بين الناس، ولم تبدد ما يهتز في قلبها من حنان بين من
لا يعرفون الحنان والعطف إلا
أنهم عارفون لبقية ما يغطيه الثوب من جسمها.
هذه المرأة
الطاهرة الجميلة تحب زوجها، وتنسى أن في الكون رجالاً غيره،
مهما كان شكله
ولونه ولسانه، ما دام أن هذا الرباط المقدس
رباط الزواج قد جمع بينهما، وتعلم أن ولعها
بزوجها وحبها إياه لا يكون جزاؤه إلا النعيم المقيم في الجنان،
والسعادة الغامرة في الدنيا،
مع ما تكسبه من عظيم هدايا قلب زوجها،
وهي المرأة المجاهدة
في سبيل الله، ولكنه جهاد يختلف عما عند الرجل، كما يبينه لنا
الريحاني في ريحانية فيقول:
ليست المجاهدة تلك التي تجندها الدولة للحرب مثل الرجال
دفاعاً عن الوطن، ولا هي
العالمة المثقفة العاملة مع الرجال في سبيل العلم والتهذيب،
ولا هي العصرية المجدة في
ميدان الحياة تباري الرجال في شتى الأعمال،
ولا هي ملك الرحمة التي تواسي المرضى
وتضمد جروح البؤس والشقاء.
إنما المجاهدة في نظري
هي المرأة
التي لا تكاد تعرف من العالم غير بيتها، ولا تبتغي من
الحياة غير ما فرض عليها، فتحمل حملها بعيدة عن كل ما يغري
من زخرف الشهرة ولألأة
المجد، وتعمل على الدوام في سبيل ما تراه من الواجب الكبير
واجب العائلة والبيت،
واجب الحب والحياة.
هي الزوجة الصالحة،
الأم الحنون، الأخت المؤاسية،
ومع أن نصيبها من الحب الصافي قد
يقل في الحياة، فهي تشع من ذلك حباً صافياً لكل من حولها،
لأهلها، لصحبها، لجيرانها، وتعمل
في شتى الأحوال لتساعد ذويها أو لتربي أولادها،
ولترضى في كل حال رب بيتها.
هي المرأة الراضية
القانعة الصابرة المخلصة المحبة،
المجاهدة في ما تعمل ليسلم شرفها
ويستقيم أمر أسرتها، تهز بيد ثابتة وبقلب غذاؤه الإيمان مهدًا هو الحياة وحياة هي الكون
فهي تعطي على الدوام، يخونها زوجها،
يهجرها بنوها، ينساها إخوتها، وتظل مع ذلك في
ميدان الجهاد لا تنسى، ولا تهجر، ولا تخون،
حياتها بذل دائم، بذل للحب وبذل للواجب.
هذه هي المرأة المجاهدة،
وإن كانت لا تخرج من بيتها،
إنما بيتها خندق من الخنادق في
خطوط النار، وإذا كانت الجنة للمجاهدين،
فينبغي أن يكون للمجاهدات نعيم أعلى وأسمى .
أي والله هذه هي
المرأة المجاهدة
الحقيقة برضى الله وبرضى زوجها، وهي المرأة التي
تهب أنفاسها طيباً يرجع أطياب باريس منزوعة
النفحة بائسة الشذى.
إنها رقيقة الحياة
وصانعة المجد ومفتقة العبقرية
في رأس زوجها وبنيها، الهادئة الرزينة
القوية الشديدة، إنها المرأة المجاهدة
أي المرأة الحية
المشعة بنورها، وتشتد الحاجة
إلى تلك الصفات التي ذكرناها في أيام الحروب،
حيث القلق والشك والريبة والألم وهموم
النفس وظنونها، هذه الأيام بحاجة
إلى المرأة المجاهدة
بنفسها وبعقلها وبأخلاقها وبتربيتها
لأبنائها وبكفها وكنسها ما بنفس زوجها أو إخوانها من شكوك وأوهام ..
إن المرأة هي
الجدار الواقي من صواريخ الأعداء؛
لأنها تحمي الروح والروح، هي سر
النجاح في المعارك أولم يكن من عادة العرب
أنهم إذا قاتلوا أتوا بزوجاتهم من ورائهم
يشجعنهم ويشرحن لهم كيف يكون الخلود في الدنيا:
إما النصر وإما الموت عند خطوط
الشرف الرفيع.
فإن عجز الرجال عن مصاولة الأعادي
برزت من وراء الخدور تحدو:
لا أريد الحياة إلا نضــالاً *** لا ولا أرتضي الدنايا نصالا
لا ولن توهن الخطوب قناتي *** فلكم أرهبت قناتي الرجالا
صارمي عزمتي وصبر شراعي *** وبه أعبر الخصــم اختيالا
أبدا تضحك الأماني بنفسي *** وهي تجري بها سحابا ً ثقالا