عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 2009-09-03, 12:50 AM
الصورة الرمزية طالب عفو ربي
طالب عفو ربي طالب عفو ربي غير متواجد حالياً
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2009-02-28
المشاركات: 854
طالب عفو ربي طالب عفو ربي طالب عفو ربي طالب عفو ربي طالب عفو ربي طالب عفو ربي طالب عفو ربي طالب عفو ربي طالب عفو ربي طالب عفو ربي طالب عفو ربي
افتراضي

<meta http-equiv="CONTENT-TYPE" content="text/html; charset=utf-8"> <title></title> <meta name="GENERATOR" content="OpenOffice.org 3.1 (Linux)"> <style type="text/css"> <!-- @page { margin: 2cm } P { margin-bottom: 0.21cm } A:link { so-language: zxx } --> </style> وأَدَعُ هنا الحديث لرجل غربى هو الصحفى فنسينزو أوليفيتى، الذى لم تَرُقْ له مفتريات الزعيم الأنجليكانى باتريك سُوكْدِيو ضد الإسلام فى مقال له بصحيفة "السِّبِكْتِيتَرْ" البريطانية فى 30 يوليه 2005م، فكتب يرد عليه فى مقال عنوانه: "القول بأن الإسلام المعتدل خرافة هو الخرافة" ننقل منه الفقرات التالية: "فى مقال نُشِر مؤخرًا فى مجلة "السِّبِكْتِيتَرْ" البريطانية يهاجم الزعيم الأنجليكانى باتريك سوكْدِيو المسلمين ودينهم هجوما عنيفا. ترى هل يَثْبُت ما كتبه المؤلف فى ذلك المقال على محك التمحيص؟ الواقع أن مقالة باتريك سوكديو: "خرافة الإسلام المعتدل" فى "السبكتيتر" اللندنية بتاريخ 30 يونيه 2005م تعكس اتجاها خطيرا فى الحرب على الإرهاب، إذ تحت ستار الرغبة فى تعريف الغربيين بالإسلام نجده ينشر نفس التضليل الذى تقوم عليه الكتابات العدائية لذلك الدين على مدار أكثر من ألف عام، وهذا من شأنه أن يكون أداة مباشرة فى يد أسامة بن لادن وأبو مصعب الزرقاوى وغيرهما، لأنه يشجع فكرة "صراع الحضارات" التى يرغبون فى دوامها على نحوٍ جِدِّ مَقِيت. وإنه لمن المهم جدا أن نعرف الإسلام على نحو أفضل مما نعرفه الآن وأن نكافح وباء التطرف بكل ما فى أيدينا من إمكانات. بيد أن سوكْدِيو وأمثاله يفسدون القضية بطريقتهم التى يَسْعَوْن من ورائها إلى خدمة أغراضهم هم، وذلك من خلال تحويل الحرب على الإرهاب إلى إشعال حرب دينية على الإسلام ذاته.


ويتضح انحياز سوكْدِيو منذ البداية، فهو يزعم أن الإرهابيين يمثلون الإسلام حقا، إذ يقول: "ينبغى علينا أن نصدقهم إذا قالوا إنهم يفعلون ذلك باسم الإسلام. أليس من الغطرسة الشديدة والتنكر التام لليبرالية أن ننكر عليهم الحق فى تعريف أنفسهم بأنفسهم؟". أما فى باقى المقالة فهو يبذل جهدا مكثفا لإنكار حق التعريف الذاتى على سائر المسلمين الآخرين الذين يقولون إنهم يرفضون التفاسير المتطرفة للإسلام. والحقيقة أن 5% فحسب من المسلمين هم الذين يمكن تصنيفهم على أنهم أصوليون، وأن 1., . % فقط من هؤلاء الخمسة فى المائة يُبْدُون قدرا من الميل نحو ممارسة الإرهاب أو "العنف الدينى". إنها إذن "قمة التنكر للّيبرالية" أن نعرّف نحو المليار وثلث المليار من المسلمين بأنهم إرهابيون رغم أنهم لا صلة بينهم وبين "العنف الدينى" بأى حال، لمجرد أخطاء يرتكبها هامش ضئيل لا يزيد عن 005,. %. وعلى أكثر تقدير فإن واحدا فقط من كل 200000 مسلم يمكن اتهامه بالإرهاب. أى أن كل ما هنالك من إرهابيين فى العالم لا يزيدون عن 65 ألفا ليس إلا، وهو تقريبا نفس عدد القتلة الطُّلَقاء فى الولايات المتحدة وحدها، فضلا عن أكثر من 200 ألف قاتل أمريكى فى العام الواحد فى أمة تعدادها لا يتجاوز 300 مليون نسمة.

ويدعى سوكْدِيو أن على المسلمين "الالتزام بالصدق والإقرار بالعنف الذى يصبغ تاريخهم". ومع ذلك فحين نأخذ فى الاعتبار أن معظم الكتب التى تتحدث عن اعتداءات المسلمين قد كُتِبت بأقلامٍ مسلمةٍ كان من الصعب القول بأن المسلمين بوجه عام قد اختاروا تجاهل الفظائع التى ارتكبوها فى الماضى. وبطبيعة الحال هناك مسلمون ينكرون بعضا من ذلك الماضى، بالضبط مثلما أن هناك بريطانيين لا يزالون ينكرون فظائع الحقبة الاستعمارية، ومثلما أن هناك أمريكيين ينكرون المجازر التى اجترحوها فى حق سكان أمريكا الأصليين، ومثلما أن هناك ألمانًا ينكرون المحرقة التى قضت على ستة ملايين يهودى. إلا أن الحقيقة المرة مع ذلك كله تقول إن الحضارة النصرانية قد ارتكبت من الفظائع ما يزيد كثيرا جدا على ما ارتكبته الحضارة الإسلامية، حتى لو وضعنا فى الحسبان التعداد الأكبر الذى بلغه أصحابها والعمر الأطول الذى استغرقه تاريخها.


