
2012-11-13, 07:44 PM
|
 |
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
|
|
تاريخ التسجيل: 2011-01-05
المشاركات: 3,175
|
|
ففي أرض الشام صارت حلب إمارة مستقلة تحت زعامة رضوان بن تتش، وصارت دمشق أيضًا إمارة مستقلة تحت حكم دقاق بن تتش، أما فلسطين فقد كانت تحت حكم سقمانوإيلغازي أولاد أرتق التركماني، وهو أحد القادة الذين كانوا يتبعون تتش بن ألب أرسلان[14].
ثم إن الدولة العبيدية (الفاطمية) - التي كانت تحكم مصر آنذاك - كانت متفوقة في أسطولها البحري عن السلاجقة؛ مما مكَّنها من السيطرة على موانئ الشام، وأهمها صوروصيداوعكاوجبيل، غير أن ميناء طرابلس كان إمارة مستقلة تحت حكم ابن عمار أبي طالب، وهو من الزعماء الشيعة المنشقِّين عن الدولة العبيديّة[15].
فكان هذا هو حال الشام! وهي المنطقة التي ستوجَّه إليها الحملات الصليبية القادمة.
ولم يكن حال آسيا الصغرى بأفضل من حال الشام، وخاصةً بعد مقتل سليمان بن قتلمش سنة (478هـ) 1086م[16]، وكان السلطان ملكشاه قد أخذ ابن سليمان بن قتلمش وهو قلج أرسلان إلى فارس تحت رقابته[17]، غير أنه عند وفاة ملكشاه وولاية ابنه بركياروق أطلق سراح قلج أرسلان ليصبح بذلك زعيم السلاجقة الروم[18]، وإن لم يتمكن من السيطرة على كل آسيا الصغرى. ولا يخفى على أحد أنه كان لا يمتلك الخبرة الكافية لهذه المهمة الكبيرة، وهي قيادة منطقة تموج بالمشاكل والفتن، سواء من المسلمين أو من غير المسلمين؛ فالمشاكل الداخلية بين الأتراك، والمشاكل مع سلاجقة الشام كانت مستمرة ومستعرة، إضافةً إلى وجودها إلى جوار الدولة البيزنطية العدو اللدود والتقليدي للمسلمين على مدار خمسة قرون متتالية.
ثم إن آسيا الصغرى لم تكن وحدة واحدة، فأزمير مثلاً كانت تحت إمرة زاخارس، بينما كانت هناك إمارة الدانشمند، وهي إمارة أسسها أمير تركماني اسمه أحمد غازي، وكانت تشغل الشمال الشرقي من آسيا الصغرى، وكانت على خلاف مستمر مع السلاجقة في آسيا الصغرى، ومن ثَمَّ كان التحالف بينهما نادرًا ما يحدث، وفي ظروف ضيقة جدًّا[19].
وليس هذا فقط، فقد شهدت سنة (490هـ) 1095م توسُّعًا بيزنطيًّا في غرب آسيا الصغرى، واستولت على الجهات الساحلية في نيثنياوأبونيا[20]، ومما زاد الموقف تعقيدًا في آسيا الصغرى وجود أعداد كبيرة من الأرمن كانوا يعيشون في دولتهم في هذه المنطقة منذ فترات طويلة، لكن الدولة البيزنطية ضمت أرمينيا إلى أملاكها في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، لكن مع توسع السلاجقة في القرن الخامس الهجري في آسيا الصغرى على حساب أملاك الدولة البيزنطية اجتاح السلاجقة الكثير من أقاليم أرمينيا؛ مما جعل الأرمن يهاجرون إلى الجنوب الشرقي من آسيا الصغرى حيث الطبيعية الجبلية الصعبة في إقليم قليقية، كما تركزوا في ثلاث مناطق أخرى متفرقة هي ملطيةوالرُّهاوأنطاكية[21]، مع العلم أن هذه المناطق الثلاثة الأخيرة كانت تجمعات بيزنطية قديمة، ومن ثَمَّ أصبحت خليطًا من الأرمن الكاثوليك والبيزنطيين الأرثوذكس، غير أن سليمان بن قتلمش استطاع ضم أنطاكية لحكم السلاجقة سنة(477هـ) 1085م، وتسرب إليها المسلمون ليعيشوا فيها جنبًا إلى جنب مع البيزنطيين والأرمن[22]، وكذلك الرها فقد سيطر عليها ملكشاه، لكنه أقر على حكمها أحد الأرمن وهو ثوروس مع دفع الجزية[23]، ونفس الأمر حدث في ملطية فقد سيطر عليها أحد رجال الأرمن يُدعى جبريل، وكان كذلك يعلن الولاء للسلاجقة[24].
