عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 2013-03-22, 12:18 PM
الصورة الرمزية أبو عادل
أبو عادل أبو عادل غير متواجد حالياً
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2011-01-05
المشاركات: 3,175
أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل
افتراضي

النقلة التي أحدثها صلى الله عليه وسلم
إن سمات وخصائص هذه السيرة، بل مما يثير العجب فيها أن هذه النوعية -أعني بهم الصحابة جيل محمد صلى الله عليه وسلم ورجاله وأصحابه- قد استخرجها الله تعالى بهذا النبي من أوحال الكفر وظلمات الجاهلية، وأحياهم الله تعالى به بعد أن كانوا في عداد الموتى، لقد كانوا أمة في الحضيض في قيمها بل وفي تصوراتها وسلوكها، وسألمح لكم نماذجاً تكشف عن هذا الضياع وهذا الانحراف وهذا التيه الذي وجده محمد صلى الله عليه وسلم.فبنو حنيفة حي من أحياء العرب، وقد روى ابن قتيبة في معارفه وهو يشير إلى ضحالة وإلى خرافة أديان العرب وإلى تفاهة ما كانوا عليه في المعتقد، يقول عن بني حنيفة: إنهم اتخذوا صنماً من حيس فعبدوه دهراً طويلاً ثم أصابتهم مجاعة فأكلوه، فقال رجل من بني تميم يعيرهم بذلك: أكلت حنيفة ربها من جوع قديم ومن اعواجوقال آخر فيهم: أكلت حنيفة ربها زمن التقحم والمجاعةلم يحذروا من ربهم سوا العواقب والتباعةأما وفد سليم، وما أدراك ما وفد سليم؟! فقد روى ابن سعد في طبقاته خبراً عجيباً وهو يذكر وفادة سُلَيم، وجاء في الخبر أنه كان من ضمن الوفد رجل يسمى راشد بن عبد ربه وهذه تسمية من النبي صلى الله عليه وسلم أسلم الوفد وبات هذا الرجل وهو راشد بن عبد ربه يقص على النبي صلى الله عليه وسلم بعضاً من أخبارهم في بني سليم، ويقول: يا نبي الله كنت سادن صنمٍ لبني سليم، يعني: يحرسه ويحفظه وما إلى ذلك، يقول: فرأيت يوماً ثعلبين يبولان عليه، فقلت:أربٌّ يبول الثعلبان برأسه؟!لقد ذل من بالت عليه الثعالبُيقول: ثم شددت عليه فكسرته، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره خبره، وقال: ما اسمك؟ قال: غاوي بن عبد العزى -وانظروا إلى الانتكاس حتى في الأسماء- اسمه غاوي بن عبد العزى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بل أنت راشد بن عبد ربه، فأسلم وحسن إسلامه وشهد الفتوح، وقال فيه النبي: {خير بني سليم راشد}.
عموم الرسالة المحمدية وختمها للرسالات
الخاصية الثالثة: أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم رسالة خاتمة وعامة، وهذه خاصية للنبي صلى الله عليه وسلم، فرسالته عليه الصلاة والسلام هي خاتمة الرسالات، وقد أكمل الله بها الدين وأتم بها النعمة على العالمين، ومع كونها خاتمة انقطع الوحي من السماء بموت صاحبها عليه أفضل الصلاة والسلام، فهي كذلك عامة لكل زمان ومكان، ومكلَّف بها الإنس والجان، وهذا العموم والشمول لا يوجد في سيرة الأنبياء قبله، إذ كان النبي يبعث إلى قومه خاصة في إطار زمني ومكاني محددين، ومع ذلك تقف حدود رسالته بموته، بل أُخِذَ العهد على كل نبي إن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه كما سيأتي بيان ذلك.