الحق أنه لا وجود فى أى مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامى لمثل ذلك المبدإ الذى كان ينادى به القديس أوغسطين، وهو : "عليكم أن تنصِّروهم قَسْرًا وإكراهًا". بل إن القرآن ليقول العكس من ذلك تماما كما فى الآية السادسة والخمسين بعد المائتين من سورة "البقرة"، ونصها: "لا إكراه فى الدين". لقد أدت فكرة أوغسطين المرعبة التى توجب إكراه الجميع على "التطابق" مع "العقيدة النصرانية الصحيحة" إلى قرون من سفك الدماء الذى ليس له فى تاريخ البشرية نظير. أجل، لقد عانى النصارى أثناء سلطان الحضارة النصرانية أكثر مما عانَوْا تحت سلطان الرومان قبل مجىء النصرانية أو أى سلطان آخر طوال التاريخ. لقد تجرع الملايين غصص التعذيب وذُبِحوا ذبحا باسم النصرانية أثناء البدع الآريوسية والدوناتية والألبيجينية، ودعنا من محاكم التفتيش المختلفة أو الحروب الصليبية التى كانت الجيوش الأوربية تقول فيها وهى تجزر رقاب المسلمين والنصارى معا: "اقتلوهم عن بَكْرة أبيهم، ولسوف يميز الله من يخصّونه ممن لا يخصّونه". وغَنِىٌّ عن القول أن هذه الاعتداءات التى قام بها النصارى، بل كل الاعتداءات النصرانية على مدار التاريخ، لا صلة بينها على الإطلاق وبين السيد المسيح أو حتى بينها وبين الأناجيل كما نعرفها. أجل لا يوجد مسلم واحد يمكن أن يؤاخذ السيد المسيح (الكلمة التى صارت جسدا بالنسبة للنصارى والمسلمين جميعا)، فكيف إذن تواتى سوكْدِيو نفسُه على محاسبة القرآن (كلمة الله التى صارت كتابا بالنسبة للمسلمين) على الاعتداءات الإسلامية (التى تقلّ كثيرا جدا عن نظيرتها النصرانية)؟

والواقع أن ذلك العنف الأعمى الذى لا يعرف التمييز لا يقتصر البتة على "عصور الظلام" فى أوربا أو على فترة واحدة من التاريخ النصرانى دون سواها، فحركات الإصلاح الدينى والحركات المضادة لها قد دفعت كلتاهما بالمجازر التى ارتكبها النصارى بعضهم فى حق بعضهم إلى آمادٍ قياسيةٍ غير مسبوقة، إذ تمت إبادة ثلثى النصارى فى أوربا خلال تلك الفترة. ثم لا ينبغى أن ننسى الحروب النابليونية من 1792 إلى 1815م، ولا تجارة الرقيق الأفريقى التى حصدت أرواح عشرة ملايين إنسان، أو الغزو الاستعمارى المتلاحق، فضلا عن الحروب والبرامج والثورات والإبادات الأخرى. إن أعداد السكان الأصليين الذين أبيدوا فى شمال أمريكا ووسطها وجنوبها لترتفع إلى رقم العشرين مليونا فى خلال ثلاثة أجيال لا غير.

وبالإضافة إلى ألوان التخريب والعنف الأوربى فى الماضى، أخذت الحضارة الغربية الحروب مرة أخرى إلى مسافاتٍ لم تعرفها البشرية من قبل حتى إن أحد الإحصاءات المتحفظة ليصل بعدد المقتولين قتلا وحشيا فى القرن العشرين إلى أكثر من مائتين وخمسين مليونا يتحمل المسلمون منها وِزْر أقل من عشرة ملايين ليس إلا، على حين يُسْأَل النصارى أو المنتمون إلى النصرانية عن مائتى مليون من ذلك العدد. و يعود معظم أعداد هؤلاء القتلى إلى الحرب العالمية الأولى (20 مليونا، 90 % منها على الأقل تمت على أيدى "نصارى") والحرب العالمية الثانية (90 مليونا، 50 % منها على الأقل تمت على أيدى "نصارى"، أما الباقى فقد وقع أغلبه فى الشرق الأقصى). وبالتأمل فى ذلك التاريخ المرعب يجب علينا نحن الأوربيين جميعا أن نعى تماما الحقيقة الساطعة التى تؤكد أن الحضارة الإسلامية أقل بما لا يقاس من ناحية القسوة والوحشية من الحضارة النصرانية. ترى هل كانت المحرقة التى راح ضحيتها 6 ملايين يهودى من صنع حضارة المسلمين؟

وفى القرن العشرين وحده نجد أن الغربيين والنصارى قد ارتكبوا من جرائم القتل أضعاف ما وقع من الدول الإسلامية عشرين مرة على أقل تقدير. ولقد تسببنا نحن الغربيين فى هذا القرن الذى لم يشهد التاريخ مثله دموية فى إيقاع الإصابات بين المدنيين بما لا يقاس به ما صنعه المسلمون على مدار تاريخهم جميعا: انظر إلى إزهاق أرواح 900000 رواندى عامى 1992م و1995م فى بلدٍ أكثر من 90% من سكانه نصارى، أو انظر إلى إبادة أكثر من 300000 مسلم، وكذلك الاغتصاب المنظم لأكثر من 100000 امرأة مسلمة فى البوسنة، على يد نصارى الصرب. فهذه الحقائق البشعة تقول بلغة الأرقام والإحصاءات التى لا تعرف الكذب إن الحضارة النصرانية هى أشد حضارات التاريخ عنفا ودموية، وإنها مسؤولة عن إزهاق مئات الملايين من الأرواح.

