الصاعقة الخامسة :
قوله تعالى : "وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16)
محمد, فانظر اليهم يسألون وهم حاضرون وقد اخبر تعالى ان الفعل بما يخالف القول ممقوت فاذا كان ذلك بقصد التضليل كان المقت من باب اولى والمقت شدة الغضب .فقال تعالى " : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)
يقول ابن كثير : انكار على من يعد وعدا او يقول قولا ولا يفى به " ابن كثير 4- 357
عن ابى عثمان النهدى قال : انى لجالس تحت منبر عمر وهو يخطب الناس فقال فى خطبته : سمعت رسول الله يقول ان اخوف ما اخاف على امتى كل منافق عليم اللسان " رواه احمد قال الساعاتى : "" اى كثير علم اللسان جاهل القلب والعمل اتخذ العلم حرفة يتأكل بها ذا هيبة وابهة ستعوذ بها ويتعاظم بها يدعو الناس الى الله ويفر منه )) .
يقول الشيخ السعدى : "
أي: لم تقولون الخير وتحثون عليه، وربما تمدحتم به وأنتم لا تفعلونه، وتنهون عن الشر وربما نزهتم أنفسكم عنه، وأنتم متلوثون به ومتصفون به.
فهل تليق بالمؤمنين هذه الحالة الذميمة؟ أم من أكبر المقت عند الله أن يقول العبد ما لا يفعل؟ ولهذا ينبغي للآمر بالخير أن يكون أول الناس إليه مبادرة، وللناهي عن الشر أن يكون أبعد الناس منه، قال تعالى: { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ } وقال شعيب عليه الصلاة والسلام لقومه: { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } .
يقول ابن جرير الطبرى عن سبب نزولها :
"بل نزلت هذه الآية في توبيخ قوم من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، كان أحدهم يفتخر بالفعل من أفعال الخير التي لم يفعلها،
فيقول فعلت كذا وكذا، فعذلهم الله على افتخارهم بما لم يفعلوا كذّبا.
* ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله:( لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ) قال: بلغني أنها كانت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت، ولم يكن فعل، فوعظهم الله في ذلك أشدّ الموعظة.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ) يؤذنهم ويعلمهم كما تسمعون( كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ ) وكانت رجال تخبر في القتال بشيء لم يفعلوه ولم يبلغوه، فوعظهم الله في ذلك موعظة بليغة، فقال:( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ) .. إلى قوله:( كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ
23-354
ونخلص بما يلى من هذه الصاعقة :
1- ان دعاة الضلالة لا يستمر معهم العلم الصحيح لفساد اخلافهم ومخالفة افعالهم اقوالهم . ببذاءة اللسان والتطاول على الاعراض وقد نهوا عنه .
2-ان العمل الصحيح لا يظهر على اقوال وافعال دعاة الضلالة فتراهم يتعالمون على الخلائق مظهرين لهم ثوب التصنع والعلم ويتشدقون بكلام العلماء ليهموا الناس انهم منهم .
3-تفنن اهل الضلال والزيغ فى تاكيد اقوالهم بادعاءات واهية وتاكيدات ومؤكدات لا يعوها ولكن للتلبيس على اتباعهم حتى يقتنعوا على انهم علماء وليس على الارض مثلهم وانهم اصحاب الطريق الصواب .
ا*** الصاعقة السادسة :
قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19)
قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21
(( الشعراء
يقول الشيخ السعدى رحمه الله تعالى 1-589
أي ألم ننعم عليك ونقم بتربيتك منذ كنت وليدا في مهدك ولم تزل كذلك
{ وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ } وهي قتل موسى للقبطي، حين استغاثه الذي من شيعته، على الذي من عدوه { فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ } الآية.
{ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } أي: وأنت إذ ذاك طريقك طريقنا، وسبيلك سبيلنا، في الكفر، فأقر على نفسه بالكفر، من حيث لا يدري.
فقال موسى: { فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ } أي: عن غير كفر، وإنما كان عن ضلال وسفه، فاستغفرت ربي فغفر لي.
{ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ } حين تراجعتم بقتلي، فهربت إلى مدين، ومكثت سنين، ثم جئتكم. { فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ }.
فالحاصل أن اعتراض فرعون على موسى، اعتراض جاهل أو متجاهل، فإنه جعل المانع من كونه رسولا أن جرى منه القتل، فبين له موسى، أن قتله كان على وجه الضلال والخطأ، الذي لم يقصد نفس القتل، وأن فضل الله تعالى غير ممنوع منه أحد، فلم منعتم ما منحني الله، من الحكم والرسالة؟ بقي عليك يا فرعون إدلاؤك بقولك: { أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا } وعند التحقيق، يتبين أن لا منة لك فيها، ولهذا قال موسى: { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ }.
