(21)
ما إن دخل الطبيب داره التي تركها من برهة قصيرة ..
وغادرها وهي هادئة ساكنة ..
حتى سارت مسرحاً لأحداث غريبة تجري سراعاً .
فها هو يرى المربية .. عاكفة على صرة ضخمة من لوازم الدار ..
وملابس الصغار والكبار ..
تلفف شيئاً من فوق أشياء ..
وبجانبها صرة أخرى فرغت من شد وثاقها ...
والصغيران قد وضعا في ثياب الزينة والزيارات ..
وزوجته تذهب وتجيء في ركن من الدار إلى درج يؤدي إلى السطح ..
وهو يراقب الأمر صامتاً ..
حتى رفعت الزوجة ابنها الصغير على ذراعها ..
وأمسكت بيد الولد الأكبر ..
وحملت المربية صرة بعد أخرى ..
واستعد الركب للرحيل ..
وتقدمت الزوجة نحو الباب وهي ثابتة على صمتها ..
وفي عينيها أثر واضح لدمع تغالبه ..
وجاءت المربية من خلف سيدتها ..
والطبيب الذي أنهكه عمله طول اليوم ..
ومن بعده لقاؤه المثير لأبيه ..
ساكت في ضيق وصبر ..
فإن الوقت لم يكن مناسباً لإعلان الغضب ..
تقدم مدخل الدار .. واعترض سبيل زوجته وهي توشك أن تنطلق ..
فتوقف وقال: إلى أين؟
ولا جواب .. والصغير على كتفها ..
والمربية تحمل الصرات ..
والزوج لا يتحول عن مدخل الدار ..
ولا يسمح لزوجته بالخروج ..
وهذه حال لا يطول الصبر عليها ..
فهبطت الأحمال التي على رأس المربية إلى أرض الصالة ..
وتقدمت الزوجة من زوجها قائلة :
ابتعد ولا تعترض طريقي ..
قال: حتى أعرف إلى أين ؟
قالت: كنتُ واهمة كما أنت واهم الآن تماماً!!
قال: كيف ؟
قالت : إن ما بيننا قد انتهى ..
قال : وما الأسباب ؟
قالت: ما من سبب ولا غضب ..
يكفي أن تعلم بأنك مجنون .. وأنا لا أعاشر المجانين ..
لم يكن الطبيب قد سمع من زوجته الوديعة المهذبة كلاماً كهذا في أشد الأيام التي مرت بهما ..
وبدا له أنها في حالة من الثورة النفسية ..
التي لا يؤمن معها نقاش ولاحوار ..
ولذلك لجأ إلى الحكمة ..
وخلّى بينها وبين مدخل الدار ..
وقبع في زاوية على أريكة يراقب التطورات ..
انفجرت براكين الغضب الكامن في أعماق الزوجة ..
وأغراها سكون الطبيب ..
فسألته في حدة : أعرّفك لماذا أنت مجنون؟
إنك تصبح وتمسي ولا تذكر إلا الموت ..
ولا حديث لك إلا عنه ..
وأنه قريب من الآدمي ..
وكلما خلوت بي .. أوصيتني بولديك خيراً .. إذا سبقت المنية إليك ..
فكيف يا ترى تحقق وصيتك فيهم ..
إن كنت تتلف المال بهذه الطريقة ..
أما علمت أن هذا المال هو حصاد تدبيري طوال سنوات انقضت من عمرك ..
في المهنة والوظيفة جميعاً ..
ثم سكتت تغالب دمعها حتى ملكها الغضب من جديد ..
فقالت: وإلى من دفعت المال؟..
إلى من يحترم أصهارك ويحب ولديك؟ ..
إلى من يؤتمن على تربيتهما من بعدك ؟..
إذا وافاك الأجل صغيراً كما تظن ؟..
ثم أقبلت على زوجها .. وجلست في مواجهته وعلا صوتها ..
وهي تقول:
لقد نظرت في خزانتنا ..
فما وجدت إلا حفنة من الدراهم ..
وكل ما عندنا من مال للزمن ذهب به أبوك؟ ..
فمن أبوك هذا ؟ ..
لماذا لم يتذكرك إلا حين أظلمت في عينيه الدنيا؟ ..
وسدت في وجهه أبواب الخلاص ..
أوليس أبوك هذا هو الذي طردك من الدار ليلاً كما تقول ؟..
أو ليس هو الذي أغرى بك الكنيسة ليطاردوك .. ويلاحقوك بالأذى وسوء السمعة ..
أو ليس هو الذي قاطعك خمس سنوات أو تزيد ..
ولا يعلم شيئاً من أمرك .. إلا أن يكون شامتاً بك ..
أو ساخراً من أبي الذي آواك .. وزوجك من ابنته ..
واستمرت الزوجة تثير له شديد التقريع والتأنيب ..
في غضبة جامحة ..
والطبيب يتذرع بالصفح .. ويلوذ بالصمت ..
وعلى حين كانت الزوجة لا تزال ترميه بحمم الغضب ..
كان هو يتفكر في اللقاء الذي كان بينه وبين أبيه ..
وقد شعر بأن حق الوالد كان مرعياً في هذا اللقاء ..
ولكن ترى ما حال الحقوق الأخرى التي لأولاده عليه ؟..
تأمل الطبيب موقفه من جديد ..
وهو يسائل نفسه ..
ترى .. هل أصبت في هذا التصرف ..
أم أنني قد أصبت في شيء واحد على حين غابت عني أشياء ..