لقد كان إنتاج الأسلحة النووية واستعمالها كفيلا فى حد ذاته بأن يجعل الغرب يتوارى خجلا أمام باقى شعوب العالم: فأمريكا هى التى صنعت الأسلحة النووية، وأمريكا هى الدولة الوحيدة التى استخدمت الأسلحة النووية، والدول الغربية هى التى تسعى إلى الحفاظ على احتكار الأسلحة النووية. وعلى هذا الأساس فليس لنا الحق بتاتا فى الاعتراض على حيازة الدول الأخرى لهذه الأسلحة إلا إذا أثبتنا أننا متجهون إلى التخلص منها تماما.

ولا بد من القول بأن الإسلام، رغم اشتماله على مفهوم الحرب المشروعة دفاعا عن النفس (كما هو الحال فى النصرانية، وكذلك البوذية)، لا مكان فى ثقافته (أو فى أية ثقافة أخرى من الثقافات الموجودة الآن) لإمكانية تحويل العنف إلى مثلٍ أعلى أو جعله وثنا معبودا كما فعلت الثقافة الغربية. إن الغربيين ينظرون إلى أنفسهم على أنهم ناس مسالمون، بيد أن الرقة والسموّ اللذين يطبعان الأناجيل بطابعهما، وكذلك الطبيعة المحبة للسلام التى تتسم بها الديموقراطية، ليس لها فى الحقيقة أى انعكاس فى الثقافة الغربية الشعبية إلا على سبيل الندرة. بل على العكس نرى الاتجاه التام لتلك الثقافة، متمثلا فى أفلام هوليوود وبرامج التلفاز الغربية وألعاب الفيديو والموسيقى الشعبية والمسابقات الرياضية، ينحو منحى تمجيد العنف وتزيينه. ومن ثم فإن المعدلات النسبية لجرائم القتل (وبخاصة القتل العشوائى والقتل المسلسل) فى العالم الغربى (وبالذات فى الولايات المتحدة الأمريكية، بل حتى فى أوربا كلها بصفة عامة) أعلى من مثيلاتها فى العالم الإسلامى فى البلاد التى لا يوجد فيها حروب طائفية، وذلك على الرغم من أن الغرب يتمتع بثروة أضخم كثيرا. ترى هل قرعت سمعَ سوكْدِيو يومًا الكلماتُ التالية من إنجيل متى؟:

"7 1
لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا،2لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ. 3وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟ 4أَمْ كَيْفَ تَقُولُ لأَخِيكَ: دَعْنِي أُخْرِجِ الْقَذَى مِنْ عَيْنِكَ، وَهَا الْخَشَبَةُ فِي عَيْنِكَ؟ 5يَا مُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلاً الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّداً أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ!".

ومثل معظم الكتابات الجدلية المعادية للإسلام يشكل باقى مقالة سوكْدِيو خليطا من الحقائق والأوهام. فعلى سبيل المثال يزعم سوكْدِيو أن كثيرا من الآيات القرآنية التى تدعو إلى السلم قد نسختها الآيات التى نزلت بعدها. صحيح أن كثيرا من علماء المسلمين يقولون إن الآيات اللاحقة تنسخ الآيات السابقة، غير أن نطاق النسخ يختلف من عالِمٍ إلى آخَرَ اختلافا بعيدا: فبعض العلماء يرى أن الآيات المنسوخة لا تتجاوز خمس آيات، على حين يرى علماء آخرون أن عدد المنسوخ يتجاوز 150 آية. وعلى ذلك فزَعْم سوكْدِيو بأنه "متى وُجِد تعارض فى الآيات القرآنية كان اللاحق منها ناسخا للسابق" هو تبسيطٌ مُخِلّ. ذلك أن الادعاء بتأخر الآيات الداعية إلى السلم جميعها عن الآيات المحبّذة للحرب وانتساخها بها هو، بكل بساطةٍ، ادعاء زائف. فمثلا هناك آيات نزلت فى العامين الأخيرين من حياة محمد (عليه السلام) تنهى المسلمين عن الانتقام ممن أخرجوهم من بيوتهم: "وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ" (المائدة/ 2)، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى" (المائدة/ 8).

ومن الصعوبة بمكان أن يتخيل الواحد منا رسالة أقوى من هذه الرسالة فى الدعوة إلى العدل والعفو والتصالح. وفضلا عن ذلك فكثير من علماء المسلمين يستشهدون بالآيات المبكرة التى تحض على السلام فى دعوتهم للشباب المسلم إلى نبذ تطرف المتطرفين، فهل يُؤْثِر سوكْدِيو أن يُصِيخ الشباب المسلم السمعَ لأولئك الذين يفسرون له تلك الآيات على أنها قد تم نسخها كما يقول؟

ومن اللافت للنظر أن سوكْدِيو، شأنه شأن من يفسرون القرآن من المتطرفين، يسىء الاستشهاد بالآيات القرآنية باقتطاعها عن سياقها الذى وردت فيه، قائلا إن الآيتين التاسعة والخمسين والستين من سورة "الأنفال" تحضان على الإرهاب، رغم أن الآية الأخيرة لا تدعو فى واقع الأمر إلى شىء من هذا، بل تشكل مع الآية التى تعقبها كلا واحدا، ونصها: "وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا". وبالمناسبة فهذه الآية هى أيضا من الآيات المتأخرة فى النزول. وفى هذا السياق نجد الآية الستين تأمر المسلمين بألا يقفوا موقفا سلبيا تجاه تهديدات عدوهم، ثم تأتى الآية الحادية والستون لرسم حدود هذا الأمر فى الواقع العملى. وعلى هذا فليس فى الآية على الإطلاق أية دعوة إلى الإرهاب. ولربما لو كان سوكْدِيو يلمّ بالعربية إلمامًا جيدًا لكان فهمه للقرآن أفضل، لكنه يفتقر إلى مثل هذا الإلمام المطلوب، وهو ما يجعل من الصعب علينا الاقتناع بما يقوله عن الإسلام وتعاليمه مهما يكن المنصب الذى يشغله أو اللقب الذى يتحلى به.

