(2)
كان بعض نظار الثانوية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي..
كانوا يتبعون أسلوب الخلايا العلمية..
وهو أسلوب تربوي يقوم على أساس التآلف بين الطلاب ..
وذلك دون تحديد عدد معين ودون محاولة الربط بين خلية وأخرى..
إذ كان القصد من ذلك هو مجرد تشجيع الطلاب على التجمع في صحبة أو مجموعة..
ليكون نشاطهم العلمي والاجتماعي أجدى من الناحية التربوية..
مما لو ترك الطالب في مرحلة المراهقة وأول النضج فريسة للوحدة في نزهته حبيساً في حجرة استذكاره بداره..
وهكذا اجتمع بقدر الله مجموعة من ثلاثة أشخاص..
اجتمع محمد توفيق صدقي .. و أحمد نجيب برادة .. و عبده إبراهيم عبد الملك..
في خلية واحدة تآلف أفرادها وانسجموا ثلاثتهم..
فانتظموا في عقد دراستهم من أول الدراسة الثانوية..
فما أن وصل ثلاثتهم إلى السنة الثالثة الثانوية..
حتى غدت أواصر المودة بينهم قوية تشد بعضهم إلى بعض..
حتى اشتهروا بين زملائهم بذلك وعرفوا بما يحملونه لبعضهم البعض من مشاعر الحب والإخلاص والاحترام..
وكان محمد توفيق صدقي أيسر حالاً من الجميع..
وتقع داره في جنينة (لاز) المتاخمة لجنينة (ناميش) بحي السيدة زينب..
وكان في الدار في المدخل من جهة اليسار منظرة (مضيفة أو غرفة ضيافة) تكاد تنفصل هي وجميع مرافقها عن البيت كله يسمونها حجرة الضيافة..
أما أحمد نجيب برادة فقد كان رقيق الحال..
كفله عمه بعد وفاة أبيه..
فلم يكن الصحب يغشون دار عمه في الحلمية إلا نادراً..
مع أن الدار كانت فسيحة على الطراز القديم ولها صحن فيه بئر ودلو..
لكنها في النهاية لم تكن دار برادة ولكنها دار عمه الذي يرعاه بديلاً عن أبيه..
أما عبده فقد كانت داره كما قلنا بالظاهر..
بعيدة عن السيدة زينب وكذلك عن الحلمية خاصة بمعايير المواصلات في ذلك العهد..
ذلك فضلاً عن وقوع حجرة عبده الخاصة في الطابق الثالث مع الأسرة..
هكذا وجد الثلاثة أنفسهم متفقين بغير اتفاق على تفضيل منظرة صدقي للقاء..
لقصد الاستذكار وما يصحبه من صخب الشباب أحياناً..
وقد زاد من كفة ترجيح هذه المنظرة قربها من المدارس الثانوية فضلاً عن المدارس العليا..
لكن الأمر لم يسلم برغم ذلك من أن الصحاب الثلاثة كانوا يغشون دار عم برادة بالحلمية أحياناً مضطرين لظرف أو آخر..
وكان في صحن الدار كما سبق بئر ودلو..
فكانوا إذا وجبت الصلاة قام صدقي وبرادة فتوضأ كل منهما بدوره ثم أقاما الصلاة..
وكان عبده من دونهما يرقبهما بعض الوقت وهما يصليان..
ويتشاغل عنهما بالنظر في أوراقه ما أتيح له ذلك..
وبتكرار هذه المواقف من وقت لآخر خلال السنتين الأولى والثانية من الدراسة الثانوية..
قام في نفس عبده تساؤل عنيف عن سلوك صاحبيه