د. ليلى بيومي
لا يختلف اثنان أن الأمة العربية والإسلامية تعيش اليوم أصعب فترات حياتها؛ إذ التهديدات الخارجية ومحاصرة الغرب الصليبي لنا،
وإعادة احتلال أراضينا بعد أن كنا قد طردناه وحررنا بلادنا من شروره،
لكنه بحقده الصليبي، وبتنسيقه مع الصهاينة،
عاد إلينا مرة أخرى بشكل أشد شراسة،
تحت دعاوى زائفة مثل "الشرق الأوسط الكبير"، وإقامة الأنظمة الديمقراطية والتبشير بالحرية الزائفة.
وفي هذه الظروف، وربما نتيجة لها، تعيش الأمة حالة من التخبط السياسي والاقتصادي والعلمي،
يحتاج إلى إصلاح وتنمية وتطوير،
وهذا الإصلاح العام في المجتمع الإسلامي يتطلب المشاركة الفعلية للمرأة؛
حيث إنها أكثر من نصف المجتمع، كونها هي مربية الأجيال ومؤسسة المبادئ في نفوس النشء.
وفي نفس الوقت فإن دفع العدوان عن الأمة كما في فلسطين
والعراق وأفغانستان ولبنان والسودان والصومال...الخ يحتاج إلى بذل وتضحية وجهاد.
وهكذا لم يعد لدينا وقت لدعاة العلمانية الذين يدلسون علينا ويوجهون المرأة وجهة غير صحيحة،
ونحن، مع ذلك، نعترف أن هناك أفكاراً، ومصالح معينة،
وظروفاً تاريخية غير مواتية،
أبعدتنا عن الفهم الصحيح لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبعدتنا عن التصور السليم
لدور المرأة في مجتمعاتنا؛
إذ تدهورت أوضاع المرأة في مجتمعاتنا -وعبر تاريخنا الإسلامي الطويل- من صحابية جليلة واثقة من
تشجيع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها، إلى جارية تدب على رؤوس الحكام،
ثم إلى دمية تُستعمل في مشروع استعماري محكم.
وربما كانت الظروف الصعبة التي تمر بها بلادنا مدخلاً لأن تحقق المرأة النموذج الرسالي الذي جاء به الإسلام،
من خلال مشاركة فاعلة وواعية في إعداد الأجيال الجديدة لتحمل المسؤوليات الجسام،
بل ومن خلال المشاركة المباشرة في كل مناحي الحياة، خاصة في هذه المحن والشدائد التي تعيشها الأمة.
المرأة المسلمة حين تقلب الموازين :
إن أمتنا اليوم تعيش في حالة هزيمة حضارية وتخلّف على مستوى
ضياع الكثير من أراضي المسلمين، واستهداف بلادهم من قبل الاستعمار الجديد، والتجزئة والاستبداد،
ونهب ثرواتهم، واختراقهم سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وإعلاميًا وثقافيًا،
وبالتالي فإن كل مسلم رجلاً كان أم امرأة مطالب بالاضطلاع بواجبه للخروج من هذه الحالة والانتصار
على التحديات وتجاوزها.
ومن نافلة القول التأكيد على أن المرأة المسلمة مطالبة بالجهاد والنضال
والمشاركة في معارك الأمة بشرط أن يكون ذلك في إطار الضوابط الشرعية،
ولكنني أضيف هنا أن تلك الضوابط الشرعية ليست مطلوبة في حالة المرأة فقط،
ولكنها مطلوبة في حالة المرأة والرجل وفي كل موضوع وفي كل قضية.
إن عملية النهوض الإسلامي التي يريد المخلصون منا القيام بها تتعرض لكثير من التشويش والتزييف
في محاولة لوأدها، وكلما كثرت أراجيف هؤلاء المشككين وشبهاتهم في قضية ما أدركنا أهميتها
وخطورتها، لأنه لولا تلك الأهمية والخطورة لما اهتموا بها.
فهؤلاء المشبوهون مثلاً يثيرون الشبهات حول قضية الجهاد؛
لأنه الطريق الطبيعي والوحيد أمام أمتنا لانتزاع حقوقها واستعادة مكانتها الحضارية وتجاوز التحديات،
وهم يثيرون الشبهات حول قضية المرأة في الإسلام؛ لأنهم يدركون أن المرأة المسلمة
حين تشارك في الجهاد والنضال الإسلامي العام فسوف تكون عاملاً مهمًا في ترجيح كفة الإسلام على
أعدائه في الداخل والخارج،
وبالتالي تشكل خطرًا هائلاً على المشروع الاستعماري المعادي للأمة، ورصيدًا ضخمًا للمشروع
الإسلامي الذي يستهدف إنهاض الأمة وتجاوز تحدياتها واستعادة سيادتها الحضارية.
