذ به، ونترك كل قول قلناه أو قاله غيرنا، فإنكم أحفظ للحديث، ونحن أعلم به، ونقل أبو يوسف أن أبا حنيفة قال: ليس لأحد أن يفتي بقولنا، ما لم يعرف من أين قلنا.
وكذلك الإمام مالك صح عنه أنه قال: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وصح عن الإمام أحمد أنه قال: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان. والله تعالى يقول: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)(النور:63). أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. اهـ.
والنقول عن الأئمة كثيرة في النهي عن تقليدهم، وأمر غيرهم بالرجوع إلى الأدلة التي يأخذون منها. وبهذا يعرف تقديس هؤلاء الأئمة للحديث المتواتر والآحاد. ولما أن روي عنهم بعض المسائل التي لا تجتمع ظاهراً مع ما صح من الأحاديث، وكان قد قلدهم بعض من أتى بعدهم، واعتمد أقوالهم نصوصاً ترد لها الأحاديث الواردة عليهم، فهنالك وضعوا قواعد وأصولاً زعموا أن أئمتهم لا يقبلون ما خالفها من أخبار الآحاد، ككون الحديث فيما تعم به البلوى، أو خلاف القياس، أو لم يعمل به راويه ونحو ذلك. وإذا كان قد روي عن الأئمة شيء من تلك القواعد فلعلهم أرادوا بها معنى صحيحاً لا على الإطلاق، وعلى هذا فإن من واجب المسلم تقديم الحديث الصحيح وإن خالف مذهب إمامه، واعتقاد أن كل عالم أو قدوة في الدين لن يجرؤ على مخالفة الحديث الصحيح إلا لمعارض راجح في نظره، ولقد بين العلماء المحققون أعذار أولئك الأئمة في تركهم العمل ببعض الأحاديث الصحيحة، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة (رفع الملام) عشرة أسباب يكون وجود أحدها عذراً لمن قام به في مخالفة الحديث.
فمنها: أن لا يكون الحديث قد بلغه، فإنه لا يمكن لأحد الإحاطة بالحديث النبوي جميعه، وقد تقدم أمثلة لما خفي على بعض كبار الصحابة.
ومنها: أن يكون الحديث قد بلغه ولكن لم يثبت عنده، أو اعتقد ضعفه خطأ. أو نسيه. أو لم يتفطن لدلالته عند الفتيا. أو اعتقد أن لا دلالة فيه. أو اعتقد أنه معارض بما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله مما خالفه فيه غيره.
وإذا كان الإمام معذوراً عن اجتهاده الذي أخطأ فيه، لم يعذر من تبين له الدليل فأصر على مخالفته، وأخذ يقدر تقديرات متكلفة في رده، فإن عجز قال: لو كان صحيحاً لما خالفه إمامنا الذي قد اتفق على أهليته، ونحو ذلك من الأعذار.
وكل هذا محافظة على ما روي عن هؤلاء الأئمة الذين تفانوا في تقليدهم، مع أن تلك الروايات المنقولة عن الأئمة مما فيه مخالفة لبعض الأحاديث الصحيحة مشكوك في صحتها عنهم، لكونها نقلت آحاداً، وبغير أسانيد متصلة غالباً. ثم بتقدير صحتها عنهم، فقد يتطرق إليها التغيير من النقلة مما تنقلب به حقيقتها، وقد يحتف بالفتيا من القرائن ومقتضيات الأحوال ما يحمل المفتي على التساهل مما يخفي على من بعده، ثم بتقدير عدم ذلك كله فهم غير معصومين عن الخطأ، وقد نهوا من بعدهم عن تقليدهم.
وبهذا يتضح إجماع الأئمة المعتبرين على وجوب اتباع الأحاديث ولو كانت آحاداً بعد ثبوتها، وأنه مما يجب تقديمها على قول كل أحد أياً كانت منزلته، وإلى هنا نقف، والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
تم ولله الحمد والشكر والمنة
مع تمنياتي لكم بالفائدة
لمن أراد تحميل الكتاب على الرابط التالي
http://www.waqfeya.com/book.php?bid=3024