ثالثًا: الباعث السياسي:
وهذا الباعث الذي يهدف إلى توسيع النفوذ وقهر المنافسين، كان باعثًا رئيسيًّا عند البابا أوربان الثاني شخصيًّا، وكذلك عند ملوك أوربا، وهؤلاء الملوك لم يكن طموحهم يقف عند شيء، وكانت قوة كل ملك فيهم ترتبط بالمساحة التي يسيطر عليها، وهذا دفعهم بعد ذلك للمشاركة بقوة في الحملات الصليبية عندما شاهدوا النجاحات التي حققتها الحملة الأولى.
كما أن ملوك أوربا كانوا يرون أن الدولة البيزنطية دخلت طورًا واضحًا من أطوار الضعف، ولو سقطت فإن هذا يعني فتح الباب الشرقي لأوربا لقوات المسلمين العسكرية، سواء من السلاجقة أو من غيرهم، وهذا قد يضعهم بين فكي كماشة، أي المسلمين القادمين من الشرق والمسلمين في أرض الأندلس؛ لذلك رأينا أنه برغم التباطُؤ الذي رأيناه من الملوك في بداية الحملات إلا أنهم تسارعوا بعد ذلك للمشاركة، بل ذهب بعضهم بنفسه إلى أرض فلسطين أو مصر على قيادة جيوشه.
رابعًا: الباعث الاجتماعي:
مرَّ بنا عند الحديث عن الحالة في أوربا قبيل الحروب الصليبية، الحالةُ المزرية التي كان يعيشها الفلاحون والعبيد في أوربا؛ ففضلاً عن قلة الأقوات وانعدام الطعام والشراب، كانت المعاملة في غاية السوء، ولم يكن لهم حقوق بالمرَّة، بل كانوا يباعون مع الأرض، ولا يسمح لهم بأي نوع من الملكية، والإنسان قد يصبر على الجوع أحيانًا لكن الامتهان النفسي والأذى المعنوي، قد يكون أشد ألمًا من الجوع والعطش؛ ولذلك رأى العوام الفلاحون في أوربا أن هذه فرصة لتغيير نظام حياتهم، والخروج المحتمل من قيود العبودية المذلَّة؛ ولذلك خرج الفلاحون بنسائهم وأولادهم، وحملوا معهم متاعهم القليل البسيط، لقد كان خروجًا بلا عودة، وتغييرًا كاملاً للأوضاع، وثورة حقيقية على حياة التعاسة والاستغلال؛ لذلك سنرى أثناء الأحداث أن هذه الجموع البائسة ما صبرت حتى تكتمل الجيوش وتنتظم، بل خرجت بمفردها مسرعة، وكأنها تهرب من أسرٍ طويل!
ولقد شارك هؤلاء البائسين فريقٌ آخر من المجرمين والخارجين على القانون الذين كانوا يعانون أحكامًا قضائية أو مهددين بذلك، وقد وجدوا الخروج ليس فرصة للنجاة من الأحكام وحسب، ولكنه فرصة أيضًا لمزاولة السلب والنهب والقتل والاغتصاب كما اعتادوا ذلك في حياتهم؛ وهذا سيعطي الحملات الصليبية صبغة إجرامية لا يمكن تجاهلها أبدًا.
كانت هذه هي البواعث التي من أجلها تحركت أوربا لغزو العالم الإسلامي، والسيطرة على أرضه ومقدراته وشعوبه.
تُرى عن أي شيءٍ أسفرت هذه الجهود والإعدادات؟ وكيف كانت الصورة عندما خرجت أول الجموع إلى الشام؟ وماذا فعلت هذه الجيوش الكثيفة مع ملك القسطنطينية قبل أن تعبر إلى أراضي المسلمين؟ هذا ما سنعرفه في الفصل القادم بإذن الله.
[1]محمد مؤنس: الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص65،63.
[2]محمد مؤنس: الحروب الصليبية العلاقات بين الشرق والغرب ص66.
[3]Vasiliev: op. l, p. 358.
[4]انظر نص الخطاب في: AOL, tom. ll, pp. 101-105
وأيضًا انظر: قاسم عبده قاسم: الخلفية الأيدلوجية ص116،115، وعن حقيقة المساعدة العسكرية التي طلبها ألكسيوس من البابا انظر: Duncalf, "The Councils", pp. 227-228.
[5]ول ديورانت: قصة الحضارة 15/16،15، وقاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبية ص85،Chalandon: Hist. de la Premiere Croisade, p.p. 44 – 45.
[6]Runciman: op. cit. 1, p.p. 108 – 109.
[7]Michaud: op cit. Tome 1, p.p. 105 – 106.
