المعجزة الكبرى القرآن الكريم
أعطى الله عز وجل كل نبي من الأنبياء عليهم السلام معجزة خاصة به لم يعطيها بعينها غيره تحدى بها قومه, وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه وأهل زمانه
فلما كان الغالب على زمان موسى عليه السلام السحر وتعظيم السحرة, بعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار, وحيرت كل سحار, فلما استيقنوا أنها من عند العزيز الجبار انقادوا للإسلام وصاروا من عباد الله الأبرار *** وأما عيسى عليه السلام فبعثه الله في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة, فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه إلا أن يكون مؤيدا من الذي شرع الشريعة, فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد, وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد, أو على مداواة الأكمه والأبرص
وكذلك نبينا بعث في زمان الفصحاء والبلغاء وتجاريد الشعراء, فأتاهم بكتاب من عند الله عز وجل, فاتهمه أكثرهم أنه اختلقه وافتراه من عنده فتحداهم ودعاهم أن يعارضوه ويأتوا بمثله وليستعينوا بمن شاءوا فعجزوا عن ذلك كما قال تعالي: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً - سورة الإسراء آية 88 وكما قال الله تعالي : أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ {33} فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ - سورة الطور ايات 33 و 34
ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه فقال فى سورة يونس: أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين
ثم تنازل إلى سورة فقال فى سورة يونس: أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين وكذلك في سورة البقرة وهى مدنية أعاد التحدي بسورة منه, وأخبر تعالى أنهم لا يستطيعون ذلك أبدا لا في الحال ولا في المآل فقال تعالى: وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (سورة البقرة :23-24)
وهكذا وقع, فانه من لدن رسول الله صلى الله عليه و سلم وإلى زماننا هذا لم يستطع أحد أن يأتي بنظيره ولا نظير سورة منه, وهذا لا سبيل إليه أبدا؛ فإنه كلام رب العالمين الذي لا يشبهه شيء من خلقه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله, فأنى يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق؟
وقد انطوى كتاب الله العزيز على وجوه كثيرة من وجوه الإعجاز: ذلك أن القرآن الكريم معجز في بنائه التعبيري وتنسيقه الفني باستقماته على خصائص واحدة في مستوى واحد لا يختلف ولا يتفاوت ولا تختلف خصائصه معجز في بنائه الفكري وتناسق أجزائه وتكاملها, فلا فلتة فيه ولا مصادفة, كل توجيهاته وتشريعاته تتناسب وتتكامل وتحيط بالحياة البشرية دون أن تصطدم بالفطرة الإنسانية معجز في يسر مداخله إلى القلوب والنفوس ولمس مفاتيحها وفتح مغاليقها واستجاشة مواضع التأثر والاستجابة فيها وقد سرد هبة الدين الحسيني الشهرستاني المزايا الإجمالية للقرآن ومنها
1. فصاحة ألفاظه الجامعة لكل شرائعها : فألفاظ القرآن الكريم لا تجد لها مثيل في فصاحتها و بلاغتها و قوة معانيها المختصرة و الدقيقة التعبيرو به أعجز العرب الذين هم أهل اللغة العربية و بلاغتها و فصاحتها ، فقد تحداهم النبي صلى الله عليه و سلم بالقرآن و بما جاء فيه من فصاحة و بلاغة حيرت عقول القوم .
2. أنباؤه الغيبية, وأخباره عن كوامن الزمان, وخفايا الأمور ، فالقرآن الكريم ينبئنا بأخبار الغيب مثل الموت و القبر و الحساب و الميزان و الصراط و الجنة و النار ، و كذلك يخبر بما سيأتي و ما سيكون مثل ما تنبأ بنصر الروم بعد هزيمتهم حيث قال " الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) . "
3. قوانين حكيمة في فقه تشريعي : فوق ما في التوراة والإنجيل, وكتب الشرائع الأخرى حيث في دراسات علوم و أصول الفقه أن الأحكام تؤخذ من القرآن و السنة و الاجماع و القياس و شرائع من قبلها ، و القرآن شمل جميع الشرائع السابقة من زابور و صحف و توراة و انجيل و قال العارف بالله أن الكتب التى نزلت على الأنبياء مائة و أربعة عشر كتابا و صحيفة ، فنزلت على سيدنا شيث 60 صحيفة ، و على سيدنا ابراهيم 30 صحيفة ، و على سيدنا موسى 10 صحف ، ثم الزابور و التوراة و الانجيل فمجموعها 103 صحيفة و كتاب ، جمعت جميعها في القرآن ، و القرآن مجموع في سورة الفاتحة ( أم الكتاب ) و الفاتحة جمعت في بسم الله الرحمن الرحيم ،و بسم الله الرحمن الرحيم جمعت في الباء ، و الباء جمعت في نقطتها ،، فببركة نقطة باء بسم الله الرحمن الرحيم أن تنزل علينا بركات من السماء و سترك الذي لا ينكشف أبدا و أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا و جلاء صدورنا و زوال همنا ،
و قد قال تعالى " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) المائده.
