
2013-01-20, 06:22 PM
|
 |
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
|
|
تاريخ التسجيل: 2011-01-05
المشاركات: 3,175
|
|
ثم تمضي في حب إطلاعك على قمة عهد بني أمية في انتشار الحضارة الإسلامية، فيهولك ما تعرض له هذا الزمن المجيد الأبي من طمس، فتطفو على سطح الكتب مغامرات يزيد بن عبد الملك وحكايات هشام بن عبد الملك التي يعوز معظمها التحقيق العلمي، بينما تغرق في قاع التناسي المتعمد أعمال عظمى غيرت مجرى التاريخ مثل فتح نربونة بجنوبي فرنسا (719م ) ثم أن مجدا أثيلا مثل بسط السلطان الإسلامي على كامل جنوب فرنسا لمدة ربع قرن يندثر تماما لكي تنفرد منه بالتعريف معركة بلاط الشهداء.. كما تندثر مناقب الدولة الأموية في دفع حركة التاريخ والحضارة باتجاه الحق والعدل لتنقل لنا كتب الرواة أخبار الشاعر عمر بن أبي ربيعة والوصلات الغنائية لمعبد والفريض وابن سريج وابن عائشة والأبجر [28].
من كتب تاريخ الأمويين؟
وإن هذا وغيره لكاف لجعل الغيارى من مؤرخي هذه الأمة يعيدون النظر في التاريخ المكتوب حول بني أمية...فيعملوا على إعادة تدوينه وفقا لرؤية شاملة بإمانة وموضوعية ومنهجية تاريخية صحيحة. وذلك من الأهمية بمكان لأن معرفة الماضي وسيلة لتطوير الحاضر، وتحسين المستقبل على النحو المشرق، الذي يرجى لهذه الأمة. ونحن لم نعرف بعد ماضي الأمويين على حقيقته، وإنما عرفنا الجزء المشوه منه.
وقد تكون الإشكالية الكبرى التي أدت إلى كل هذا هي أن تاريخ هذه الدولة الأبية الماجدة، كتب أغلبه في عهد الدولة العباسية، من قبل مؤرخين معظمهم كانوا تابعين أو متكسبين، أو كان قصدهم أن يسيئوا إلى سمعة بني أمية في نظر الجمهور الإسلامي، أو من قبل مؤرخين من الشيعة الناقمين على بني أمية.. والشيعة معروفون بالانحياز لأفكارهم وأهواءهم حتى في كتابة التاريخ. لقد سود مؤرخو الروافض وشيوخهم آلاف الصفحات بسب أفضل قرن عرفته البشرية، وصرفوا أوقاتهم وجهودهم لتشويه تاريخ المسلمين.
وليس القصد هاهنا أن ننتصر للأمويين فنسيء للعباسين ولا أن نشوه صورة الخلفاء العباسيين لكي نلمع صورة الخلفاء الأمويين. فالعباسيون ، ومثلهم الأمويون، فيهم الصالح والطالح والقوي والضعيف والمستقيم والفاسد، والظالم والجائر، وكلا الفريقين بشكل عام، مثلما لهم سلبيات كثيرة، لهم إيجابيات كثيرة، وكل من هؤلاء وأولئك بشر يخطئون ويصيبون ويحسنون ويسيئون، ويجري عليهم ما يجري على سائر البشر. ولكن مادام أن الأمويين لم يتسن لهم كتابة تاريخهم بأيديهم ولا كتب هذا التاريخ مؤرخون في بلاطهم أو تحت إشرافهم أو حتى في أثناء فترة خلافتهم، ومادام أن هذا التاريخ قد بدأ يكتب بعد استقرار الأمور للعباسيين، الذين صعدوا إلى سدة الحكم تؤازرهم قوة الموالي والعجم، وقامت دولتهم على أشلاء الأمويين وعلى أنقاض دولتهم. فحري بنا أن لا نتوقع من العباسيين والموالي والعجم، وهم أعداء الأمويين ومقوضي خلافتهم، أن ينتصروا للأمويين أو أن يكونوا موضوعيين أو حياديين في كتابة تاريخهم وتسجيل وقائعهم وأخبارهم، والتاريخ إنما يكتبه المنتصرون كما يقال. وهذا ما حدث بالفعل، لا سيما: مع اتخاذ الخليفة مؤرخه الخاص به، مما تجلى على سبيل المثال في التحاق ابن اسحق بالمنصور، والواقدي بالمأمون، والبلاذري بثلاثة من الخلفاء (المتوكّل والمنتصر والمستعين)، من دون الانتهاء بالزبير بن بكّار الذي صنّف لأبي أحمد الموفّق – أخي الخليفة المعتمد - الكتاب المعروف بـ(الأخبار الموفقيات . [29]( وتذكر المصادر أن الخلفاء العباسيين كانوا يتوقون دائماً إلى سماع تاريخ بني أمية وسير حياتهم، ويروى أن الرشيد طلب من الأصمعي أن يحدّثه عن الخليفة سليمان بن عبد الملك, فذكر الأصمعي في حديثه للرشيد أن سليمان كان نهماً في الأكل حتى أنه كان يجلس وتوضع بين يديه الخراف المشوية و(هي كما أخرجت من تنانيرها), فيريد أن يأخذ شيئاً منها، ولكن الحرارة تمنعه عن ذلك، (فيجعل يده على طرف جبته ويدخلها في جوف الخروف فيأخذ ما يريده منها، فقال الرشيد للأصمعي: (قاتلك الله, ما أعلمك بأخبارهم. اعلم أنه عرضت علي (ذخائر بني أمية ، فنظرت إلى ثياب مذهبة ثمينة وأكمامها (ودكة) بالدهن، فلم أدر ما ذلك حتى حدثتني بالحديث). ثم قال الرشيد:إلى بثياب سلمان، فأتي بها، فنظر إلى تلك الآثار فيها ظاهرة, فكساني منها حلة، وكان الأصمعي يخرج فيها أحيانا فيقول (هذه جبة سليمان التي كسانيها الرشيد [30].
كما أن هذا أيضا لا يمنع من وجود مؤرخين أو إخباريين متكسبين حاولوا إرضاء العباسيين وتبييض وجوههم، وكسب ودهم أو نيل عطاياهم وجوائزهم، أو إرضاء أي فريق آخر، على حساب تسويد وجوه الأمويين والتحامل عليهم. ناهيك عن بقية المؤرخين من أتباع الطائفة المخذولة كالمسعودي في مروج الذهب، كاليعقوبي، وابن طباطبا. أو من الموالي والعجم الذين قد يكونوا متأثرين بعصبيتهم الفارسية، كالطبري وأبي حنيفة الدينوري (فكلاهما فارسي). وقد أشار الأستاذ محب الدين الخطيب في حاشية العواصم إلى أن التدوين التاريخي إنما بدأ بعد الدولة الأموية، وكان للأصابع الباطنية والشعوبية المتلفعة برداء التشيع دور في طمس معالم الخير فيه وتسويد صفحاته الناصعة [انظر: العواصم من القواصم (الحاشية) ص:177] [31].
يتبع...
|