ويمضى سوكْدِيو قائلا إن الإنسان يمكنه الاختيار بين الآيات التى تحبّذ العنف وتلك التى تدعو إلى السلام. وهذا صحيح، إلا أنه سيكون فى هذه الحالة متسرعا تسرعا شديدا فى القول بأن القرآن يرحب بالعنف أكثر مما يرحب العهد القديم (كما هو الحال مثلا فى سفر "اللاويين" أو سفر "يوشع"). فإذا قلنا إن القرآن يحبذ العنف، فما القول إذن فى نصوص العهد القديم التى تأمر أمرا صريحا بالقتل وإبادة البشر؟ ففى الفقرة رقم 17 من الأصحاح الحادى والثلاثين من سفر "العدد" يقول موسى بشأن الأسرى المديانيين الذين قتل بنو إسرائيل أقاربهم: "فَالآنَ اقْتُلُوا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الأَطْفَالِ. وَكُلَّ امْرَأَةٍ عَرَفَتْ رَجُلاً بِمُضَاجَعَةِ ذَكَرٍ اقْتُلُوهَا". كما أن الفقرات 1- 9 من الأصحاح الخامس عشر من سفر صموئيل الأول تحكى لنا قصة النبى صموئيل حين أمر الملكَ شاول بمحو العمالقة من الوجود على النحو التالى: "3فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً، طِفْلاً وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلاً وَحِمَارًا". أما النبى محمد فقد نهى أتباعه عن مثل هذا التطرف قائلا كما جاء فى تفسير ابن كثير للآيات 190- 193 من سورة "البقرة: " اغزوا فى سبيل الله. قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب الصوامع"، ومثله ما ورد فى "المغازى" للواقدى (3/ 117- 118): "اغزوا ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة، ولا تمنَّوْا لقاء العدو".
أما الزعم بأن الحرب التى حضت عليها بعض آيات القرآن تسوّغ الأعمال الحربية العدوانية فهو دليل على الجهل بأن المفسرين التقليديين قد ضيّقوا نطاق تلك الآيات. فمثلا هناك الآية الرابعة من سورة "التوبة" التى أسىء تفسيرها فى عصرنا، ونصها: "فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ". فمن ناحيةٍ نرى المتطرفين يستغلون هذه الآية فى إراقة الدماء البريئة، ومن الناحية الأخرى فإن أعداء الإسلام يستغلونها فى الزعم بأن القرآن إنما هو كتاب عدوانى يحض على شن الحرب دون توقف. لكنْ بالاستناد إلى الروايات التقليدية فإن هذه الآية لا يمكن اتخاذها صَكًّا على بياضٍ لقتال غير المسلمين، إذ لا تَصْدُق فى الواقع إلا على أولئك المشركين الذين ناهضوا المسلمين الأوائل وهددوا وجودهم ذاته تهديدا. وكما قال أحد كبار الفقهاء، وهو أبو بكر بن العربى (من أهل القرنين الحادى عشر والثانى عشر)، فـ"قَوْله تَعَالَى: "فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ" عَامٌّ فِي كُلِّ مُشْرِكٍ، لَكِنَّ السُّنَّةَ خَصَّتْ مِنْهُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَبْلَ هَذَا مِنْ امْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ وَرَاهِبٍ وَحُشْوَةٍ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَبَقِيَ تَحْتَ اللَّفْظِ مَنْ كَانَ مُحَارِبًا أَوْ مُسْتَعِدًّا لِلْحِرَابَةِ وَالإِذَايَةِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالآيَةِ: اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُحَارِبُونَكُمْ".

ويمكن المضىّ فى الاستشهاد بهذه التفسيرات إلى ما لا نهاية. ومنها يتبين بكل وضوح أن تسوية سوكْدِيو بين "المسلمين المتشددين" و"علماء المسلمين القدامى" الذين يقولون إن الإسلام هو دين السيف" ليست متهافتةً فقط بل تشويهًا مطلقًا للحقائق. وعلى هذا فإما أن سوكْدِيو غير مؤهل لتحليل التراث الإسلامى والمقارنة بينه وبين الانحرافات الحديثة، وإما أنه يحرّف على نحوٍ متعمدٍ تعاليم الإسلام، وهو فى الحالتين يبرهن على أنه غير جدير بالثقة بتةً". هذا، ويجد القارئ الأصل الإنجليزى لذلك المقال كاملا مع ترجمتى له إلى العربية فى كتابى: "مختارات استشراقية إنجليزية عن الإسلام" (ط. المنار للطباعة والنشر/ القاهرة/ 1430هـ- 2009م/ 233- 269).

كذلك لا يكفّ النصارى أبدا عن الكلام فى الجزية وقسوة الجزية حتى ليخيَّل لمن لا يعرف الأمر أن المسلمين كانوا يصادرون أموال الأمم التى يفتحون بلادها مصادرة، مع أن المبلغ الخاص بالجزية لم يكن يزيد على بضعة دنانير فى العام عن الشخص الواحد، فضلا عن أنه لم تكن هناك جزية على الأطفال والنساء والشيوخ والرهبان. وفى المقابل كان غير المسلمين يُعْفَوْن من دفع الزكاة على عكس المسلم، كما كانوا يُعْفَوْن من الاشتراك فى الحرب. وبهذا يكون المسلمون قد سبقوا كالعادة، ودون شقشقة لفظية أيضا، إلى مبدإ الإعفاء من الحرب على أساس مما نسميه الآن: "تحرُّج الضمير"، إذ لمّا كان أهل البلاد المفتوحة غير مسلمين كانت الحرب تمثّل لهم عبئًا نفسيًّا وأخلاقيا أراد الإسلام أن يزيحه عن كاهلهم بطريقة واقعية سمحة. وفضلا عن هذا فإن المسلمين، فى الحالات التى لم يستطيعوا فيها أن يحموا أهل الذمة، كانوا يردون إليهم ما أخذوه منهم من جزية، إذ كانوا ينظرون إليها على أنها ضريبة يدفعها أهل الذمة لقاء قيامهم بالدفاع عنهم.