[8] Fulcher de Chartres, pp. 67; Baudri, pp. 14-15; Guibert le de Nogent, p. 11.
[9] Fulcher de Chartres, pp. 65-66; Robert le Moin. pp.2-3.
[10] Chalandon: Hist. de la Premiere Croisade. p.p. 37-41.
[11] Vasiliev, op. cit., 1, p. 356.
[12]قاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبية ص70.
[13] انظر رواية روبير الراهب الذي كان من بين حضور مجمع كليرمون:
Robert de Rheims, "Historia lherosolimitana", RHC, Occ., 111,pp.727-30.
[14]تقع في جنوب فرنسا، على بُعد 330 كيلو مترًا تقريبًا من باريس.
[15]H. Hagenmeyer, "Chronologi de la Premiere Croisade 1094-1100", ROL V1, p. 225.
وعن الجولة التي قام بها البابا في الجنوب الفرنسي، وإعداده لمجمع كليرمون، انظر:
Dunculf, "The Councils of piacenza and Clermont", in Setton, vol. 1, pp. 234-237.
[16]Fulcher de Chartres, pp. 65-66; Robert le Moin. Pp.2-3.
وأفضل دراسة لخطبة البابا في كليرمون قام بها مونرو، عن طريق مقارنة نصوص المؤرخين اللذين أوردوها، انظر:
D.C.Munro, "The Speech of Pope Urban ll at Clemont", pp. 231-242.
[17]Robert le Noin, p. 4: Baudri de Bourgueil, p.7: William of Tyre, vol. 1, p. 39.
[18]إنجيل لوقا 14: 27.
[19]Fulcher de Charts, pp. 61-63.
[20] Chalandon: Hist. de la Premiere Croisade. p.p. 37-41.
[21]Fulcher de Charts, pp. 65-66.
[22] Fulcher de Chartres, p. 67; Baudri, pp. 14-15; Guibert de nogent, p. 11.
[23]Mayer, The Crusades, pp. 41-42; Runciman, A Hist. 1, p. 109.
[24] Thompson: op. cit., vol. 1, p. 302.
[25] Robert le Moin, pp. 4-5; Fulcher de Charts, p. 68.
[26] Riley – Smith op, cit, pp. 39-40.
[27] قاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبية ص110، الحملة الصليبية الأولى نصوص ووثائق تاريخية ص17.
[28] Mayer, The Crusades, pp. 41-42; Runciman, A Hist. 1, p. 109.
[29] Cam. Med. Hist. vol. 5 p. 273.
[30]Runciman, A Hist. of the Crusades, 1, pp. 108-109; Maver, The Crusades, pp. 42-43.
[31] Grouset: Hist. des Croisades, 1, p. 50
[32]Michaud: op. cit. Tome 1, p.p. 105-106.
[33] عن حملة بطرس الناسك وأحداثها التفصيلية، انظر:
Albert D`Aix, in Peters (ed.), The First Crusade, pp. 96-99; William of Tyre, 1, pp. 99-106; Chronique de Zimmern, A OL, ll, pp. 23-24; Anna Comnena, Alexiade, pp. 310-311; Runciman, A Hist. of the crusades, 1, pp. 123-127; Duncalf, "Clermont to Constantinople:, p. 260-262.
[34]Vasiliv: op. cit., vol ll, p. 404.
[35] قاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبية ص108.
[36] Michel Le Syrien: (Rec. Hist. Cr Doc. Arm), 1. p. 372.
[37] Cam. Med. Hist. vol. 5, p. 273.
[38]Heyd. : Hist. du Commerce 1, p. 133; Setton: op. cit, 1, p. 252.
[39] Hagenmeyer, "Chronologin", ROL, V1, pp. 224-225, p. 226,243; AOL, 1, pp. 109-110,116,119.
[40] Runciman: op. cit. 1, p. 112.
[41] Runciman: op. cit. 1, p.p. 108-109.
[42]سعيد عاشور الحركة الصليبية 1/30.
[43]Vasiliev: Byzantine Empire p.393.
[44]Thomson: Economic& Social history of the middle age vol. 1.p.391.
[45]Thomson: Economic& Social history of the middle age vol. 1.p.385.
[46] William of Tyre, 1, p. 105-106, Hagenmeyer, "Chronologie", p. 243, 245-246; Anna Comnena, Alexiade, pp. 311
[47] سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/36.
[48]سعيد عاشور: أوربا في العصور الوسطى 2/263.
[49]Heyd: Hist su commerce I, 132- 133.
[50] سعيد عاشور:الحركة الصليبية ص33، 34.
مأخوذ من كتاب قصّة الحُروب الصّليبيّة.
|