"كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدًا لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف، إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا قد عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه ولا تكلم في علم من العلوم سواء أكان من علوم الشرع أم غيرها إلا فاق فيه أهله والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين.. واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها"(4).
وقال الإمام الحافظ أبوعبد الله شمس الدين الذهبي (ت 748) وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:
"كان آية في الذكاء وسرعة الإدراك رأساً في معرفة الكتاب والسنة، والاختلاف، بحراً في النقليات، هو في زمانه فريد عصره علماً وزهداً وشجاعة وسخاء وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر وكثرة التصانيف وقرأ وحصل وبرع في الحديث والفقه وتأهل للتدريس والفتوى وهو ابن سبع عشرة سنة وتقدم في علم الأصول وجميع علوم الإسلام: أصولها وفروعها، ودقها وجلها سوى علم القراءات فإن ذكر التفسير فهو حامل لوائه، وإن عد الفقهاء فهو مجتهدهم المطلق، وإن حضر الحفاظ نطق وخرسوا وسرد وأُبلسوا واستغنى وأفلسوا وإن سمي المتكلمون فهو فردهم، وإليه مرجعهم،
وإن لاح ابن سيناء يقدم الفلاسفة فلَّهم وتيَّسهم وهتك أستارهم وكشف عوراهم وله يد طولى في معرفة العربية والصرف واللغة، وهو أعظم من أن يصفه كلمي أو ينبه على شأوه قلمي، فإن سيرته وعلومه ومعارفه ومحنه وتنقلاته تحتمل أن توضع في مجلدتين وهو بشر من البشر له ذنوب فالله يغفر له ويسكنه أعلى الجنة فإنه كان رباني الأمة فريد الزمان وحامل لواء الشريعة وصاحب معضلات المسلمين، وكان رأسا في العلم يبالغ في إطراء قيامه في الحق، والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبالغة ما رأيتها ولا شاهدتها من أحد، ولا لحظتها من فقيه.
وقال في مكان آخر: قلت:
وله خبرة تامة بالرجال وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم ومعرفة بفنون الحديث وبالعالي والنازل وبالصحيح وبالسقيم مع حفظه لمتونه الذي انفرد به، فلا يبلغ أحد في العصر رتبته، ولا يقاربه وهو عجب في استحضاره واستخراج الحجج منه وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة والمسند بحيث يصدق عليه أن يقال: "كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث" لكن الإحاطة لله غير أن يغترف من بحر، وغيره من الأئمة يغترفون من السواقي.
وأما التفسير فمسلم إليه، وله في استحضار الآيات من القرآن - وقت إقامة الدليل بها على المسألة - قوة عجيبة، وإذا رآه المقرئ تحير فيه، ولفرط إمامته في التفسير وعظم إطلاعه يبين خطأ كثير من أقوال المفسرين ويوهي أقوالاً عديدة وينصر قولاً واحدًا موافقاً لما دل عليه القرآن والحديث.
ويكتب في اليوم والليلة من التفسير أو من الفقه أو من الأصلين أو من الرد على الفلاسفة والأوائل نحوًا من أربعة كراريس أو أزيد، وما أبعد أن تصانيفه الآن تبلغ خمسمائة مجلدة، وله في غير مسألة مصنف مفرد في مجلد(5).
شيوخه
بلغ عدد شيوخه أكثر من مائتي شيخ، من أبرزهم والده عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية (ت 682)، والمحدث أبوالعباس أحمد ابن عبد الدائم (ت668)، وابن أبي اليسر، والشيخ شمس الدين عبد الرحمن المقدسي الحنبلي (ت689)، وابن الظاهري الحافظ أبوالعباس الحلبي الحنفي (ت690).
تلاميذه
أَمَّا تلاميذه فلا يحصون كثرة، فمن تلاميذه البارزين والمبرزين:
1 - شمس الدين أبوعبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي ابن قيم الجوزية المتوفى سنة (751).
2 - والحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي (ت 744).
3 - والحافظ أبوالحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن المزي المتوفى (742).
4 - والحافظ المؤرخ أبو عبد الله محمد بن عثمان الذهبي (ت748).
5 - وأبوالفتح ابن سيد الناس محمد بن محمد اليعمري المصري (ت734).
6 - والحافظ علم الدين القاسم بن محمد البرزالي (ت739).