ومن هنا نرى أن هذا الوجود الأرمني المكثف جعل الأمور غير مستقرة وغير آمنة في هذه المناطق الثلاثة، إضافةً إلى إقليم قليقية في الجنوب الشرقي من آسيا الصغرى، وهذا كله سيكون له آثار مباشرة في نجاح الحملة الصليبية الأولى كما سيتضح لنا.
وهكذا نرى أن التركيبة السكانية الصعبة في آسيا الصغرى والمكوَّنة من سلاجقة وأرمن وبيزنطيين، والتفتُّت الواضح في مراكز الحكم، والعلاقات السلبية بين الطوائف المختلفة، والتوتر الشديد مع المناطق المحيطة، كل هذا أدَّى إلى وضع معقد جدًّا في هذه المناطق، لعله يفسِّر الاقتحام الصليبي المرتقب لمنطقة آسيا الصغرى وما حولها.
كان هذا هو الوضع في شرق العالم الإسلامي، وهو - كما رأينا - وضعٌ لا ينذر بخير، سواء في مناطق آسيا الصغرىوالشاموفلسطين أو في مناطق العراق وفارس.
ولم يكن الوضع في بقية بلاد العالم الإسلامي طيِّبًا، اللهم إلا في بعض البقاع المتفرقة، ولعل أهم المناطق التي تعنينا في هذه القصة هي منطقة مصر لقربها من الأحداث، بل ولتعرضها لبعض الحملات الصليبية كما سيتبين لنا.
وكانت مصر في هذه الأثناء تحت حكم العبيديين (الملقَّبين بالفاطميين)، وقد بدأ حكمهم في مصر سنة (358هـ) 969م بعد عدة محاولات لاحتلالها على مدار أكثر من خمسين سنة سابقة، ثم آلت لهم في النهاية مع شمال إفريقيا، بل وامتد حكمهم إلى الشاموالحجاز.
والعبيديون طائفة متطرفة جدًّا من الشيعة، يقولون بكل عقائد الشيعة وأكثر، ويحرِّفون تحريفاتهم وأشد، وهم يدَّعون النسب إلى فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذبوا في ذلك، بل نسبهم إلى أحد اليهود الذين عاشوا في المغرب، وقد سيطروا على المغرب سنة (296هـ) 908م، ثم انتشروا في شمال إفريقيا، وأقاموا ما يسمونه بالخلافة الفاطمية، وهي ليست في الأصل خلافة ولا فاطمية، إنما هي دولة خبيثة قامت على قتل علماء السُّنَّة واضطهادهم، وأذاقت الناس العذاب ألوانًا، وأظهرت من الفسق والفجور والمنكرات، وتغيير العقائد والأخلاق ما لا يتخيل، وكانوا جميعًا من طائفة الإسماعيلية، وهي إحدى الطوائف المنشقة عن الشيعة والمنتسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق[25]؛ يقول الإسماعيلية: إن الإمام السابع هو ابنه إسماعيل. بينما يقول الشيعة الاثنا عشرية: إن الإمام السابع هو موسى الكاظم الابن الآخر للإمام جعفر الصادق. ويقول الإسماعيلية أيضًا: إنه كان بعد الإمام إسماعيل خمسة أئمة مستورين، ثم الإمام الثالث عشر هو المهدي مؤسس الدولة العبيدية. ويدَّعون في أئمتهم أشياء عجيبة وخوارق منكرة، ووصل الأمر إلى ادِّعائهم أن الله سبحانه وتعالى حلَّ في أئمتهم - تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا - ولذلك فهناك منهم من ادَّعى الألوهية وليس النبوة، ومن أشهرهم الحاكم بأمر الله الذي كان زعيمًا لدولتهم في مصر، وهو الذي خاطبه الشاعر بقوله:
ما شئتَ لا شاءت الأقدار *** فاحكمْ فأنتَ الواحد القهارُ
وأنشأ هؤلاء الفُسَّاق الجامع الأزهر في مصر لينشر سمومهم وأفكارهم المتطرفة، ولكن ردَّ الله كيدهم في نحورهم، فأصبح الجامع الأزهر على مدار عدة قرون من مراكز إشعاع السُّنة في العالم. وكانوا يُظهِرون سبَّ الصحابة بل والأنبياء، بل ورسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ومن ذلك ما كان ينادي به القائم بن المهدي في الأسواق: "العنوا عائشة وبعلها، العنوا الغار وما حوى". وكانوا يضربون عنق من أظهر حُبَّ أبي بكر أو عمر، ويقطعون لسان من قال في الأذان (حي على الفلاح)؛ لأنهم يستبدلون بها (حي على خير العمل)، ومنكرات أخرى كثيرة مطولة مسجلة في كتب التاريخ[26].
