عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 2012-02-02, 12:02 AM
آية.ثقة آية.ثقة غير متواجد حالياً
عضو جاد بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2012-01-30
المشاركات: 367
آية.ثقة آية.ثقة آية.ثقة آية.ثقة آية.ثقة آية.ثقة آية.ثقة آية.ثقة آية.ثقة
افتراضي أهمية اللغة العربية وعلاقتها بالعلوم الشرعية


أهمية اللغة العربية وعلاقتها بالعلوم الشرعية




عمارة قسوم



إني كنت قد كتبت مقالا في سالف الأيام، وقد نشر في مجلة من المجلات حوى في ثناياه موضوعا مُهِمًّا يتعلق باللغة العربية وفنونها، وكان هذا المقال تحت عنوان: «اللغة العربية غاية شرعية ونبذة وجيزة عن علم النحو واللغة والأدب والبيان».

ومن ضمن ما ورد فيه أنني قد وقفت على كلام نفيس لعلامة المغرب وقاضيها الشهير عبد الرحمن بن محمد بن خلدون - رحمه الله تعالى - في كتابه «المقدمة»[1] يتعلق باللغة العربية وفنونها، وأنها ضرورة شرعية لا يستغني عنها طالب العلوم الشرعية، وقد وطَّأت بمقدمة واضحة المغزى، جلية المعنى، ونقلت نبذة وجيزة عن علم النحو وكيف مرَّ بأطوار عبر القرون والأزمان، وذكرت أنني سأواصل الكلام على بقية فنون اللغة العربية في حلقات على ما يتاح لنا، ناقلا كلام العلامة ابن خلدون، متصرفا في بعض العبارات، ولا أُخْليه من فوائد وزيادات، فتارة بالتصريح وتارة بالإشارات.

فجاءت مجلة «الإصلاح» الفتاة - بحمد الله تعالى - فاسحة لنا المجال لبث هذه المهمات، ونشر ما علق بالخاطر من موضوعات، ونقل بقية السلسلة الموعود بها في مقالات.

سائلا المولى تبارك وتعالى أن ينفع بها القارئين والقارئات.

وإن غايتنا من ذكر هذا الموضوع هو تذكير الناس بهذه اللغة العظيمة التي هي شرف أمة الإسلام وهويتها والتي اصطفاها الله تعالى على غيرها من اللغات، وشرفها على سواها من اللغات، وقد تكلم بها سبحانه وتعالى بهذا القرآن الكريم الذي تحدَّى به الثقلين الجن والإنس على أن يأتوا بسورة مثله فلم ولن يستطيعوا أن يأتوا بآية مثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.

وإن هدفنا أيضا هو الحث على التشبث بها والعض عليها بالنواجذ؛ لأنها أساس الدين المتين، وسراجه المنير، وهي التي تقول عن نفسها كما وصفها شاعر النيل حافظ إبراهيم:

وَسِعْتُ كتابَ الله لفظًا وغايةً *** وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظَاتِ

فكيفَ أضِيقُ اليومَ عن وصْفِ آلةٍ *** وتنسيقِ أسماءٍ لمُخترعاتِ

أنا البَحْر في أحشَائه الدُّرُّ كامِنٌ *** فهلْ سَألوا الغوَّاصَ عن صَدَفاتي

ومما يجدر التذكير به في هذا المقام أن اللغة العربية ما عني بها العلماء قديما وحديثا لمجرد ذكر قواعدها وبيانها وإعجازها، ولم تكن تلك العناية والرعاية سدى وهملا، وإنما هي امتثال لأمر إلهي وجب تطبيقه وبيانه للناس أجمعين.

ومن هنا تعلم - أيها القارئ الكريم - أن الله تعالى قد أوجب على كل مسلم تعلم جزء من العربية بقدر ما يقيم به ألفاظ سورة الفاتحة، وبقدر ما يقيم به التكبير والتسميع والسلام في الصلاة، ولا يسع مسلما جهله، قال الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: 20].

وقد اختلف العلماء في تحديد القدر الذي هو أقل ما يخاطب به الإنسان من تعلم اللغة العربية، فقال قوم: لا بد أن يصل إلى مستوى يفهم به ألفاظ الفاتحة، وألفاظ الدعاء المأمور به على سبيل الوجوب، وألفاظ الأذكار التي تجب مرة في العمر كالتهليل والاستغفار والتسبيح والتحميد وغير ذلك، فهذه المذكورات يجب على المسلم أن يتعلم معانيها بالعربية عند الإمام مالك وسفيان الثوري والأوزاعي وغيرهم من كبار علماء السلف - رحمهم الله تعالى - معللين ذلك بأمور، منها أن كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» مثلا يمكن أن تلقن لأي إنسان ولا يلتزم بمقتضياتها وشروطها، فالجاهل بمعنى «لا إله إلا الله» لم يلتزم شروطها ولو نطق بها ولذلك أوجب العلماء على العباد هذا القدر من اللغة العربية لئلا يقعوا في المحظور، وهذا من الفروض العينية.

ثم إن بعض المتكلمين المتأخرين قد توسعوا في هذا الباب فقالوا: إن من لم يفهم ما تتناوله كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» من العقائد وما تتضمنه من معان فإنه أخل بمقتضياتها ولم يؤد شروطها، وهذا القول - كما قال أشياخنا وعنهم نقلنا هذا الكلام - حرفًا ومعنًى، في غاية التشدد والمبالغة غير أنه يدلنا دلالة على أهمية فهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

والقول الذي ذهب إليه الإمام مالك وغيره من العلماء هو المستهل الذي يقتضي تعلم أقل نسبة وهي ما يكون المؤمن به فاهما لمقتضى ما يقول من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

وإن المتأمل في أقوال العلماء بعين الإمعان في هذا الباب يجد الأمر ذا أهمية بالغة، ويتجلى له أن من واجباته العينية تعلم جزء من اللغة العربية يفهم به معنى الشهادة ويقيم به ألفاظ التعبدات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (1/ 470 - 471):

«إنَّ نفس اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب، فإنَّ فهم الكتاب والسنة فرض ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ثم منها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عيسى بن يونس عن ثور عن عمر بن زيد قال: كتب عمر إلى أبي موسى - رضي الله عنه -: «أمَّا بعد: فتفقَّهوا في السُّنة، وتفقَّهوا في العربية وأعرِبوا القرآن فإنَّه عربي».

وفي حديث آخر عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: «تعلَّموا العربية فإنَّها من دينِكم، وتعلَّموا الفرائض فإنَّها من دينِكم»، وهذا الذي أمر به عمر - رضي الله عنه - من فقه العربية وفقه الشريعة يجمع ما يحتاج إليه؛ لأن الدين فيه أقوال وأعمال، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه السنة هو فقه أعماله» اهـ.

ثم إن الفرض الكفائي من تعلم اللغة العربية هو ما إذا قام به ما يحصل به إقامة الحجة على الناس كفى وهذا داخل في عموم قوله تبارك وتعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135] فلا يمكن أن يكون الإنسان شاهدا لله إذا لم يكن فاهما لما يشهد به؛ لأن العلم شرط في الشهادة لقوله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81)﴾ [يوسف: 81].
رد مع اقتباس