4. سلامته عن التعارض والتناقض والاختلاف فالباحث الحقيقي في القرآن الكريم لا يجد فيه عوجا و لا أمتا و لا يجد فيه تعارض و لا اختلاف و لا تناقض و قد ثبت ذلك رغم تحدي العالم كله له .
5. أسرار علمية لم تهتد العقول إليها بعد عصر القرآن إلا بمعونة الأدوات الدقيقة والآلات الرقيقة المستحدثة فقد حكي عن العالم الطبيب الذي ظل يبحث عشرات السنين عن كيفية تخليق الجنين في بطن امه و كان السؤال هل العظام أولا أم اللحم أولا ... و لو أنه أعمل عقله و بحث في القرآن لوجد الاجابة في آية واحده في سورة المؤمنونحيث قال تعالى : " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) " .
6. ظهوره على لسان أمي لم يعرف القراءة ولا الكتابة و الدارس للسيرة النبوية يجد أن النبي صلى الله عليه و سلمولد يتيما و نشأ يتيما بين أسرة أمية ليس لدى أحد منها قدر و لو بسيط من التعليم و لا ارتجال الشعر و بهذا لم يتعلم منهم القراءة و لا الكتابة و لا الشعر و قد كانت حتى فترة رضاعته و نشأته حتى حادثة شق الصدر عند مرضعته و ظئره حليمة السعدية و كان همهم الأكبر هو الحصول على الغذاء و ليس العلم و لا الشعر فلم يقرأ و لم يكتب .
7. خطاباته البديعة, وطرق إقناعه الفذة فالقرآن الكريم يمتاز بالجمال في الخطابات فخطاباته ليست بالمسهبة في كلاماتها فتحدث الملل و لا فيها من الثرثرة و لا الهزل حيث قال : " إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) " الطارق ، و أيضا تجد الإقناع فيه إقناعا فذا لا مثيل و لا نظير له .
8. سلامته من الخرافات والأباطيل : لقد تحدى أعداء الدين الإسلامي القرآن الكريم و أتوا بالشبهات لكي يعملوا على زعزعة الفكر الإسلامي في قلوب المؤمنين و صد أنصاف المتعلمين و الجهلاء عن الدين بما جاؤوا به مما يدعون أنه شبهات في القرآن و قد سخر الله رجالا للرد عليهم و أنا أقسم بالله أنهم يعلمون أنه الحق و لكن أكثرهم للحق كارهون .
9. تضمنه الأسس لشريعة إنسانية صالحة لكل زمان ومكان : الناظر في اسس التشريع الاسلامي يجد أنها صالحة لجميع الشعوب المسلمة و غير المسلمة و ذلك لأنها من عند الله وحده ، ز الغريب أننا نجد الأمم الكافرة و الغير مسلمة يشرعون ما يصلح لهم بلادهم و لو دقق المدقق و فحص الفاحص لوجد كل ما قدموا لبلادهم من قوانين عادلة تعمل على صلاح البلاد إنما هي من لب الدين الاسلامي و من القوانين التى أتى بها القرآن الكريم الذي نزل من عند حكيم عليم .
قال الحافظ بن كثير: إن الخلق عاجزون عن معارضة هذا القرآن, بعشر سور مثله, بل عن سورة منه, وأنهم لا يستطيعون كما قال تعالى: فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ - سورة البقرة أية 24 أي فان لم تفعلوا في الماضي, ولن تستطيعوا ذلك في المستقيل, وهذا تحد ثان, وهو أنه لا يمكن معارضتهم له في الحال ولا في المآل ومثل هذا التحدي إنما يصدر عن واثق بأن ما جاء به لا يمكن لبشر معارضته, ولا الإتيان بمثله, ولو كان من عند نفسه لخاف أن يعارض, فيفتضح ويعود عليه نقيض ما قصد من متابعة الناس له ***
ولأنه كلام الله تعالى أوحاه إليه فدل ذلك على نبوته و صدقة في رسالته لأن القرآن معجز بحروفه وكلماته وتراكيبه و معانيه وأخبار الغيوب التي وردت فيه فكانت كما أخبر كما هو معجز بالأحكام الشرعية و القضايا العقلية التي لا قبل للبشر بمثلها مع التحدي القائم إلى اليوم بأن يأتي الإنس والجن متعاونين مثله قال تعالى: ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) من سورة الإسراء و تحدى العرب أرباب الفصاحة والبلاغة والبيان على أن يأتوا بعشر سور مثله فما استطاعوا قال تعالى: ( قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ) و تحداهم بسورة واحدة من مثله فقال: ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله و ادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) نفي لقدرتهم على الإتيان بسورة مثل القرآن في مستقبل الأيام و قد مضى حتى الآن 1421 سنة و لم يستطع الكافرون أن يأتوا بسورة من مثله.