فقال أخبروني ما تنقمون (12) على ابن عم رسول الله وزوج ابنته ، وأول من آمن به ؟!
قالوا : ننقم عليه ثلاثة أمور .
قال : وما هي ؟!
قالوا : أولها : أنه حكم الرجال في دين الله (13) ...
وثانيها : أنه قاتل عائشة ومعاوية ولم يأخذ غنائم ولا سبايا ...
وثالثها : أنه محا عن نفسه لقب أمير المؤمنين مع أن المسلمين قد بايعوه وأمروه .
فقال : أرأيتم إن أسمعتكم من كتاب الله ، وحدثتكم من حديث رسول الله ما لا تنكرونه ، أفترجعون عما أنتم فيه ؟
قالوا : نعم .
قال أما قولكم : أنه حكم الرجال في دين الله ، فالله سبحانه وتعالى يقول :
.gif)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ

(14) .
أنشدكم الله (15) ، أفحكم الرجال في حقن دمائهم (16) وأنفسهم ، وصلاح ذات بينهم أحق أم حكمهم في أرنب ثمنها ربع درهم ؟!
فقالوا : بل في حقن دماء المسلمين وصلاح ذات بينهم .
فقال : أخرجنا (17) من هذه ؟
قالوا : اللهم نعم .
قال : وأما قولكم : إن علياً قاتل ولم يسب (18) كما سبى رسول الله .
أفكنتم تريدون أن تسبوا أمكم عائشة وتستحلونها كما تستحل السبايا ؟!
فإن قلتم : نعم ، فقد كفرتم .
وإن قلتم لا : إنها ليست بأمكم فقد كفرتم أيضاً ، فالله سبحانه وتعالى يقول :
.gif)
النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ

(19) .
فاختاروا لأنفسكم ما شئتم .
ثم قال : أخرجنا من هذه أيضاً ؟
قالوا : اللهم نعم .
قال : وأما قولكم : أن علياً قد محا عن نفسه لقب إمرة المؤمنين ، فإن رسول الله

حين طلب من المشركين يوم الحديبية أن يكتبوا الصلح الذي عقده معهم (هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله) قالوا : لو كنا نؤمن أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن اكتب : (محمد بن عبد الله) ، فنزل عند طلبهم وهو يقول :
(والله إني لرسول الله وإن كذبتموني) .
فهل خرجنا من هذه ؟
فقالوا : اللهم نعم .
وكان من ثمرة هذا اللقاء ، وما أظهره فيه عبد الله بن عباس من حكمة بالغة وحجة دامغة أن عاد منهم عشرون ألفاً إلى صفوف علي ، وأصر أربعة آلاف على خصومتهم له عناداً وإعراضاً عن الحق .