الأدب
معنى الأدب: يقول ابن القيم رحمه الله في المدارج: وهذه اللفظة مؤذنة بالاجتماع، فالأدب: اجتماع خصال الخير في العبد، ومنه المأدبة، وهي الطعام الذي يجتمع عليه الناس.
ويطلق الأدب على إصلاح النفس وتهذيبها مما يدنسها، يقول عبد الله بن المبارك قد أكثر الناس القول في الأدب ونحن نقول: إنه معونة النفس ورعوناتها، وتجنب تلك الرعونات، ويطلق الأدب على علم إصلاح اللسان والخطاب وإصابة مواقعه، وتحسين ألفاظه، وصيانته عن الخطأ والخلل.
أهمية الأدب:
1 – أن العلماء اهتموا بالتصنيف في هذا الباب لأهميته.
وهذا التصنيف إما أن يكون مستقلاً وإما أن يكون تابعاً فمن التصانيف المستقلة في ذلك:
1 – الأدب المفرد للبخاري.
2 – أدب الدنيا والدين للماوردي.
3 – غذاء الألباب شرح منظومة الآداب للسفاريني.
4 – الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي.
ومن المصنفات المشتملة على هذا الباب المهم:
1 – كتاب الأدب من صحيح البخاري.
2 – كتاب الأدب من صحيح مسلم.
3 – منزلة الأدب في كتاب مدارج السالكين لابن القيم.
2 – أن الأدب يسبق العلم وهو جماله يقول ابن المبارك: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم.
3 – أن الفلاح في الدنيا والآخرة لا يحصل إلا بالأدب: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس : 9 ــ 10].
يقول ابن القيم في المدارج: وأدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته ويواره، فما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب ولها استجلب حرمانها بمثل قلة الأدب.
4 – أن الأدب ينتظم الدين كله يقول ابن القيم – رحمه الله –:والأدب هو الدين كله، فإن ستر العورة من الأدب، والوضوء وغسل الجنابة من الأدب، والتطهر من الخبث من الأدب، حتى يقف بين يدي الله طاهراً، ومن الأدب: نهي النبي صلى الله عليه وسلم المصلي أن يرفع بصره إلى السماء... ومن الأدب مع الله أن لا يستقبل بيته ولا يستدبره عند قضاء الحاجة... ومنها السكون في الصلاة... إلى آخر ما قال.
5 – أن الأدب هما جماع الأخلاق كلها سواء كانت هذه الأخلاق مع الله كالمحبة والتعظيم والصدق، أو مع النفس كالتهذيب والمحاسبة، أو مع الخلق كالحلم والرفق وحسن التعامل.
ولهذا: يقول ابن القيم: وحقيقة الأدب استعمال الخُلق الجميل... .
الأدب ثلاثة أنواع:
1 – أدب مع الله سبحانه.
2 – أدب مع رسوله صلى الله عليه وسلم.
3 – وأدب مع خلقه.
1 – كيف يكون الأدب مع الله؟
يكون الأدب مع الله تبارك وتعالى بتعظيمه وإجلاله ومعرفة حقه وما ينبغي له وما يتنزه عنه وما يحبه ويرضاه وما يسخطه ويأباه والقيام بدينه والتأدب بآدابه ظاهراً وباطناً، يقول ابن القيم: "ولا يستقيم لأحد قط الأدب مع الله إلا بثلاثة أشياء:
(أ) معرفته بأسمائه وصفاته، ومعرفته بدينه وشرعه.
(ب) وما يحب وما يكره.
(ج) ونفس مستعدة قابلة لينة، متهيئة لقبول الحق علماً وعملاً وحالاً...
2 – الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم:
وحقيقته: كمال التسليم له، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق... بتوحده بالتحكيم والتسليم، والانقياد والإذعان كما وحد المرسل سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع والذل، والإنابة والتوكل.
من صور التأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم:
(أ) عدم التقدم بين يديه بأمر ولا نهي ولا إذن ولا تصرف، حتى يأمر هو وينهى ويأذن، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات : 1]).
(ب) أن لا يجعل دعاءه كدعاء غيره قال تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً} [النور : 63] وفي تفسيرها قولين لأهل العلم:
1 – لا تدعونه باسمه كما يدعو بعضكم بعضاً بل قولوا: يا رسول الله، يانبي الله.
2 – أن المعنى: لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضاً، إن شاء أجاب، وإن شاء ترك، بل إذا دعاكم لم يكن لكم يد من إجابته، ولم يسعكم التخلف عنها البتة.
3 – أن لا يستشكل قوله: بل تستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس، بل تقدر الأقيسة وتلقى لنصوصه.
4 – أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع من خطبه أو جهاد، أو رباط لم يذهب أحد منهم مذهباً في حاجته حتى يستأذنه، كما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} [النور : 62] فإذا كان هذا مذهباً مقيداً بحاجة عارضة، لم يوسع لهم فيه إلا بإذنه فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين: أصوله، وفروعه دقيقة وجليلة؟.
هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه؟
{فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [الأنبياء : 7].
3 – كيف يكون الأدب مع الخلق؟
معاملتهم بما يليق بهم: فلكل مرتبة أدب...
فمع الوالدين: أدب خاص... ومع العالم: أدب آخر، ومع السلطان: أدب يليق به، وله مع الأقران أدب يليق بهم، ومع الأجانب: أدب غير أدبه مع أصحابه وذوي أنسه... ومع الضيف: أدب غير أدبه مع أهل بيته.
ولكل حال أدب: فللأكل آداب، وللشرب آداب، وللركوب والدخول والخروج والسفر والإقامة والنوم آداب، ولليل آداب وللكلام آداب، وللسكون والاستماع آداب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.