لقد كانت هذه الدولة الخبيثة هي التي تحكم مصر في ذلك الوقت، بل وإنها انقسمت على نفسها في سنة (487هـ) 1094م، عندما تُوفِّي خليفتهم المستنصر، وتكوَّنت فرقتان كبيرتان؛ الأولى هي التي تقطن بمصر وتحكمها، وهي المستعلية (نسبة إلى المستعلي بن المستنصر). أما الفرقة الثانية فهي أشد شرًّا من كل ما سبق وهي فرقة النزارية، وهي المنتسبة إلى نزار بن المستنصر أخي المستعلي بن المستنصر، وهذه الطائفة ألغت الشعائر الدينية، وامتنعوا عن إقامة الفرائض، ومع ذلك ظلوا يدَّعون الإسلام، وهم الذين عرفوا في التاريخ باسم الباطنية، وهم يُظهِرون شيئًا ويبطنون أشياء أخرى، وكان من همِّهم الأكبر قتل علماء السُّنة ومجاهديهم، وسيكون لهم أثر سلبي شديد على حركات الجهاد التي تهدف إلى إخراج الصليبيين من أرض المسلمين، وكان هؤلاء الباطنية أهل حرب وحصون وقلاع، وبأس شديد في القتال، وكانوا يشنِّون حروب العصابات على القرى الآمنة، وعاثوا في الأرض فسادًا، وكانوا أشدَّ على المسلمين من الروم والصليبيين.
أما الطائفة التي كانت تحكم مصر في أواخر القرن الخامس الهجري، أيام قدوم الحملة الصليبية فكانت طائفة المستعلية الإسماعيلية، وكانوا قد فقدوا السيطرة تمامًا على مناطق شمال غرب إفريقيا، ولم يعُدْ لهم في ملكهم إلا مصر، وكانت لهم أطماع كبيرة في الشاموفلسطين؛ ولذلك فإنهم كانوا في حروب مستمرة مع السلاجقة السُّنة، ولم يكونوا يمانعون أبدًا في التحالف مع الروم البيزنطيين تارة، ومع الصليبيين أنفسهم تارة أخرى في سبيل القضاء على السلاجقة، واقتطاع جزء من أرض الشاموفلسطين.
لقد كان الوضع مؤسفًا حقًّا! وكان الجيش المصري آنذاك - وعماده في الأساس العبيديون الإسماعيلية - شوكةً في حلق الأمة الإسلامية، وظل كذلك فترة من الزمان حتى ظهر نور الدين محمودوصلاح الدين الأيوبي، كما سيتضح لنا من مجريات الأحداث بإذن الله.
إذن كانت هذه هي الحال في مناطق آسيا الصغرىوالشاموالعراقومصر، وكلها كما رأينا كان سيِّئًا لسبب أو لآخر، ولم يكن الحال في بقية أطراف العالم الإسلامي بأفضل من ذلك.
فقد كان الغزنويون يسيطرون على أفغانستانوالهند، ولكنهم - للأسف الشديد - كانوا قد دخلوا في وقت أفولهم، وبالتالي ضعفت قوتهم جدًّا عن نصرة بلاد الشام، فضلاً عن بُعد مسافاتهم عن هذه الأراضي.
وكانت اليمن مقسَّمة بين ثلاث طوائف هم: بنو نجاح، والصليحيون، وبنو زريع؛ وكانت الحروب بينهم مستمرة، وكان يغلب على معظمهم التشيُّع، وكانوا يدينون بالولاء للدولة العبيديّة في مصر.