ومع ذلك كله يُبْدِئون ويُعِيدون فى مسألة الحروب الإسلامية مدَّعين بالباطل أن المسلمين كانوا يقتلون أهل البلاد التى يفتحونها إلا إذا دفعوا الجزية. والملاحظ أنهم يخلطون عن عمد بين القتال والقتل، فالآية التى وردت فيها لفظة "الجزية" تقول: "قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآَخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)" (لاحظ: "قاتلوا" لا "اقتلوا". والفرق واضح لا يحتاج إلى تدخل من جانبى). وقد نزلت فى حق الروم، الذين كانوا يتربصون بدولة الإسلام ويتآمرون عليها ويهددونها بجيوشهم الجرارة. لقد قتل الروم مثلا الرسل والدعاة المسلمين الذين أرسلهم النبي صلي الله عليه وسلم إليهم، وكانوا يُعِدّون العدة لمهاجمة الدولة الإسلامية في عقر دارها، فكان لابد من قتالهم هم ومن يعضدهم من قبائل العرب النصارى المتحالفين معهم. ومعنى الآية أنه ينبغى على المسلمين أن يهبوا لمقاتلة الروم، الذين شرعوا فى ذلك الحين يتجهزون لاجتياح الدولة الإسلامية الوليدة متصورين أنها لقمة سائغة سهلة الهضم لن تأخذ فى أيديهم وقتا، فكان لا بد من قطع هذه اليد النجسة، وإلا ضاع كل شىء. كما كان لا بد أيضا من أخذ الجزية منهم عن يدٍ وهم صاغرون جزاءً وفاقا على بغيهم واستهانتهم بالمسلمين وتخطيطهم لاكتساح دولتهم دون أن يَفْرُط منهم فى حقهم أى ذنب!

وعلى أية حال فإن النصارى مأمورون بحكم دينهم أن يدفعوا "الجزية" (هكذا بالنص) لأية حكومة يعيشون فى ظلها وأن يعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، حسبما قال لهم المسيح حرفيا (متى/ 22/ 17– 21، و12/ 24– 25، ومرقس/ 12/ 14– 17). كما أن بولس، الذى يخالف فى غير قليل من أحكامه ما قاله نبيُّه، قد كرر هنا نفس ما قاله السيد المسيح فأمرهم بالخضوع لأية حكومة تبسط سلطانها عليهم وألا يحاولوا إثارة الفتن، لأن تسلط هذه الحكومات عليهم إنما هو بقَدَر من الله كما قال لهم، ومن ثم لا ينبغى التمرد على سلطانها، بل عليهم دفع الجزية والجبايات دون أى تذمر: "لِتَخْضَعْ كلُّ نفس للسلاطين العالية، فإنه لا سلطان إلا من الله، والسلاطين الكائنة إنما رتَّبها الله* فمن يقاوم السلطان فإنما يعاند ترتيب الله، والمعاندون يجلبون دينونة على أنفسهم* لأن خوف الرؤساء ليس على العمل الصالح بل على الشرير. أفتبتغى ألا تخاف من السلطان؟ افعل الخير فتكون لديه ممدوحا* لأنه خادمُ الله لك للخير. فأما إن فعلتَ الشر فَخَفْ فإنه لم يتقلد السيف عبثا لأنه خادمُ الله المنتقمُ الذى يُنْفِذ الغضب على من يفعل الشر* فلذلك يلزمكم الخضوع لـه لا من أجل الغضب فقط بل من أجل الضمير أيضا* فإنكم لأجل هذا تُوفُون الجزية أيضا، إذ هم خُدّام الله المواظبون على ذلك بعينه* أدُّوا لكلٍّ حقه: الجزية لمن يريد الجزية، والجباية لمن يريد الجباية، والمهابة لمن لـه المهابة، والكرامة لمن لـه الكرامة" (رسالة القديس بولس إلى أهل رومية/ 13/ 1– 7). وهذا الكلام خاص بخضوع النصارى للحكومات الوثنية، فما بالنا بالحكومات المسلمة المؤمنة الموحِّدة التى لم يسمع أحد أنها فعلت بالنصارى ولا واحدا على الألف مما كانت تلك الحكومات تفعله بهم؟

ولنعد الآن إلى ما كنا بصدده من قسوة النصارى فى معاملتها للأمم الأخرى التى تسلطت عيها. وهنا يثور السؤال التالى: ترى لماذا كان تعامل النصارى بهذه القسوة مع غيرهم رغم الكلام المعسول عن المحبة والتسامح وما إلى ذلك؟ والجواب أوَّلا هو أن هذا الكلام المعسول إنما يخص العلاقات الفردية لا الدولية، فالنصرانية لم يكن لها أية سلطة على عهد السيد المسيح، الذى رأيناه هو وحوارييه، على العكس من ذلك، يحاكَمون على يد أعدائهم وبمقتضى قوانين هؤلاء الأعداء. وحتى على المستوى الفردى قد وجدنا أن مثل هذه المبادئ لا تؤكِّل عيشا. وإلى جانب هذا فالنصرانية ديانة لا تقوم على العقل، بل تطلب من الشخص أن يؤمن دون مناقشة أو تفكير، وعلى ذلك فإنها فى الواقع تفتقر إلى هذا التسامح الذى تدّعيه. ومعروف أنه كلما بالغ الشخص فى الحديث عن مزاياه وأزعج الآخرين بها بداعٍ وبدون داعٍ كان ذلك دليلا على كذبه. ومن ثَمَّ فإنها حين وجدت نفسها ذات سيادة ودولة ورأت أنها لا تملك أية تشريعات تتعلق بالحكم والعلاقات الدولية انكفأت إلى العهد العتيق من الكتاب المقدس تستلهمه المشورة فلم تجد إلا الحروب والتشريعات اليهودية التى تتسم بالقسوة الوحشية المفرطة فى معاملة الأعداء فى الحرب وبعد الحرب على السواء دون التقيد بأية التزامات أخلاقية أو إنسانية.

