
2013-03-22, 12:34 PM
|
 |
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
|
|
تاريخ التسجيل: 2011-01-05
المشاركات: 3,175
|
|
أهداف دراسة السيرة النبوية
لا شك أن هناك فرقاً بين أن ندرس سيرة عظيم من العظماء أياً كانت هذه العظمة، وبين دراستنا لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا ينبغي علينا ونحن نقرأ السيرة أن نضع في حسباننا أننا لا نقرؤها لمجرد المعرفة الباردة، أو التسلي بأحداثها المختلفة، لمجرد زيادة رصيد المعرفة، بل علينا أن تكون الأهداف واضحة في أذهاننا؛ حتى نستمتع بقراءتها، ونستفيد من عبرها ودروسها، وبغير هذه النظرة لا نستفيد من هذه السيرة، بل ربما أغلقت نصوصها أمام ناظرينا. وأذكر هنا بعضاً من أهداف دراسة السيرة، عساها أن تكون مفتاحاً للطريق:
إزالة الخلاف والتقريب بين وجهات النظر
أما الأمر الأخير والمهم في دراسة السيرة فهو أنها مادة للاجتماع وأسلوب للتقارب الحق بين المسلمين المختلفين، والواقع يشهد أنه لم يحدث أن اجتمعت كلمة المسلمين في بقاع الأرض على مذهب من المذاهب، أو حزب من الأحزاب، أو على كتب ومؤلفات عالم من العلماء، ولكنهم اجتمعوا واتحدوا على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم سلفاً ويمكن أن يتحدوا خلفاً على ذلك.وهذا يستدعي قراءة السيرة النبوية وتحقيقها ليجتمع المسلمون على كلمة سواء، واجتماع المسلمين هدف جليل ينبغي أن يُسْعَى له، وينبغي أن يُفَكِّر في وسائله، وينبغي أن يفكر كذلك في الأمور المعينة عليه، وفي ظني أن فقه السيرة النبوية مدخل أساسي، ووسيلة مهمة لجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى.أسأل الله أن يجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى، وأن يؤلف قلوبهم وأن يصلح ذات بينهم، وأن ينصرهم على عدوهم وعدوه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأعتذر عن إعطاء هذا الموضوع حقه، فثمة إشارات ينبغي أن يتحدث بها لمن يريد أن يفي الموضوع حقه، لكنني أكتفي بهذه العجالة تقديراً للزمن واعترافاً بالتقصير، وأسأل الله تعالى أن ينفعني وإياكم بما نسمع، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
توضيح المنهجية الإسلامية
نحن نحتاج إلى دراسة السيرة في كل أحوالنا، في حالة السراء وفي حال الضراء وفي حال النصر أو حال الهزيمة، في حال الضعف أو حال القوة.إن الأمة أيها الإخوة حينما تمر بمرحلة ضعف فلا منقذ لها إلا الاعتصام بالكتاب والسنة، والتزام شرع الإسلام منهجاً ودليلاً، وهل السيرة النبوية إلا منهج لهذا وذاك؟! وحين تبصر الأمة حائرة مترددة تلتفت هنا مرة وهناك أخرى، فاعلم أن علتها غياب المنهج والجهل بسيرة النبي المعلم صلى الله عليه وسلم.واعلم أن حاجتها إلى هذه السيرة العطرة أشد من حاجتها إلى الطعام والشراب، ومن هنا تأتي أهمية دراسة السيرة في حالة غياب الأمة وأفول نجمها، لتكون معلماً تهتدي به في حوالك الظلمة، وإذا كانت حاجتها إلى السيرة في هذه المرحلة مهمة -أعني مرحلة الضعف والهوان- فحاجة الأمة إلى السيرة النبوية في حال النصر والتمكين أشد، إذ ليس الهدف من النصر والتمكين مجرد الاستعلاء أو التكبر والبطر، كلا! فالهدف استخراج العباد من عبودية بعضهم لبعض إلى عبودية رب العالمين، ونقلهم من وضع مهين مزرٍ إلى وضع يستشعرون معه الراحة والسعادة والأمن والطمأنينة والأمان.هدف المسلمين تحقيق العدالة وتمكين شرع الله وإزالة الظلم، وكل هذا وذاك لا يمكن أن يكون لقوم يجهلون سيرة النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه.معاشر الإخوة؛ إننا اليوم -ونحن نستشف بوادر النصر والتمكين لهذا الدين- مدعوون لقراءة سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، حتى يُحكم الناس بالعدل والقسط، وحتى تكون القيادة راشدة والمنهج سليماً، وثمة أمر آخر يؤكد أهمية دراسة السيرة، فالباحثون في التربية والاجتماع والسياسة والاقتصاد ونحوها من العلوم، عادوا يعترفون أنهم بعد جهد كبير ومشوار طويل في دراسة النظريات واستيعاب الطروحات، عادوا يعترفون بكون السيرة النبوية منهلاً عذباً يردون فيه فيجدون بغيتهم، ومورداً زلالاً يروي ظمأهم، بل إن العسكريين وهم يخططون لمعارك اليوم لا يجدون غُنْيَةً عن تجربة الرسول صلى الله عليه وسلم العسكرية، فضلاً عن أهل الإدارة والتخطيط، وهذا وذاك يحتم دراسة السيرة النبوية وفهمها.