بقاء الدلائل والمعجزات النبوية
رابعاً: من خصائص سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بقاء دلائل نبوته، فقد أعطى الله كل نبي من الأنبياء أموراً خارقة للعادة تؤكد نبوتهم، وتدعو الناس للإيمان بهم وبرسالتهم، والتصديق بما جاءوا به من عند الله، فأعطى الله تعالى صالحاً الناقة، وسخر مع داود الجبال يسبحن والطير، ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر، وآتى موسى تسع آيات بينات، آمن السحرة حين رأوا بعضها، ومكن عيسى عليه السلام من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله تعالى، إلى غير ذلك من دلائل النبوة.لكن هذه الآيات كانت وقتية ذهبت آثارها مع الذين رأوها، ولم تبق الآيات شاهداً حياً تراه الأجيال المتلاحقة كدليل على نبوة هؤلاء المرسلين، هذا في حق أنبياء الله ورسله السابقين.أما في حق النبي صلى الله عليه وسلم فالأمر مختلف جداً؛ فقد كان من أعظم دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم، بل هو المعجزة الخالدة لهذا النبي العظيم، والقرآن شاهد حي منذ نـزل وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وعلى الرغم من محاولات التحريف والتأويل التي تعاقبت عليها أيدي البشر جيلاً بعد جيل، فما يزال كتاب الله يتحدى البشر، بل ويعترفون بتحديهم وعجزهم عن التحريف فيه.فهذا القرآن معجز ودليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لما يحويه من آيات الإعجاز العقلية والعلمية، فضلاً عن إخباره عن الأمم الغابرة، وحديثه عن المغيبات، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: {ما من نبي إلا وقد أوتي ما على مثله آمن البشر، أما الذي أوتيته أنا فهو وحي من السماء} كما روى ذلك البخاري في صحيحه.ولهذا فمن يقرأ القرآن الكريم في زماننا هذا يدرك كما أدرك من سبقه، أن هذا القرآن الكريم لا يمكن أن يكون من عند محمد صلى الله عليه وسلم بل هو من عند الله، هذا فضلاً عن دلائل نبوته الأخرى، كالإسراء والمعراج وانشقاق القمر وحنين الجذع ونحوها، وإنما أكدت على القرآن الكريم لبقائه معجزاً إلى هذا اليوم، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
صحة المصادر وتكاملها
أولاً: الصدق والتكامل في مصادرها؛ وإذا كان القرآن الكريم أول مصدر لهذه السيرة فهو نموذج للصدق والحفظ من الزيادة والنقصان، قال الله تعالى إِنَّا نَحْنُ نـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] ويتضح الفرق حين المقارنة بين القرآن الكريم وبين سائر الكتب المنـزلة قبله كالتوراة والإنجيل، والتي لم تعد صالحة للاعتماد نظراً لما شابها من التحريف، ولو لم يحفظ القرآن، لنا نبذاً من سير الأنبياء السابقين وكذا نصوص السنة الصحيحة لم يبق شيء يعتمد عليه ويوثق به في معرفة سيرهم.أما سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فما لم نجده في القرآن الكريم نجده في السنة النبوية، وما لم تحط به كتب السنة نجد كتب السيرة قد أحاطت به وفصلت القول فيه، ومع كون هذه النصوص في كتب السيرة تشمل نصوصاً قد لا تثبت أمام النقد، فبإمكاننا أن نجمع من هذه النصوص مادةً نكتب بها عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بدقيقها وجليلها وبروايات موثقة لا مطعن فيها.أما النصوص التي تروي أخبار المرسلين السابقين فيما عدا القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، فيغلب عليها الإسرائيليات وتكثر فيها الاختلافات، ليس ذلك محض افتراء أيها الإخوة، وليس ذلك تزيداً أو افتراءً أو جنايةً على الكتب المتقدمة، بل هو الواقع نشهد به نحن، ويشهد به أرباب الديانات المحرفة كذلك. وأسوق لكم نصاً من رجل نصراني يعترف بهذه الحقيقة، ويقول: إنه لم يكن يعرف إلا حوالي خمسين يوماً من حياة المسيح عليه السلام، فأين بقية أيام المسيح، بل يعترف صراحة حينما يقول، وهو القس الدكتور كارلوس أندرسون يقول في مقال نشره في دائرة المعارف البريطانية: ينبغي أن يتنازل الإنسان عن محاولة وضع كتاب في سيرة المسيح بكل صراحة، فإنه لا وجود للمادة والمعلومات التي تساعد على تحقيق هذا الغرض، والأيام التي توجد عنها بعض المعلومات لا يزيد عددها على خمسين يوماً.إذاً ليس بمقدورنا أن نكتب سيرة عن المسيح عليه السلام، وإذا كان هذا آخر أنبياء بني إسرائيل، وليس بمقدورنا أن نكتب عنه السيرة، فإن من مضى من أنبياء الله ورسله من باب أولى وأحرى؛ لأنه كلما تقادم العهد كلما كثر التحريف والتأويل والانتحال.
الشمول في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم
الخاصية الثانية التي تمتاز بها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بعد تكامل مصادرها: الشمول في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه النسخ التي نجدها عن المرسلين السابقين على الرغم من قلتها لا نجد فيها وصفاً شاملاً وجامعاً لمراحل حياتهم، وتفصيلاً كاملاً لمواقفهم مع أممهم، الأمر الذي نجد عكسه في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حيث يمكن للمطلع عليها الوقوف على مولده، ونشأته، وحياته قبل البعثة -أعني محمداً صلى الله عليه وسلم- وكيف بعث؟ وموقف قومه من بعثته، وهجرته، ودعوته، وبناء دولته، وتربية أصحابه... إلى غير ذلك من الأمور التي يتعذر معرفتها في بقية أنبياء الله ورسله عليهم السلام، وليس ذلك بقادح فيهم، ولكنها حكمة الله جلت قدرته جعلت سيرة هذا النبي المصطفى تحفظ؛ فهو آخر الأنبياء والمرسلين.بل إن الشمول في سيرته عليه الصلاة والسلام يمتد ليغطي مناحي الحياة كلها، فيخرج المطلع عليها بتصور كامل عن النواحي العبادية وأمور المعاملة، وتتسع هذه السيرة المحمدية لتشمل الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية وغيرها، بل إن الشمول في سيرته صلى الله عليه وسلم يعني كذلك اهتمامها بأمر الدنيا والآخرة.
يتبع...
__________________








رد مع اقتباس