ولسوف أقتصر هنا على نص واحد من النصوص التى وردت فى العهد العتيق خاصة بالحرب. جاء فى سفر "تثنية الاشتراع": "وإذا تقدَّمْتَ إلى مدينة لتقاتلها فادْعُها أولا إلى السلم* فإذا أجابتك إلى السلم وفتحت لك فجميع الشعب الذين فيها يكونون لك تحت الجزية ويتعبدون لك* وإن لم تسالمك بل حاربتك فحاصَرْتَها* وأسلمها الرب إلهك إلى يدك فاضرب كل ذَكَرٍ بحدّ السيف* وأما النساء والأطفال وذوات الأربع وجميع ما فى المدينة من غنيمة فاغتنمها لنفسك، وكُلْ غنيمةَ أعدائك التى أعطاكها الرب إلهك* هكذا تصنع بجميع المدن البعيدة منك جدا التى ليست من مدن أولئك الأمم هنا* وأما مدن أولئك الأمم التى يعطيها لك الرب إلهك ميراثًا فلا تستَبْقِ منها نسمة* بل أَبْسِلْهم إبسالا..." (20/ 10– 17). هذا مثال من التشريعات التى وجدها النصارى تحت أيديهم فطبقوها بمنتهى الدقة والإخلاص متى واتتهم الظروف كما حدث فى أمريكا وأستراليا مثلا، وكما حدث فى الأندلس عندما سقطت فى أيديهم فنكَّلوا بالمسلمين تنكيلا رهيبا، وكما حدث كذلك فى فلسطين، التى امتلخوها من العرب والمسلمين وأعطَوْها لليهود. وكدَيْدَنِهم عملوا على أن يصبغوا هذه الجريمة بصبغة إنسانية فزعموا أنهم إنما يريدون أن يعوّضوا اليهودَ عما ذاقوه من ويلات. على يد من؟ على يد النصارى أنفسهم، وليس على أيدى العرب والفلسطينيين! لكن متى كان الإجرام والتوحش يبالى بمنطق أو عدل أو أخلاق؟ أما الحرب فى الإسلام فلا تُشَنّ إلا للدفاع عن النفس كما هو معلوم. أما عند هزيمة العدو فإننا نأسره ولا نقتله، ثم بعد انتهاء الأعمال القتالية فإما أطلقنا سراح الأسرى دون مقابل، وإما أخذنا منهم الفدية لقاء تركهم يعودون لذويهم. أما المحو والاستئصال الذى يأمر رب اليهود شعبه به فلا مجال لـه فى الإسلام! وفى النهاية أرجو أن يكون القارئ قد تنبه لحكاية "الجزية" فى النصوص السابقة المأخوذة من الكتاب المقدس بعهديه العتيق والجديد جميعا!

وهم أيضا يُزْرون على تعدد الزوجات! ألا يعرفون أن إبراهيم وموسى وسليمان وداود وغيرهم من أنبياء العهد القديم كانوا من أهل التعديد، بل كان فى حريم بعضهم عشرات النساء؟ ألا يعون أنهم بهذا يلوّثون عيسى نفسه، الذى ينتمى إلى داود وسليمان، وكانا من أهل التعديد كما ذكرنا؟ لقد كان جواز تعدد الزوجات هو تشريع الأنبياء، لكن مؤلف إنجيل متى عزا لعيسى كلاما فهم منه القوم أنه يحرم التعدد، مع أن الكلام لم يكن فى التعدد قط، بل فى الطلاق! يقول متى (19/ 3– 12): "ودنا إليه الفَرِّيسِيُّون ليجربوه قائلين: هل يحلّ للإنسان أن يطلِّق زوجته لأجل كل عِلَّة؟* فأجابهم قائلا: أما قرأتم أن الذى خلق الإنسان فى البدء ذكرًا وأنثى خلقهم وقال:* لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته فيصيران كلاهما جسدا واحدا؟* فليسا هما اثنين بعد، ولكنهما جسدٌ واحد. وما جمعه الله فلا يفرّقه إنسان* فقالوا له: فلماذا أوصى موسى أن تُعْطَى كتابَ طلاق وتُخَلَّى؟* فقال لهم: إن موسى لأجل قساوة قلوبكم أذِن لكم أن تطلّقوا نساءكم، ولم يكن من البدء هكذا* وأنا أقول لكم: من طلَّق امرأته إلا لعلة زنى وأخذ أخرى فقد زنى* فقال له تلاميذه: إن كان هكذا حال الرجل مع امرأته فأجدرُ لـه ألا يتزوج* فقال لهم: ما كل أحد يحتمل هذا الكلام إلا الذين وُهِب لهم* لأن من الخصيان من وُلِدوا كذلك من بطون أمهاتهم، ومنهم من خصاهم الناس، ومنهم من خَصَوْا أنفسهم من أجل ملكوت السماوات. فمن استطاع أن يحتمل فلْيحتمل".

