(15)
ما كاد الكاهن الكبير يلقي بيانه ..
وقد تعلقت الأنفاس من رهبة الموقف ..
حتى حل الهرج والمرج محل السكون والوقار ..
وارتفع الصخب فجأة بأخلاط من الأصوات ..
فهذا نحيب وهذا نواح وهؤلاء رجال أفزعهم المصير الذي ينتظر فتى كان من خيرة شبابهم ..
الذين كانوا يباهون بهم المسلمين ..
وتلك نسوة تجمع بين البكاء وبين أقبح الأصوات ..
وإذا بالطبيب الشاب يشهد للمرة الثانية موقفاً مزعجاً في نفس المكان ..
فقد كان فوجئ بقرار المحكمة قبل تمام المحاكمة ..
ولذلك بقي في مكانه مشدوهاً حال تلاوة البيان ..
وإذ بدأ الهرج والتدافع بالأيدي والمناكب ..
تسلل من مجلسه إلى خارج الدار ثم إلى مسكنه المتواضع ..
وقد تملكه شعور لم يكن يحس به من قبل ..
فلقد رأى لأول مرة رجال الدين الذين يتخذون من الهداية والإرشاد وسيلة لكسب المعاش
يتصرفون على نحو أذهله ..
فخالطه شعور بالعطف على عامة الناس الذين يلتمسون عندهم الرشاد ..
قال الطبيب لصاحبيه:
لقد احترمت هؤلاء الناس حين ثبتوا ودافعوا عن أمور خيل إليهم أنها صواب ..
وكان ذلك في أول لقاء لي معهم ..
ولكن حقيقة أمرهم تكشفت لي في المجلس الثاني ..
حين باهلتهم ثلاثة أيام طوالاً أقدم لهم الدليل تلو الدليل ..
وأقرعهم الحجة الهزيلة عندهم بالحجة القوية عندي ..
وقد كنت أظنهم بما يحملون من مناصب دينية عالية أهل حجة وأصحاب عقل ونظر ..
لكنني فوجئت بهم يفرون من الميدان مخافة أن ينكشف ما هم عليه من جهل وصغار ..
وإني لأعلم أنهم يأكلون السحت ..
ويجعلون رزقهم أنهم يكذبون ..
ألا ساء ما يزرون ..
قال له صاحباه:
أو لم يكف ما لقيته من دعوتك الناس إلى الرشاد، فجئت تخطب فينا ..
قم الآن يا رجل إلى كتبك فأقدامك لم تثبت بعد على الطريق ..
وعليك أن توفر ما بقي من مراحل في الحصول على الإجازة العلمية ..
ومن ثم الوظيفة التي ستقيم أودك ..
وكان ما نصحوه به ..
فانقطع لدروسه بضعة أشهر كد فيها واجتهد ..
حتى تخرج طبيباً يمارس المهنة الإنسانية ..
ونظر الطبيب الشاب من حوله باحثاً عن مجتمع يعوضه عن أسرته التي لم تهتد ..
فإذا النصارى يحوطونه بنظرات الحقد والمرارة ..
وإذا المسلمون يترقبونه في حيطة وحذر ..
فرغب في البعد عن الناس طلباً للهدوء ..
ومزيد من الاطلاع،
فلم يجد خيراً من أن تكون خدمته الوظيفية ..
في السجــــــــــــــــــون ..