أي: تدلي علي بهذه المنة لأنك سخرت بني إسرائيل، وجعلتهم لك بمنزلة العبيد، وأنا قد أسلمتني من تعبيدك وتسخيرك، وجعلتها علي نعمة، فعند التصور، يتبين أن الحقيقة، أنك ظلمت هذا الشعب الفاضل، وعذبتهم وسخرتهم بأعمالك، وأنا قد سلمني الله من أذاك، مع وصول أذاك لقومي، فما هذه المنة التي تبت بها وتدلي بها؟
)) انتهى كلامه
وعن عثمان بن وهب قال : جاء رجل من اهل مصر يريد حج بيت الله الحرام فراى قوما جلوسا فقال : من هؤلاء القوم ومن الشيخ فيهم ؟ فقالوا قريشا وشيخهم عبد الله بن عمر بن الخطاب . قال يا ابن عمر : انى سائلك فحدثنى . هل تعلم ان عثمان فر يوم احد ؟ قال نعم . قال هل تعلم ان عثمان تغيب عن بدر ؟ قال نعم . قال هل تعلم ان عثمان تغيب عن بيعة الرضوان ق؟ قال نعم . قال الله اكبر . قال ابن عمر . تعال ابين لك . اما فراره يوم احد فاشهد ان الله عفا عنه . واما تغيبه يوم بدر فانه كان تحته بنت رسول الله وكانت مريضة فقال له رسول الله : ان لك اجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه " واما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان احد اعز ببطن مكة لبعثه فبعث رسول الله عثمان الى مكة فقال رسول الله بيده اليمنى هذه يد عثمان فضرب بها على يده . وقال هذه لعثمان ."" ثم قال ابن عمر اذهب بها الى من معك )) البخارى .
فهذا الرجل اتى الى هذا المكان بشبه لو قام على اثرها لحنقت النفوس على صحابى من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الله هيأ له الحبر ابن عمر رضى الله عنه فرد كيده فى نجره وابطل كل دعاويه الواحدة تلو الاخرى وحولها الى فضائل لرجل بشره رسول الله بالجنة . عثمان بن عفان رضى الله عنه .
وقال زرعة بن البرح - وهو ممن خرج على على بن ابى طالب - : " اما والله يا على لئن لم تدع تحكيم الرجال فى كتاب الله لاقتلنك اطلب بذلك رحمة الله ورضوانه "" وهو يعلم ان عليا ممن شهد لهم النبى بالجنة وان عليا اعلم منه بالله ورسوله واتقى منه ولكنه الهوى والجهل بالله تعالى اعاذنا الله واياكم من ذلك .
وعن ابن عمر رضى الله عنهما - قال : صعد رسول الله على المنبر فقال : " يا معشر من امن بلسانه ولم يفض الايمان الى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيرهم ولا تتبعوا عوراتهم فانه من يتبع عورة اخيه المسلم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو فى جوف رحله ") الترمذى .
ولا تعليق لنا بعد اقوال رسولنا صلى الله عليه وسلم
ولكن نخلص من هذه الصاعقة ما يلى :
1- ان فرعون ادعى تقولا على موسى عليه السلام خطئأ واراد ان يثبت معه الكفر ولكن الله هيئ لموسى عليه السلام نعم الاجابة .
فذكره بخطأه .
2- ان اهل الضلال والزيغ لا يتورعون عن الصاق التهم والنقائص باهل العلم والشرف والفضل مهما كانت منزلتهم . حتى يتجرأوا على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
3- وقاحة الخوارج وهم يهددون امير المؤمنين على بن ابى طالب رضى الله عنه فى امر اجتهادى وتوعده اياه بقتاله والنيل منه وليس ذلك داعيا الى الخروج من جماعة المسلمين . ولا اهانة ولى الامر والعالم على ابن ابى طالب والتشهير به بين العامة كما فعل الخوارج فى كل مكان وزمان .
4-ان الامور الاجتهادية عند الفئات الضالة واهل ازيغ والضلال مما يعقدون عليها الولاء والبراء فيعادون عليها ويمقتون ويهجرون على غير مثال سابق الا فعل الخوارج بانفسهم . - وكأن التاريخ يعيد نفسه -.
5-عظم ضلال الخوارج حيث يطلبون رحمة الله تعالى ورضوانه ورضاه بما يسخطهم . ففيه معنى قوله تعالى : ((
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)
(( الكهف .
6- فضل من اكرم اهل العلم واكرام ذى الشيبة المسلم .
7- ان من اساليب دعاة الضلالة النيل من العلماء وافتراء الكذب عليهم لصد الناس عنهم .فيفترون اما عن جهل بالحكم او عن قصد وهم يعلمون ان له تاويلا او غيرها .
|