
2013-01-20, 06:23 PM
|
 |
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
|
|
تاريخ التسجيل: 2011-01-05
المشاركات: 3,175
|
|
يقول الدكتور حسين أحمد أمين، متحدثا عما نصحه به والده في طفولته حول الأحداث التاريخية التي ينبغي توخي الحيطة والحذر عند قرأتها في كتب المؤرخين، يقول: ثم ضرب لي أبي يومها أمثلة أخرى: كالحرب بين علي ومعاوية، وتاريخ الدولة الأموية كله، وهما ما لم يتعرض لهما من المصادر القديمة سوى مؤرخين كتبوا في ظل دولة العباسيين الذين أسقطوا حكم الأمويين، أو مؤرخين من الشيعة الناقمين على بني أمية... أما فيما يتعلق بتراجم شخصيات التاريخ الإسلامي، فقط يكفي أن نذكر في هذا الصدد الظلم الفادح في التراجم التي وصلتنا عن الحجاج بن يوسف الثقفي وزياد بن أبيه وعبيد الله بن زياد- وجميعهم من أعظم الإداريين في تاريخ البشرية- لا لشيء إلا لأن ميول كتابها كانت إما شيعية أو عباسية.. [32]
ونحن طبعا – مع هذا وذاك - لا نلغي وجود مؤرخين سواء في هذا العهد أو في العهود اللاحقة، حاولوا تسجيل تاريخ الأمويين بحيادية وموضوعية.
الأمويون وأهل البيت
ومن أبرز ما يشنع به على الأمويين مسألة لعن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه من فوق المنابر.. ويقولون أن ذلك كان سنة في عهدهم، قبل عمر بن عبد العزيز، ومنهم من يقول أن ذلك استمر خمسين سنة، ومنهم من يقول ثمانين سنة، بل ويزعمون أن الذي ابتدع ذلك هو سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما. وهي تهمة صار بتداولها كثير من المثقفين والكتاب في زمننا هذا، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء التحقيق في مصدرها بل صاروا يتمثلون بها وكأنها مسلمة من المسلمات. ولو أننا حققنا في هذه المسألة أو التهمة لوجدنا أنها تدخل في جملة حملة الافتراءات والشبهات التي أثيرت وتثار حول الأمويين وحول سيدنا معاوية رضي الله عنه من قبل الروافض المبطلين المتربصين وأشباههم، ومن قبل أعداء الإسلام الحاقدين من المستشرقين وتلامذتهم.
وقد تكفل المؤرخ الليبي الكبير الدكتور علي محمد الصلابي– بتفنيد هذه الشبهة بالأدلة والبراهين، وأوضح وأبان، فقال: تذكر كتب التاريخ أن الولاة من بني أمية قبل عمر بن عبد العزيز كانوا يشتمون علي.. وهذا الأثر الذي ذكره ابن سعد لا يصح، قال ابن سعد: فهذا الأثر واهٍ، فعلي بن محمد – رواي الأثر - هو المدائني فيه ضعف وشيخه لوط بن يحي، واهٍ بمرة، قال عنه يحي بن معين: ليس بثقة، وقال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال الدارقطني: أخباري ضعيف ووصفه في الميزان: أخبار تالف لا يوثق به، وعامة روايته عن الضعفاء والهلكى والمجاهيل، وقد اتهم الشيعة معاوية رضي الله عنه بحمل الناس على سب علي ولعنه فوق منابر المساجد، فهذه الدعوة لا أساس لها من الصحة، .. ولم يثبت قط في رواية صحيحة، ولا يعول على ما جاء في كتب الدميري، واليعقوبي وأبي الفرج الأصفهاني، علماً بأن التاريخ الصحيح يؤكد خلاف ما ذكره هؤلاء، من احترام وتقدير معاوية لأمير المؤمنين علي وأهل بيته الأطهار، فحكاية لعن علي على منابر بني أمية لا تتفق مع منطق الحوادث، ولا طبيعة المتخاصمين، فإذا رجعنا إلى الكتب التاريخية المعاصرة لبني أمية، فإننا لا نجد فيها ذكراً لشيء من ذلك أبداً، وإنما نجده في كتب المتأخرين الذين كتبوا تاريخهم في عصر بني العباس بقصد أن يسيئوا إلى سمعة بني أمية في نظر الجمهور الإسلامي، وقد كتب ذلك المسعودي في مروج الذهب وغيره من كتَّاب الشيعة وقد تسربت تلك الأكذوبة إلى كتب تاريخ أهل السنة ولا يوجد فيها رواية صحيحة صريحة، فهذه دعوة مفتقرة إلى صحة النقل، وسلامة السند من الجرح، والمتن من الاعتراض، ومعلوم وزن هذه الدعوة عند المحققين والباحثين، ومعاوية رضي الله عنه بعيد عن مثل هذه التهم بما ثبت من فضله في الدين، وكان محمود السيرة في الأمة، أثنى عليه بعض الصحابة ومدحه خيار التابعين، وشهدوا له بالدين والعلم، والعدل والحلم، وسائر خصال الخير . وقد ثبت هذا في حق معاوية ـ رضي الله عنه ـ كما أنه من أبعد المحال على من كانت هذه سيرته، أن يحمل الناس على لعن علي رضي الله عنه على المنابر وهو من هو في الفضل، ومن علم سيرة معاوية ـ رضي الله عنه في الملك، وما اشتهر به من الحلم والصفح، وحسن السياسة للرعية ظهر له أن ذلك من أكبر الكذب عليه، فقد بلغ معاوية ـ رضي الله عنه في الحلم مضرب الأمثال، وقدوة الأجيال.. [33]
وأنا هنا لست بصدد تنزيه بني أمية، ولا أقول أن سيرتهم نسيج خالص من الفضائل، ولا أزكيهم على الله، وإنما أحسبهم كذلك، والله حسيبهم.
وعلى أي حال: " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يعملون ") البقرة:134)، وسئل عمر بن عبد العزيز عن علي وعثمان وصفين وما كان بينهما فقال: تلك دماء كف الله يدي عنها وأنا أكره أن أغمس لساني فيها. " وغاية الأمر أن الباقي لنا من كل ذلك الاستفادة مما كان. فالعاقل كل همه أن يتعلم ويفهم، لا أن يحقد على قوم لم تبق منهم باقية" كما قال أحد العلماء.
وأن الأشرار – كما قال الإمام الغزالي رحمه الله – " لا يظنون بالناس كلهم إلا الشر فمهما رأيت إنسانا يسيء الظن بالناس طالبا للعيوب فأعلم أنه خبيث في الباطن وأن ذلك خبثه يترشح منه وإنما رأى غيره من حيث هو. فإن المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب العيوب والمؤمن سليم الصدر في حق كافة الخلق [34]".
إن السر المحتوم في القرآن هو أن نعتبر بالماضي وأن نتدبر حركة التاريخ ونـأمل الأسباب ونربط بينها وبين النتائج ولذلك نؤمل أن نعتمد التاريخ الصحيح للحضارة الإسلامية لا أن نعتمد التاريخ المحرف الذي وصلنا أغلبه عن طريق رواة الآداب وهم صناع أساطير ومثل من يأخذ عنهم اليوم كمثل من سيأخذ بعد ألف سنة عن أجهزة أعلام الغرب الراهنة لدراسة الإسلام في القرن العشرين [35].
منقول للاستفادة.
|