مؤلفاته:
إن مؤلفات هذا الإمام كثيرة جداً بحيث عجز تلاميذه ومحبوه عن إحصائها، قال تلميذه النجيب شمس الدين أبوعبد الله محمد بن أبي بكر المشهور بابن القيم - رحمه الله -:
"أما بعد: فإن جماعة من محبي السنة والعلم سألني أن أذكر له ما ألفه الشيخ الإمام العلامة الحافظ أوحد زمانه، تقي الدين أبوالعباس أحمد ابن تيمية - رضي الله عنه - فذكرت لهم أني عجزت عن حصرها وتعدادها لوجوه أبديتها لبعضهم وسأذكرها إن شاء الله فيما بعد...".
ثم قال:
1 - "فمما رأيته في التفسير" فذكر اثنين وتسعين مؤلفا ما بين رسالة وقاعدة(6).
2 - قال: "ومما صنفه في الأصول مبتدئًا أو مجيباً لمعترض أو سائل" فذكر عشرين مؤلفاً ما بين كتاب ورسالة وقاعدة(7).
3 - ثم قال: "قواعد وفتاوى" فذكر خمسة وأربعين ومائة ما بين كتاب وقاعدة ورسالة(8).
4 - "الكتب الفقهية" وسرد خمسة وخمسين مؤلفاً ما بين كتاب ورسالة وقاعدة(9).
5 - "وصايا وإجازات ورسائل تتضمن علوماً" بلغت اثنتين وعشرين(10).
وذكر الحافظ ابن عبد الهادي كثيرًا من مؤلفات شيخ الإسلام مع ذكر نماذج لبعض المؤلفات والتنويه بمكانتها في كتابه العقود الدرية(11) من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية.
هذه لمحة خاطفة عن حياة هذا الإمام العظيم - رحمه الله - وأسكنه فسيح جناته.
المصدر: مقدمة كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة
(1) كثرت الكتابة عن شيخ الإسلام - رحمه الله - فبلغ عدد المعروف من المؤلفات المستقلة في سيرته وأعماله ثمانية وستين مؤلفاً.
وترجم له عدد كبير من المؤرخين القدامى والمحدثين المعروف منهم أربعة وستون.
وهناك دراسات لعدد من المستشرقين تناولت تراث شيخ الإسلام ومنهجه وأفكاره.
انظر في هذا مقدمة الرسالة الموسومة بـ (شيخ الإسلام ابن تيمية وجهوده في الحديث وعلومه) (1/179 - 195) لأخي وأحد تلاميذي النجباء عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي قدمها لنيل درجة الدكتوراه من شعبة السنة بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية.
(2) العقود الدرية (ص 2).
(3) العقود الدرية (ص10) والرد الوافر ص (26) والشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية (ص 26) والدرر الكامنة (1/166 - 167).
(4) العقود الدرية (ص 7 - 8) وسجل ابن عبد الهادي لكمال الدين شهادات أخر قد تفوق هذه الشهادة مع أنه كان من مخالفيه والمتعصبين عليه.
(5) العقود الدرية (ص 23 - 25) وقد ذكر بعض مؤلفاته وله ثناء عاطر على ابن تيمية في عدد من مؤلفاته ونقل العلماء عنه.
انظر: الشهادة الزكية (ص 38 - 44) والرد الوافر (ص 31 - 36).
(6) أسماء مؤلفات ابن تيمية (ص 9 - 18).
(7) أسماء مؤلفات ابن تيمية (ص 19).
(8) أسماء مؤلفات ابن تيمية (ص 20-26).
(9) أسماء مؤلفات ابن تيمية (27 - 29).
(10) أسماء مؤلفات ابن تيمية (29 - 30).
(11) العقود الدرية (ص 26 - 67).
المصدر :
موقع روح الإسلام
هذه لمحة بسيطة عن شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله رحمة واسعة
يامن تسبون فيه هو ليس نبيا ولامعصوم ولكن هو من حارب الشرك والمبتدعين والقبورين والروافض بسبب ذلك يكرهونه الروافض والصوفية
إذا سبني نذلٌ تزايدتُ رفعةً .......... وما العيبُ إلا أن أكونَ مساببه.
ولو لم تكن نفسي عليَ عزيزةً ....... لمكنتُها من كـلِ نذلٍ تحاربُه