وكانت تونس تحت حكم آل زيري، وكانوا أيضًا قد دخلوا في طور من الضعف؛ مما أدى إلى فَقْد ثغر من أعظم الثغور الإسلامية، وهي جزيرة صقلية، حيث استطاع الإيطاليون النورمانيون أن يسيطروا عليها تمامًا سنة (484هـ) 1091م، وزال نفوذ آل زيري عنها، وبالتبعية زال وجود المسلمين من الجزيرة بعد حكم دام مائتين وسبعين سنة متصلة[27].
أما المكان الوحيد الذي كان يشهد قوة إسلامية في ذلك الزمن، فكان بلاد المغرب العربي وغرب إفريقياوالأندلس؛ حيث كانت هذه المناطق تابعة لدولة المرابطين العظيمة تحت قيادة قائدهم الفذِّ يوسف بن تاشفين رحمه الله، وهو من أعظم القادة في تاريخ الإسلام، وهو الذي أنزل بالصليبيين القادمين من شمال إسبانياوفرنسا الهزيمة الساحقة في معركة الزَّلاَّقة سنة (479هـ) 1086م في وسط بلاد الأندلس.
وهذه الدولة الكبيرة - على قوتها - لم تكن تستطيع أن تساعد بلاد المشرق في حروبهم ضد الحملات الصليبية، لا لبُعد المسافة فقط ولكن لانشغالهم الشديد في حرب الصليبيين شمال الأندلس، والوثنيين في غرب إفريقيا ووسطها.
فهذه كانت نظرة عامة على بلاد العالم الإسلامي في أواخر القرن الخامس الهجري (أواخر القرن الحادي عشر الميلادي)، وهو الوضع الذي مهَّد لدخول الصليبيين إلى معاقلنا، وليس دخول الصليبيين - كما سنتبين - راجعًا إلى قوتهم، ولكنه يرجع في الأساس لضعفنا، وفرقة صفِّنا، وتشتت قوتنا، وبُعدنا عن ديننا، وهي عوامل مهلكة لا تخفى على لبيب، ولا ينكرها عاقل.
كان هذا هو وضع بلاد العالم الإسلامي قبيل الحروب الصليبية، فكيف كان وضع أوربا في هذه الآونة؟ هذا ما سنتعرف عليه في الفصل القادم.
..................
[1] ابن كثير: البداية والنهاية 11/266.
[2]Setton: A Hist of the Crusades, vol. l. pp. 85-86.
[3] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/6، 11-12، وابن كثير: البداية والنهاية 12/48.
[4] انظر: ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 126،125، وابن كثير: البداية والنهاية 12/50.
[5] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/323،322، وابن كثير: البداية والنهاية 12/66.
[6]Cam. Med. Hist., vol. 4. p. 304.
[7] ابن كثير: البداية والنهاية 12/90،89.
[8] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/389،388.
[9] انظر: ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/395.
[10]البخاري: كتاب الرقاق باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها (6061)، ومسلم: كتاب الزهد والرقائق (2961)، والترمذي (2462)، وابن ماجه (3995)، وأحمد (17273).
[11]النويري: نهاية الأرب 27/93.
[12] سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/90،89.
[13] انظر: ابن كثير: البداية والنهاية 12/150، 164، وابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص127.
[14]سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/96، وعماد الدين خليل: الإمارات الأرتقية في الجزيرة والشام ص66،65.
[15]ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/425،424.
[16]النويري: نهاية الأرب 27/93.
[17] انظر: سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان ص443.
[18]زامباور: معجم الأنساب والأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي ص215.
[19]Grousset: Hist. des Croisades l, L Vll – Llll.
[20]سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/100.
[21]lorga: L`Armenie Cilicienne, pp. 7-88.
[22]ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/294، وسبط ابن الجوزي: مرآة الزمان ص422.
[23]Chalandon: Hist. de la Premiere Croisad, p. 175.
[24]Setton, op cit l, p. 299.
[25] وهو الإمام السادس عند الشيعة.
[26]انظر أخبارهم في:الكامل في التاريخ لابن الأثير، والبداية والنهاية لابن كثير، والروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية لأبي شامة المقدسي.

الموضوع مقتبس من كتاب قصّة الحُروب الصّليبيّة.
|