ان تغيير المنكر باللسان لأهل العلم أن يغيروا المنكر سواء كان قولا أو فعلا . ولكن بالضوابط الشرعية التى لا تؤدى الى مفاسد اكبر . وهى :
1-- الإخلاص لله تعالى :
بمعنى ان يكون الإخلاص لله تعالى هو الغاية المقصودة من استدراك الخطأ وليس إلزام وإقرار المخطئ بخطأه دون العبرة برجوعه الى الحق او التوبة من الزلل .
فالصنف الاول الذى يكون مخلصا لله تعالى يؤتى على يديه الخير الكثير وهو كما فعل ابن عباس رضى الله عنه فى الذهاب الى الخوارج ومحاورتهم بعد خروجهم على الإمام على رضى الله عنه وكان من نتيجة سلامة الصدر والإخلاص لله تعالى أن عاد ألفان من الخوارج مع ابن عباس رضي الله عنه .
وأما الصنف الثانى: - فهم الخوارج بأنفسهم والذين لا يراعون الله تعالى ولا يخلصون الأمر لله تعالى وإنما مقصدهم إقرار المخطئ على الخطأ حتى يتم التشهير به وفضحه أمام العوام من الناس . وهؤلاء مثل ما فعل ثوار عثمان رضي الله عنه عندما ذهبوا اليه قائلين لمن خلفهم " سواء اعترف ام لا سنقره على أخطاءه ونقتله "".
ودليل الإخلاص هى كل أدلة الإخلاص لله تعالى ولا شك أن قبول العمل متوقف عليه .
وهو احد شرطين يتوقف قبول العمل عليهما والثانى منهما وهو إتباع هدى محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله " وقوله " ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما "" وفى المقابل "" ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا "
2---الذهاب----- إلى المخطئ :
واستدراك الخطأ عنده ليزول ما وقر فى القلب تجاه هذا العالم فان كان القصد التوبيخ فهو امر مستقبح باتفاق اهل العلم . يقول ابن رجب الحنبلى :
ومن هذا الباب أن يقال للرجل في وجهه ما يكرهه فإن كان هذا على وجه النصح فهو حسن وقد قال بعض السلف لبعض إخوانه : ( لا تنصحني حتى تقول في وجهي ما أكره) .
فإذا أخبر أحد أخاه بعيب ليجتنبه كان ذلك حسناً لمن أُخبر بعيب من عيوبه أن يعتذر منها إن كان له منها عذر وإن كان ذلك على وجه التوبيخ بالذنب فهو قبح مذموم .
وقيل لبعض السلف : أتحبُّ أن يخبرك أحد بعيوبك ؟ فقال : ( إن كان يريد أن يوبخني فلا ) .
فالتوبيخ والتعيير بالذنب مذموم وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تُثَرَّبَ الأمة الزانية مع أمره بجلدها فتجلد حداً ولا تعير بالذنب ولا توبخ به .
وفي الترمذي وغيره مرفوعاً : " من عيَّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله " . وحُمل ذلك على الذنب الذي تاب منه صاحبه . قال الفضيل : ( المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويُعيِّر ) .
فهذا الذي ذكره الفضيل من علامات النصح والتعيير ، وهو أن النصح يقترن به الستر والتعيير يقترن به الإعلان .
وكان يقال : ( من أمر أخاه على رؤوس الملأ فقد عيَّره ) أو بهذا المعنى .
وكان السلف يكرهون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على هذا الوجه ويحبون أن يكون سراً فيما بين الآمر والمأمور فإن هذا من علامات النصح فإن الناصح ليس له غرض في إشاعة عيوب من ينصح له وإنما غرضه إزالة المفسدة التي وقع فيها . وأما إشاعة وإظهار العيوب فهو مما حرمه الله ورسوله قال الله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النور:19)
فلهذا كان إشاعة الفاحشة مقترنة بالتعيير وهما من خصال الفجار لأن الفاجر لا غرض له في زوال المفاسد ولا في اجتناب المؤمن للنقائص والمعايب إنما غرضه في مجرد إشاعة العيب في أخيه المؤمن وهتك عرضه فهو يعيد ذلك ويبديه ومقصوده تنقص أخيه المؤمن في إظهار عيوبه ومساويه للناس ليُدخل عليه الضرر في الدنيا .
والا فليتقوا الله تعالى :
ومن ابتلى من العلماء بهذا الوباء من قبل الخوارج عليهم فليصبر فان ذلك من عزم الامور :
.ومن بُلي بشيء من هذا المكر فليتق الله ويستعن به ويصبر فإن العاقبة للتقوى . كما قال الله تعالى : بعد أن قصَّ قِصَّة يوسف وما حصل له من أنواع الأذى بالمكر والمخادعة :
( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ )(يوسف: من الآية21) ، وقال الله تعالى حكاية عه أنه قال لإخوته : ( أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا )(يوسف: من الآية90) ، وقال تعالى في قصة موسى عليه السلام وما حصل له ولقومه من أذى فرعون وكيده قال لقومه : ( اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا)(لأعراف: من الآية128) ، وقد أخبر الله تعالى أن المكر يعود وباله على صاحبه قال تعالى : ( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ )(فاطر: من الآية43)
ومما يدل على وجوب الذهاب قوله تعالى :
وهو ذهاب حسي لقوله تعالى لموسى عليه السلام وأخيه هارون ((((( اذهبا الى فرعون انه طغى ..............))))))))) طه
فيجب الذهاب إليه حتى يعلم الحق وما وقع فيه من الخطأ فيرجع عنه ويكون قد الزم الحجة وتبين له فساد قوله . وربما يكون المستدرك هو المخطئ فيتبين له فساد فهمه ولا يظهر ذلك الا بحوار مباشر مع المخطىء .
