قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس - ثم جرت دموعه على خديه - اشتد برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرضه ووجعه فقال: إيتوني بدواة وبيضاء أكتب لكم كتابًا لا تضلون بعدي أبدًا.
فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبي تنازع - فقالوا: إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يهجر.
فجعلوا يعيدون عليه فقال: دعوني فما أنا فيه خيرٌ مما تدعونني إليه.
فأوصى بثلاث: أن يخرج المشركون من جزيرة العرب وأن يجاز الوفد بنحو مما كان يجيزهم. وسكت عن الثالثة عمدًا أو قال: نسيتها.
وخرج علي بن أبي طالب من عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مرضه.
فقال الناس: كيف أصبح رسول الله قال: أصبح بحمد الله بارئًا.
فأخذ بيده العباس فقال: أنت بعد ثلاث عبد العصا وإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سيتوفى في مرضه هذا وإني لأعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب فاذهب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاسأله فيمن يكون هذا الأمر فإن كان فينا علمناه وإن كان في غيرنا أمره أوصى بنا.
فقال علي: لئن سألناها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فمنعناها لا يعطيناها الناس أبدًا والله لا أسألها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبدًا.
قال: فما اشتد الضحى حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قالت عائشة: قالت أسماء بنت عميس: ما وجعه إلا ذات الجنب فلو لددتموه ففعلوا.
فلما أفاق قال: لم فعلتم هذا قالوا: ظننا أن بك ذات الجنب: قال: لم يكن الله ليسلطها علي.
ثم قال: لا تبقن أحدًا لددتموه إلا عمي وكان العباس حاضرًا ففعلوا.
قال أسامة:لما ثقل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هبطت أنا ومن معي إلى المدينة فدخلنا عليه وقد صمت فلا يتكلم فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها علي فعلمت أنه يدعو لي.
قالت عائشة: وكنت أسمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول كثيرًا: إن الله لم يقبض نبيًا حتى يخيره.
قالت: فلما احتضر كان آخر كلمة سمعتها منه وهو يقول: بل الرفيق الأعلى.
قالت: قلت: إذًا والله لا يختارنا وعلمت أنه تخير.
ولما اشتد مرضه أذنه بلال بالصلاة فقال: مروا أبا بكر يصلي بالناس.
قالت عائشة: فقلت: إنه رجل رقيق وإنه متى يقوم مقامك لا يطيق ذلك.
فقال: مروا أبا بكر فيصلي بالناس.فقلت مثل ذلك فغضب وقال: إنكن صواحب يوسف مروا أبا بكر يصلي بالناس.
فتقدم أبو بكر فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خفة فخرج بين رجلين فلما دنا من أبي بكر تأخر أبو بكر فأشار إليه أن قم مقامك فقعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصلي إلى جنب أبي بكر جالسًا فكان أبو بكر يصلي بصلاة النبي والناس يصلون بصلاة أبي بكر وصلى أبو بكر بالناس سبع عشرة صلاة وقيل: ثلاثة أيام.
ثم إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خرج في اليوم الذي توفي فيه إلى الناس في صلاة الصبح فكاد الناس يفتتنون في صلاتهم فرحًا برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتبسم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فرحًا لما رأى من هيئتهم في الصلاة ثم رجع وانصرف الناس وهم يظنون أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أفاق من وجعه ورجع أبو بكر إلى منزله بالسنح.
قالت عائشة: رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يموت وعنده قدح فيه ماء يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: اللهم أعني على سكرات الموت.
قال: ثم دخل بعض آل أبي بكر وفي يده سواك فنظر إليه نظرًا عرفت أنه يريده فأخذت فلينته ثم ناولته إياه فاستن به ثم وضعه ثم ثفل في حجري قالت: فذهبت أنظر في وجهه وإذا بصره قد شخص وهو يقول: بل الرفيق الأعلى فقبض قالت: توفي وهو بين سحري ونحري وحداثة سني أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبض في حجري فوضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي.
ولما اشتد برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجعه ونزل به الموت جعل يأخذ الماء بيده ويجعله على وجهه ويقول: واكرباه! فتقول فاطمة: واكربي لكربك يا أبتي! فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لا كرب على أبيك بعد اليوم فلما رأى شدة جزعها استدناها وسارها فبكت ثم سارها الثانية فضحكت فلما توفي رسول الله سألتها عائشة عن ذلك قالت: أخبرني أنه ميت فبكيت ثم أخبرني أني أول أهله لحوقًا به فضحكت.
وروي عنها أنها قالت: ثم سارني الثاني وأخبرني أني سيدة نساء أهل الجنة فضحكت.
وكان موته يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ودفن من الغد نصف النهار وقيل: مات نصف النهار يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الأول.
ولما توفي كان أبو بكر بمنزله بالسنح وعمر حاضر فلما توفي قام عمر فقال: إن رجالًا من المنافقين يزعمون أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ توفي وإنه والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى ابن عمران والله ليرجعن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه مات.
وأقبل أبو بكر وعمر يكلم الناس فدخل على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو مسجىًّ في ناحية البيت فكشف عن وجهه ثم قبله وقال: بأبي أنت وأمي طبت حيًا وميتًا أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها.
ثم رد الثوب على وجهه ثم خرج وعمر يكلم الناس فأمره بالسكوت فأبى فأقبل أبو بكر على الناس فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم تلا هذه الآية: «وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين» «آل عمران: 144» . النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
قال: فوالله لكأن الناس ما سمعوها إلا منه.
قال عمر: فوالله ما هو إلا إذ سمعتها فعقرت حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي وقد علمت أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد مات.
ولما توفي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ووصل خبره إلى مكة وعامله عليها عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية استخفى عتاب وارتجت مكة وكاد أهلها يرتدون فقام سهيل بن عمرو على باب الكعبة وصاح بهم فاجتمعوا إليه فقال: يا أهل مكة لا تكونوا آخر من أسلم وأول من ارتد والله ليتمن الله هذا الأمر كما ذكر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلقد ررأيته قائمًا مقامي هذا وحده وهو يقول: قولوا معي لا إله إلا الله تدن لكم العرب وتؤد إليكم العجم الجزية والله لتنفقن كنوز كسرى وقيصر في سبيل الله فمن بين مستهزىء ومصدق فكان ما رأيتم والله ليكونن الباقي.
فامتنع الناس من الردة.
وهذا المقام الذي قاله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما أسر سهيل بن عمرو في بدر لعمر بن الخطاب وقد ذكر هناك.
يتبع...