وفي هذا الصدد فإننا إزاء تيار رئيس في الأمة الإسلامية المعاصرة يستلهم موقفه الأصيل
من الإسلام من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة
وكافة مصادر ووسائل التشريع الصحيحة والمعمول بها،
وهذا التيار يعرف للمرأة حقوقها ويدفعها إلى المشاركة الواسعة في معارك الأمة في كل مجال،
وعلى جانبي هذا التيار الرئيس هناك تياران هامشيان؛
أحدهما يتمثل في تيار يحبذ الانغلاق والجمود ويخلط بين ما هو شريعة
وما هو تقاليد أو عادات،
ويريد إخضاع المرأة المسلمة لحالة من السلبية والتهميش والعزلة وحبسها في التقاليد بحسبانها من الإسلام،
والثاني يتمثل في تيار تغريبي مرتبط بالاستعمار يريد أن يحوّل المرأة إ
لى سلعة تجارية ويجردها من إنسانيتها ويدفعها في طريق الانحلال والتغريب ومعاداة ثقافتها ودينها،
ويزعم هذا التيار أنه يريد تحرير المرأة في حين أنه يريد استعبادها وتبعية المرأة والرجل والمجتمع بأسره للاستعمار والخضوع له.
ومن العجيب أن لهذا التيار التغريبي الذي يزعم تحرير المرأة،
موقفًا مشينًا من تحرر المجتمع كله من الاستعمار والتبعية، بل إن كل رموز هذا التيار -بلا استثناء-
معروفون بعمالتهم للاستعمار والدعوة للخضوع له، ويدعون إلى إلغاء ثقافتنا وهويتنا والانخراط الكامل
في ثقافة وهوية الغرب الصليبي.
إن الرموز الحقيقية لتحرر المرأة في بلادنا العربية هن اللاتي خُضْنَ المعارك من أجل استقلال بلادهن
والدفاع عن الأرض والثقافة والهوية من أمثال للا فاطمة التي قادت انتفاضة مسلحة ضد الاستعمار
الفرنسي في الجزائر في أوائل الاحتلال الفرنسي للجزائر،
أو شهيدات ثورة التحرير الجزائري 1954 1962 أمثال الشهيدة فضيلة
سعدان أو أم محمد أو تلك المرأة الفلسطينية التي تشارك في الانتفاضة،
أو المجاهدة الفلسطينية الشابة عواطف،
أو المرأة السودانية التي تخرج في المظاهرات أو مارست الجهاد ضد التمرد في الجنوب،
أو المرأة الأفغانية التي شاركت في تحرير بلادها من الاستعمار الروسي
أو المرأة المصرية التي شاركت في الكفاح المسلح ضد الحملة الفرنسية أو شاركت في
ثورة 1919 أو تلك التي دخلت السجن دفاعًا عن عقيدتها.
المرأة الفلسطينية نموذجاً :
إن المرأة الفلسطينية العادية مارست الجهاد في أعلى صوره؛
إذ سقط العديد من الشهيدات طوال فترات الاحتلال سواء كان ذلك برصاص مباشر من جنود الاحتلال
والذين لا يأبهون بقتل النساء،
أو عن طريق الغاز الخانق المسيل للدموع أثناء تواجدهن في ساحات المواجهة أو أداء الصلاة في
المسجد الأقصى، كما أن المستشفيات لا تخلو من النساء الجريحات من كل الفئات العمرية.
كما لعبت المرأة الفلسطينية دوراً مهما في الجانب الإعلامي والصحفي
في إبراز وإظهار الوحشية والقمع اللذين يتعامل بهما جنود الاحتلال الإسرائيلي واستخدام الأسلحة
الحية في مواجهة أطفال وحجارة،
ونقلت لنا وكالات الأنباء والمحطات التلفازية صوراً لكثير من الفلسطينيات الصحفيات في وسط المواجهات
وتحت زخات الرصاص يتابعن أولاً بأول الأحداث في مواقعها، ولا يكاد يخلو تقرير تلفازي مصور عن
أحداث هبة الأقصى من مشاهدة لمئات النسوة وهن يعترضن الجنود لدى محاولتهم اعتقال أحد الشبان،
كما كانت الصحفيات الفلسطينيات من أوائل الذين قدموا تقارير تلفازية حول المجازر التي ارتكبها
جنود العدو الصهيوني وخاصة مقتل الطفل محمد الدرة.
وكما كانت الصحابيات على عهد رسول الله (صلي الله عليه وسلم)،
يقمن بتطبيب الجرحى وعلاجهم تقوم أيضا المرأة الفلسطينية بشكل تطوعي داخل المستشفيات
وخارجها وفي ساحات الانتفاضة بنفس المهمة،
من خلال التواجد في نقاط الإسعاف الميدانية التي أقيمت بالقرب من نقاط الانتفاضة،
ومن ناحية أخرى تقوم الممرضات بمجهود لا يُستهان به داخل المستشفيات طوال اليوم.
لقد كان أداء المرأة الفلسطينية على سبيل المثال في الانتخابات
التشريعية الأخيرة، التي فازت فيها حماس، أداءً عالياً،
استكمالاً لدورها في العمل العام كأسيرة واستشهادية وناشطة اجتماعية، شاركت على
مدار العقود الماضية في المشروع النضالي جنباً إلى جنب مع الرجل.
وهكذا فإن من يقول إن الحركات الإسلامية تهضم دور المرأة فهو مخطئ،
فالحركات الإسلامية هي من تعطي المرأة حقها أكثر من أي حركات أخرى؛
لأنها تستمد فكرها من الإسلام الذي لم يحرم المرأة من حقها السياسي،
وجعل دورها متكاملاً جنباً إلى جنب مع الرجل في كافة مناحي الحياة.