وهو فعل أئمة أهل العلم كالإمام احمد مع الجهمية والصوفية وغيرهم ومثله شيخ الإسلام فى رده على الفئات الضالة ومقارعتهم الحجة بالحجة . وهو فعل عموم العلماء .
ولم يكتف هؤلاء بالمكاتبات والمراسلات لفساد أهل الزمان والمكان فى النقل والأمانة .
3- حفظ لسانه الا بالخير:ـقال الله عزَّ وجلَّ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} وقال عزَّ وجلَّ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ}
وقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ومثل قول الله تعالى يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا "
" وفي صحيح مسلم (2589) عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتدرون ما الغيبةُ؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلم، قال: ذكرُك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لَم يكن فيه فقد بهتَّه " ومنه أيضا قول النبى صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً؛ يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تتفرَّقوا، ويكره لكم قيل وقال،وكثرة السؤال وإضاعة المال"
وهذه أحاديث أصول يجب أن نضعها فى الحسبان ونحن نتكلم فى أعراض الناس ناهيك عن أهل العلم .
وأذكركم ونفسي بقول الله تعالى " ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}.
وروى البخاري في صحيحه (10) عن عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "المسلمُ مَن سلم المسلمون من لسانه ويده" وايضا روى البخاري في صحيحه (6477) ومسلم في صحيحه (2988)، واللفظُ لمسلم عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ العبدَ ليتكلَّم بالكلمة ما يتبيَّن ما فيها، يهوي بها في النار أبعدَ ما بين المشرق والمغرب". وروى مسلم في صحيحه (2581) عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتدرون مَن المُفلِس؟ قالوا: المُفلِسُ فينا مَن لا دِرهم له ولا متاع، فقال: إنَّ المفلسَ من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مالَ هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيَتْ حسناتُه قَبْل أن يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثمَّ طُرح في النار".
فيا خسارة من يصلى ويزكى ويحج ويفعل العبادات حتى نحقر صلاتنا الى صلاتهم ثم يأتون متلبسين بسب هؤلاء تارة والتنقيص من الناس تارة بالجهل وتارة بالفساد لأجل المعاصي ويكفرون الناس بالعمل وجنس العمل فى كل معصية وصاروا الحكام على الناس وبيدهم مقاليد الموازيين فبهم توزن الأمة .- نسأل الله تعالى السلامة والعافية والإخلاص فى القول والعمل . .
وروى مسلم في صحيحه (2564) عن أبي هريرة رضي الله عنه حديثاً طويلاً جاء في آخره: "بحسب امرئٍ من الشرِّ أن يحقر أخاه المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ، دمُه ومالُه وعرضُه".
4-إياك وسوء الظن بالمسلم :ـ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا} وقال صلى الله عليه وسلم: "إيَّاكم والظنَّ؛ فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عبادَ الله إخواناً" رواه البخاري (6064)، ومسلم (2563). وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ولا تظنَّنَّ بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلاَّ خيراً، وأنت تجد لها في الخير مَحملاً" وقال بكر بن عبد الله المزني كما في ترجمته من تهذيب التهذيب: "إيَّاك من الكلام ما إن أصبتَ فيه لَم تُؤجَر، وإن أخطأت فيه أثمت، وهو سوء الظنِّ بأخيك".
وقال أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي كما في الحلية لأبي نعيم (2/285): "إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه فالتمس له العذر جهدك؛ فإن لم تجد له عذراً فقل في نفسك: لعلَّ لأخي عذراً لا أعلمه".
وقال سفيان بن حسين: "ذكرت رجلاً بسوء عند إياس بن معاوية، فنظر في وجهي، وقال: أغزوتَ الرومَ؟ قلت: لا، قال: فالسِّند والهند والترك؟ قلت: لا، قال: أفَتسلَم منك الروم والسِّند والهند والترك، ولم يسلَمْ منك أخوك المسلم؟! قال: فلَم أعُد بعدها". البداية والنهاية لابن كثير (13/121). وقال أبو حاتم بن حبان البستي في روضة العقلاء (ص:131): "الواجبُ على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس، مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه؛ فإنَّ من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنَه ولم يُتعب قلبَه، فكلَّما اطَّلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه، وإنَّ من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمي قلبه وتعب بدنه وتعذَّر عليه ترك عيوب نفسه"."التجسُّس من شعب النفاق، كما أنَّ حسنَ الظنِّ من شعب الإيمان، والعاقل يحسن الظنَّ بإخوانه، وينفرد بغمومه وأحزانه، كما أنَّ الجاهلَ يُسيء الظنَّ بإخوانه، ولا يُفكِّر في جناياته وأشجانه
|