
أقبل الفارس عائدا من رحلة صيد .... قد توشح قوسه وأطلق عنان فرسه . حتى إذا دنا من البيت الحرام ترجل إجلالا للكعبة , ثم انطلق متمهلا في شموخ وزهو .... وفي طريقه إلى بيته مر بأندية قريش يتلقى حيثما سار تحية الإعجاب بفتوته وفروسيته وازدهاه أن ترى قريش فيه : حمزة بن عبد المطلب الهاشمي . أعز فتى فيه وأشدها شكيمة ... . قرب الصفا استوقفته مولاة لعبد الله بن جدعان التيمي , فتمهل ملقيا إليها بعض سمعه , وفي ظنه أن الفتاة مأخوذة ببهاء فتوته . قال وهي تسدد إليه نظرة ثاقبة : - يا أبا عمارة , لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم بن هشام ؟ وجده هاهنا جالسا فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره , ثم انصرف لم يكلمه محمد صلى الله عليه وسلم . ولم يرد عليها الفارس بكلمة .
لوى عنان فرسه وقد احتمله الغضب , فلم يتوقف حتى بلغ البيت العتيق , ولمح أبا جهل بن هشام – هو أبو الحكم – جالسا هنالك بين القوم يتشدق بما آذى به محمد بن عبد الله . فشق حمزة طريقه إليه صامتا لا يتكلم إلى أن قام على رأسه فرفع قوسه وشجه بها شجة منكرة وهو يقول متحديا :
- أتشتم محمدا وأنا على دينه أقول ما يقول ؟ فرد ذلك علي إن استطعت . وغشي القوم دوار ما كادوا يفيقون منه حتى أدركوا أن السهم قد نفذ .
أسلم حمزة , وكان حتى تلك اللحظة على دين آبائه وعرفت قريش أن محمدا ازداد به عزا ومنعة , فلن يلبث حمزة أن يدخل المعترك بينه وبين المشركين فارسا لا يلحق به غبار , وأسدا لا يغلب . ص 67
وآوى حمزة إلى بيته فبات ليلته مؤرقا يدعو الله أن يشرح صدره للدين الجديد الذي أعلن دخوله فيه مدفوعا بمروءته وشهامته ونجدته . حتى تنفس الصبح فغدا حمزة إلى الكعبة فما استقبلها إلا وقد اطمأن قلبه وتفتح لنور الحق . وسعى من فوره إلى بيت أبن أخيه المصطفى صلى الله عليه وسلم فبايعه . ثم خاض معه معركته الباسلة , أسد الله وأسد رسوله صلى الله عليه وسلم . وبسيفه الصارم المنصور جندل رءوسا من طواغيت قريش يوم بدر , ومن بعده قاتل يوم أحد حتى اغتالته حربة غادرة سددها إليه " وحشي " بتحريض من " هند بنت عتبة زوج أبي سفيان بن حرب " .
ورقصت هند على مصرع الفارس البطل , وانتزعت كبده فلاكتها , وذهبت في تاريخ الإسلام بلقب آكلة الأكباد . وذهب الفارس البطل بلقب سيد الشهداء .... ص 68

مأخوذ من كتاب مَعَ المُصْطفى صَلى اللهُ عَليْه وَسَلم.
دكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ
أستاذ التفسير والدراسات العليا كلية الشريعة بجامعة القرويين.