هذا هو نص الكلام الذى ذكروا أن عيسى عليه السلام قد قاله فى تعدد الزوجات وفهموا منه أنه يحرّم هذا النظام الذى أقره الأنبياء جميعا. ومن الواضح أن عيسى عليه السلام (إن كان هو فعلا قائل هذا النص) لم يتطرق لموضوع التعدد من قريب أو بعيد، إذ كان الكلام كله عن الطلاق. وإذا كان قد عرَّج على سبيل الاستطراد إلى موضوع الإضراب عن الزواج، فهذا أيضا لا علاقة لـه بالتعدد من قريب أو بعيد. أما قوله: "ذكرًا وأنثى خلقهم" فلا أدرى كيف يمكن أن يؤدى إلى إلغاء التعديد، إلا إذا كان الله سبحانه وتعالى قد خلق لكل رجلٍ زوجةً باسمه لا يتزوجها إلا هو، ولا تموت قبله أو يموت هو قبلها، وإلا إذا كان عدد الرجال فى كل المجتمعات مساويا تماما لعدد النساء فى كل العصور، وهذا عكس المشاهد للأسف فى هذه الدنيا الغريبة التى يريد بعض المتهوسين أن يصبّوها فى قوالب من حديد كما كان يفعل أهل الصين مع أقدام بناتهم الصغيرات قديما حتى لا تكبر بل تظل دقيقةً مُسَمْسَمَة، إذ إن النسبة المئوية لعدد من فى سن الزواج فى المجتمعات كلها تميل دائما لصالح المرأة كما تقول الإحصاءات السكانية. ولا ننس بالذات الحروب، التى يروح فيها من أرواح الرجال أكثر مما يذهب من أرواح النساء.

ثم جاء بولس، الذى قلب كيان النصرانية رأسًا على عقب، فقال فى رسالته الأولى إلى أهل كورِنْتُس (7/ 1– 2): "أما من جهة ما كتبتم به إلىَّ فحسَنٌ للرجل ألا يَمَسّ امرأة* ولكن لسبب الزنى فلتكن لكل واحدٍ امرأته، وليكن لكل واحدةٍ رجلها "، وإن فُهِمَ من حديثٍ آخَرَ لـه أن هذا الحظر إنما هو خاصّ بالشمامسة (تيموتاوس/ 1/ 12). وهذا كلام يدل أقوى دلالة على أن هذا الرجل لم يكن يتمتع بأى فهم للطبيعة البشرية: فالإنسان لا يتزوج فقط من أجل ألا يقع فى الزنى، بل لأن الحياة لا يمكن أن تستمر إلا عن طريق لقاء الذكر والأنثى، كما أن الحب وممارسة الجنس يشكلان متعةً من أحلى متع الحياة الإنسانية وأعمقها، متعةً ينبغى على المؤمن أن يشكر المولى عليها لا أن ينظر إليها على أنها بلوى أقصى ما يمكنه تجاهها هو الصبر عليها فى مضض وتأفف. ولو أن نصائح بولس قد أُخِذ بها لكان فيها نهاية الحياة! إن هذه النصائح المتطرفة إنما تنبع فى الحقيقة من النظرة الدونيّة التى تنظر بها النصرانية إلى المرأة والجسد الإنسانى، وهذه النظرة قد ورثتها الكنيسة من العهد العتيق وما يقوله عن قصة الخلق وخروج آدم من الجنة بسبب إغراء حواء لـه بعصيان النهى الإلهى عن الأكل من الشجرة واستحقاق المرأة من ثَمّ ابتلاء الله لها بعبء الحمل والولادة وإيقاع العداوة بينها وبين الرجل (تكوين/ 3/ 6– 24)، وهو ما يختلف فيه الإسلام عن النصرانية اختلافًا جِذْرِيًّا، إذ عندنا أن الذنب الذى أخرج أبوينا من الجنة هو ذنبهما جميعا لا ذنب حواء فقط، كما أن العلاقة بين الرجل والمرأة هى علاقة السكن والمودة والرحمة كما يقول القرآن المجيد (الروم/ 21) لا علاقة العداوة والبغضاء.

ولقد كانت النتيجة، وهنا وجه المفارقة، هو هذا السعار الجنسى الذى اشتهرت به أمم الغرب بعد أن لم تعد تطيق قيود النصرانية التى تعمل على وَأْد التطلعات والغرائز البشرية. ذلك أن غرائز البشر وتطلعاتهم لا يمكن تجاهلها، فضلا عن قهرها أو إلغائها كما يحاول الأغبياء. لكن من الممكن، ومن المطلوب أيضا، ترويضها والسمو بها إلى أقصى قدر ممكن، وهذا ما يفعله الإسلام. ولقد كان رجال الدين النصارى على رأس المنفلتين من هذه القيود الخانقة، وفضائحهم معروفة للقاصى والدانى فى كل العصور. وهذا أحد الأسباب التى جعلت الأوربيين يكرهونهم ويرَوْن فيهم مثالا للنفاق البغيض! وما فضائح باباوات روما فى العصور الوسطى واصطحاب بعضهم لعشيقاتهم معهم فى جولاتهم فى أرجاء أوربا لمباركة جموع المؤمنين، ولا الصلات الجنسية الحرام التى كانت بين بعض آخر منهم وبين أخواتهم بمجهولةٍ لمن عنده أدنى فكرة عن أحوال رجال الدين هناك قبل عصر النهضة الذى تخلص فيه الأوربيون من قيود النصرانية المُعْنِتَة.