وذهبت الزوجة بعد ذلك .. غاضبة إلى بيت أبيها ..
وتركته وحيداً ..
وبعد ثلاثة أيام ..
دخل عليه صهره الشيخ عبد الحميد ..
ومعه الأسرة الصغيرة والمربية .. تحمل في العودة أضعاف ما حملته عند مغادرة الدار ..
ودخلت الزوجة .. وهي تحمل ابنها الصغير ..
وتمسك بالكبير .. وتتجه نحو غرفة النوم ..
في صمت وخجل ..
وهي تتجنب النظر إليه ..
وتختصر في رد المقال عليه ..
وانسحبت ومن معها بعد ذلك إلى الداخل ..
وبقي الشيخ والطبيب يتحادثان ..
قال الشيخ: ما عرفت عن ابنتي أنها كاذبة أبداً ..
وإني لأحمد الله على ذلك حمداً كثيراً ..
ولقد قصت علي كل ما جرى بينكما في الأيام الأخيرة ..
وذكرت لي ما وجهته إليك من أقوال وأفعال ..
وتصرفك معها ..
ورأت بعد أن سكت عنها الغضب أنها أخطأت من الألف إلى الياء ..
قال الطبيب :
ما أظنها قد جرأت يا عم .. أن تنقل إليك ما ألقته في وجهي من قصائد المديح والثناء!!..
قال الشيخ:
إنني لا أستبعد برغم فقهها ..
أن تكون قد اقتصرت حياء مني حين أحست بخطئها ..
وعلى أي حال ..
فلقد كان القدر الذي ذكرته لي .. كافياً لإدانتها ..
والحكم ببراءتك ..
وما بك الآن حاجة إلى أحصاء المزيد من الوقائع ..
وفي حالتك .. فأنت أدرى الناس بما حدث ..
ثم إن والدك قد قاطعك لسنوات طويلة ..
ولم يظهر فجأة في حياتك وحياة أولادك ..
إلا ليستدر عطفك عليه وعلى أولاده فيما يمر به من محنة ..
فبأي حق يطلب منك النجدة ..
ولماذا جاء الآن فقط يطلب منك أن تنقذ بيته ومستقبل ابنته ..
وهو يعلم أن الدين قد فرق بينه وبينك ..
وأنك لن ترثه هو ولا أمك .. ولا أحد من سائر إخوتك ..
كان الطبيب مطرقاً برأسه وهو يستمع ..
ثم رفع رأسه وهو يقول:
لقد أحسنت إلى أبي ياعم .. لحق الوصية التي فرضها له الملك الديان ..
وبحق القرآن الذي آمنت به ..
وجعلته دليلي إلى طاعة خالقي الذي هداني ..
أو ليس قد جاء في القرآن قوله تعالى:
{وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ - وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }لقمان 14 -15
قال الشيخ: بلى .. وصدق الله العظيم ..
قال الطبيب: أو ليس قد جاء في الكتب المحكم قوله تعالى:
{وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }العنكبوت8
قال الشيخ: بلى .. وصدق الله العظيم ..
وساد الصمت بينهما برهة ..
تدبر كل منهما معاني الآيات الكريمة .. وأهدافها النبيلة ..
ثم ما لبث الطبيب أن قال:
إن هذه الآيات .. يتلوها كل مسلم .. ويؤمن بها كل مهتد ..
وما في ذلك من ريب ..
ولكن حدثني بربك يا عم ..
فأنت رجل علم وتجربة ..
ألست ترى أن هذه الآيات تأخذ بناصيتي وبناصية كل عبد هداه الله ..
من بين فئة كبيرة على الضلال ..
فلقد جاهداني .. وأشهد الله ..
ولعل أبي كان أشد قسوة ..
لكن أمي كانت تراقبني ..
وتجعل من يراقبني ..
وتغري بي أبي .. وإخواني وإخوتي ..
ظناً منها أن في هذه الملاحقة الخير لي ..
ثم فرضت الأيام بيننا الحجاب ..
وما أظنني على صواب فيما قد كان بيننا من قطيعة ..
لأن الله جل وعلا يقول : { وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً }لقمان15
فأي معروف هذا ..
وأنا لم أصاحبهما ..بل كنت وكانوا يصرون على قطع ما بيني وبينهما ..
وأي صنيع سيء قد صنعت ..
لو أنني تركت أبي يعود من زيارته لي ..
ولم أنقذه على حين ظل المال راكداً في خزانتي ..
أتظن يا عم أن المال ..
هو الذي يصلح من شأن العيال .. بعد فقد عائلهم ..
أعتقد أنك تعلم أن الأمر على خلاف ذلك ..
أما الحق فهو ما أنبأنا به القرآن ..
حيث يقول سبحانه في سورة الكهف:
{ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً }الكهف82
ألا ترى معي يا عم ..
أن مجيء أبي إلى داري خاصة ..
بعدما سمع بمولد محمد ..
قد كان من جانبه .. كركوب أشد الأهوال وأقساها ..
الا ترى أن مجيئه إلى بيت ولده الذي عرف حقيقة أمره ..
هو نصر لي من عند الله ..
إنني لا أنكر أن التصرف الذي صدر عني قد مس حقوق ولدي وزوجتي ..
ولكن المغامرة .. كانت قضاء لا مفرمنه ..
ولكننا يا عم ..
إن يكتب الله لنا عمراً ..
فسننظر فيما تأتي به المقادير .. إن شاء الله تعالى ..
قال الطبيب ذلك وقد اعتزم في نفسه أمراً ..