بسم الله الرحمن الرحيم
نستكمل بعون الله تعالى الحديث عن مدرسة الصيام..
شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ - 185
*******
إن جميع فرائض الإسلام تنشيئ الهمة الروحية التي تنعكس على الهمة البدنية , فكان تاريخ الإسلام يسجل أعظم الإنتصارات في شهر رمضان .
******
تحدثنا في اللقاء السابق عن الإنتصار الكبير للمسلمين في غزوة بدر وكان في شهر رمضان , ونتحدث اليوم بعون من الله تعالى عن فتح القسطنطينية , الذي يعتبر من أهم الفتوحات في العصر الحديث وهي من دلائل النبوة .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
لتفتحن القسطنطينية ولنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش .
رواه: البخاري
وصل السلطان العثماني في جيشه الضخم أمام الأسوار الغربية للقسطنطينية المتصلة بقارة أوروبا يوم الجمعة الموافق ( 12 من رمضان 805هـ الموافق 5 من إبريل 1453م ) ونصب سرادقه ومركز قيادته أمام باب القديس "رومانويس"، ونصبت المدافع القوية البعيدة المدى، ثم اتجه السلطان إلى القبلة وصلى ركعتين وصلى الجيش كله، وبدأ الحصار الفعلي وتوزيع قواته، ووضع الفرق الأناضولية وهي أكثر الفرق عددًا عن يمينه إلى ناحية بحر مرمرة، ووضع الفرق الأوروبية عن يساره حتى القرن الذهبي،
ووضع الحرس السلطاني الذي يضم نخبة الجنود الانكشارية وعددهم نحو 15 ألفًا في الوسط. وتحرك الأسطول العثماني الذي يضم 350 سفينة في مدينة "جاليبولي" قاعدة العثمانيين البحرية في ذلك الوقت، وعبر بحر مرمرة إلى البوسفور وألقى مراسيه هناك،
وهكذا طوقت القسطنطينية من البر والبحر بقوات كثيفة تبلغ 265 ألف مقاتل، لم يسبق أن طُوقت بمثلها عدة وعتادًا،
وبدأ الحصار الفعلي في السبت الموافق ( 13 من رمضان 805هـ الموافق 6 من إبريل 1453م ) ،
وطلب السلطان من الإمبراطور " قسطنطين " أن يسلم المدينة إليه وتعهد باحترام سكانها وتأمينهم على أرواحهم ومعتقداتهم وممتلكاتهم، ولكن الإمبراطور رفض؛ معتمدًا على حصون المدينة المنيعة ومساعدة الدول النصرانية له.
وضع القسطنطينية
تحتل القسطنطينية موقعا منيعا، حباه الله بأبدع ما تحبى به المدن العظيمة، تحدها من الشرق مياه البوسفور، ويحدها من الغرب والجنوب بحر مرمرة، ويمتد على طول كل منها سور واحد. أما الجانب الغربي فهو الذي يتصل بالقارة الأوروبية ويحميه سوران طولهما أربعة أميال يمتدان من شاطئ بحر مرمرة إلى شاطئ القرن الذهبي، ويبلغ ارتفاع السور الداخلي منهما نحو أربعين قدمًا ومدعماَ بأبراج يبلغ ارتفاعها ستين قدما، وتبلغ المسافة بين كل برج وآخر نحو مائة وثمانين قدما. أما السور الخارجي فيبلغ ارتفاعه خمسة وعشرين قدما، ومحصن أيضا بأبراج شبيهة بأبراج السور الأول، وبين السورين فضاء يبلغ عرضه ما بين خمسين وستين قدما، وكانت مياه القرن الذهبي الذي يحمي ضلع المدينة الشمالي الشرقي يغلق بسلسلة حديدية هائلة يمتد طرفاها عند مدخله بين سور غلطة وسور القسطنطينية، ويذكر المؤرخون العثمانيون أن عدد المدافعين عن المدينة المحاصرة بلغ أربعين ألف مقاتل.
ولكن النصر من عند الله العزيز الحكيم.
دخل محمد الفاتح المدينة ظافرا ترجل عن فرسه، وسجد لله شكرا على هذا الظفر والنجاح، ثم توجه إلى كنيسة " أيا صوفيا "؛ حيث احتشد فيها الشعب البيزنطي ورهبانه، فمنحهم الأمان،
وأمر بتحويل كنيسة " أيا صوفيا " إلى مسجد، وأمر بإقامة مسجد في موضع قبر الصحابي الجليل " أبي أيوب الأنصاري "، وكان ضمن صفوف الحملة الأولى لفتح القسطنطينية، وقد عثر الجنود العثمانيون على قبره فاستبشروا خيرًا بذلك.
اتبع محمد الفاتح سياسة التسامح الديني مع جميع رعاياه المسيحين والمسلمين سواء, اصدر أول قانون عدم اضطهاد المسيحين بأي شكل من الأشكال وسمح لهم بإقامة شعائرهم الدينية كما في السابق ووفق عادات وتقاليد المسيحين آنذاك، كذلك أعلن نفسه الحامي الرسمي للكنيسة وابقى لرجال الدين المسيحين جميع امتيازاتهم في السابق بل زاد لهم في العطاء فجعل 1000 قطعه ذهبيه وخيل مزين بطقم فاخر ومزين بذهب والحاقه بحاشية وعين البطريك جناديوس لتولي امور الكنيسة دينيا بعد فتح العثمانيون واعطى لهم صلاحيات كثيرة وألزم جميع الوزراء بتنفيذ قرارات البطريك.
وقرر الفاتح الذي لُقِّب بهذا اللقب بعد الفتح اتخاذ القسطنطينية عاصمة لدولته، وأطلق عليها اسم "إسلام بول" أي "دار الإسلام"، ثم حُرفت واشتهرت بـ " إستانبول "، وانتهج سياسة سمحة مع سكان المدينة، وكفل لهم حرية ممارسة عبادتهم، وسمح بعودة الذين غادروا المدينة في أثناء الحصار والرجوع إلى منازلهم، ومنذ ذلك الحين صارت إستانبول عاصمة للبلاد ..
*******
وهكذا عرف أجدادنا العظام مقدار هذا الشهر الكريم.
فكانت تتم أعظم الفتوحات فيه
فهو شهر الهمة والنشاط.
*******
وإلى لقاء قادم إن شاء الله تعالى