وحتى فى موضوع الطلاق لا يعدو الكلام أن يكون عبارات شاعرية ساذجة لا دلالة لها على شىء فى الواقع والحقيقة، إذ ما معنى أن ما جمعه الله لا يفرّقه إنسان؟ إن الزواج إنما هو اختيار إنسانى قام أيضا بتوثيقه كائن إنسانى، فشأنه إذن كشأن أى شىء آخر من شؤون الحياة. فلماذا أُفْرِد وحده بهذا الوضع دون سائر الأمور الإنسانية؟ أما إن قيل إن الله هو فى الحقيقة خالق كل شىء، فإن الرد هو أنه لا مُشَاحّة فى هذا، لكننا ضد إفراد الزواج بذلك الحكم، ونرى أن هذا الوضع ينطبق أيضا على عملية الطلاق، مَثَله مثَل أى شىء آخر. ثم ما الحكمة فى أن يُعْنِت الله سبحانه وتعالى عبادَه فلا يرضى أن يرحمهم من قيود الزواج إذا ثبت أنه لا أمل فى أن يجلب لطرفيه السعادة؟ إن كثيرا من البلاد النصرانية قد انتهت إلى أنْ تضرب بهذه الأحكام عُرْض الحائط، إذ وجدت أنها لا تؤدى إلا إلى التعاسة والشقاء. وفى بعض البلاد يُقْدِم الزوج أو الزوجة فى حالات كثيرة إلى ترك النصرانية جملةً والدخول فى الإسلام، الذى يجدانه أوفق للطبيعة الإنسانية. فإلى متى هذا الخنوع لبعض الألفاظ الشاعرية التى قد تدغدغ العواطف فى مجال التفاخر الكاذب بمثالية أخلاق دينٍ ما، لكنها لا تجلب للمتمسكين بها إلا العَنَت والإحباط؟

إن كثيرا من الأزواج فى المجتمعات النصرانية هم فى الواقع مطلَّقون، لكنْ طلاقًا غير رسمى، وهم يسمونه: "انفصالا". وفى هذه الأثناء التى قد تطول سنين، كثيرا ما يصعب على الزوج والزوجة، تحت ضغط الغرائز، أن يمتنعا عن ممارسة الجنس فى الحرام، فلماذا كل هذا الإعنات؟ وحَتَّامَ يستمر هذا العناد والنفاق؟ إن الطلاق شديد البغض إلى الله كما قال صادقا سيدنا رسول الله، لكن الظروف قد تضطر الواحد منا إلى فعل ما هو بغيض تجنبا لما هو أفدح وأنكى. ومن هنا كان الطلاق عندنا حلالا رغم كونه بغيضا، أى أن المسلم لا يُقْدِم عليه إلا إذا سُدَّت فى وجهه جميع السبل الأخرى حسبما يعرف كل من له أدنى إلمام بالشريعة الإسلامية.

والآن إلى محمد رحومة، عميد كلية الدراسات العربية بالمنيا سابقا، أو "البلبوص رقم 2" على ما سوف يتضح للقارئ بعد قليل.وبالمناسبة فقد قرأت تعليقا بتاريخ 26/ 8/ 2009م على مقال محمود سلطان: "مصطفى الفقي والضمير الوطني!" بجريدة "المصريون" الضوئية بعنوان "الدكتور محمد رحومة لم يكن أستاذا ولم يكن عميدا" يؤكد أن رحومة لم يكن عميدا بل لم يكن أستاذا أصلا، بل أستاذا مساعدا ليس إلا، ولم يتول من المناصب الإدارية فى كلية الدراسات العربية بجامعة المنيا إلا الوكالة فحسب. كتب هذا أحد أساتذة الكلية نفسها، وهو د. محمود مسعود، الذى أرفق بتعليقه رقم هاتفه المحمول. وهذا نص التعليق: "الإخوة الأعزاء في جريدة" المصريين"، الدكتور محمد رحومة لم يكن أستاذا ولم يكن عميدا لدار العلوم الحالية (الدراسات العربية سابقا). إنما كان أستاذا مساعدا للنقد الأدبي وقائما بأعمال وكيل تلك الكلية مدة قصيرة، ورئيس مركز سوزان مبارك للفنون والآداب بجامعة المنيا. أخوكم د.محمود مسعود عضو هيئة التدريس بقسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم- جامعة المنيا. تلفون 0112533587".

وقد تصادف أن قرأتُ صبيحة اليوم (الأحد 23/ 8/ 2009م) بصحيفة "الرؤية" بتاريخ السبت 25/ 10/ 2008م فى نسختها المشباكية تحقيقا لأحمد يوسف عن "الانتقام الألكترونى" جاء فيه قوله: "ويحلل الدكتور مصري حنورة، أستاذ ورئيس قسم علم النفس بجامعة الكويت سابقا، ظاهرة الانتقام عبر الشبكة قائلا: ما المانع من الانتقام الإلكتروني طالما أن مواقع الانترنت أصبحت غير خاضعة للسيطرة؟ هذا وباء وطاعون غير قابل للسيطرة عليه، وبدأ مع بث رسائل "القاعدة" للانتقام من العالم. ويضيف الدكتور حنورة أن الانتقام الإلكتروني أضحى في أشكال استفزازية تمس بالثوابت، موضحا ذلك بقوله: لابد من ذكر قصة شهيرة تواترت منذ أقل من شهر بقيام شخص يدعى محمد رحومة، وهو أستاذ سابق في الفقه الإسلامي بكلية الدراسات الإسلامية بالمنيا، ببث موقع إنترنت من أميركا يسب الإسلام والمسلمين ويتطاول على الرسول صلى الله عليه وسلم. وجاء هذا الموقف بعد اتهامه بالاختلاس وفصله من عمله، فتنصر وهاجر لأميركا وانتقم من طرده من كليته بمحاولة خدش دينه، ولكن زوجته (التى فسخ عقدها شرعا) ردت عليه عبر الإنترنت لتوضح للعالم طبائعه: اختلاس، سرقة، زنى". وهذا هو رابط التحقيق المذكور:

www.arrouiah.com/files/1224872140546814500.pdf.
رد مع اقتباس