توضيح المجمل في القرآن
رابعاً: توضيح المجمل في القرآن: فمن أهداف دراسة في السيرة أنها توضح ما أجمله القرآن الكريم من إثارات قد لا يفهم المقصود منها إلا بالرجوع إلى أحداث السيرة، وفي السيرة تحديد للإطار العام للآيات القرآنية ومواضع نـزولها ومواقع دلالتها، وبهذا نفهم المقصود بآياته، ويستفاد من توجيهاته.فالآيات مثلاً في أسرى بدر يصعب فهمها وإدراك دلالتها دون الرجوع إلى أحداث السيرة، وهكذا الشأن في آيات غزوة أحد حين وقعت الهزيمة، ومثل ذلك يقال في توجيهات القرآن حول النفاق والمنافقين، وحول أهل الكتاب والمشركين.. إلى غير ذلك، بل نستطيع من خلال معرفتنا بأحداث السيرة تحديد الآيات الناسخة والمنسوخة، وهي قضية يترتب عليها كثير من الأحكام الشرعية، والأمر كذلك بالنسبة للأحاديث النبوية، حيث تعين دراستنا للسيرة على معرفة زمن القول وظروفه، وهو ما يسمى ببيان أسباب ورود الحديث.
تحقيق وحدة الأمة
خامساً: وحدة الأمة وعدم التنازع: وهذا هدف سام وجليل من أهداف دراسة السيرة، فمعرفتنا بمراحل الدعوة وأساليبها المختلفة ومعرفتنا بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم بشكل مجمل، يجعل في صدر كل واحد منا متسعاً للآخرين في أسلوب دعوتهم، ما دام أصحابها يلتزمون بهدي الإسلام، ويراعون أصوله، ولا يؤثرون الهوى على الهدى، ولا يقصدون تقليد الخلق، بل هدفهم الوصول إلى الحق، ولا تؤدي بنا الاختلافات الفرعية إلى التناحر والنـزاع والقطيعة، بل نجعل السيرة هي أداة التحكيم عند اختلافنا امتثالاً لقول الحق تبارك وتعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59] ولقوله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]. نعم! إنه قد يشكل علينا أمر، ونختلف في حله وحرمته وقربه من روح الإسلام أو بعده، ولكنا حينما نعود إلى السيرة ينحسم هذا الأمر، ويوضح لنا الطريق سيرتُه وهديُه صلى الله عليه وسلم، وقد يرى راءٍ في الإسلام جزئية لا تعجبه، ولا يدرك مغزاها ومرماها، فما عليه إلا أن ينظر كيف طبق الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الجزئية؟ ومتى؟ ولماذا؟ وكيف؟! ليدرك موقعها من مجموع البناء الإسلامي، ولا يستعجل الأمور، فيلتمس التعليلات الباردة ليرد بها الأحكام الصريحة الواضحة، أو النقول الصحيحة الجلية كما يفعل بعض الناس.
التعرف على مراحل الدعوة وأساليبها
ثالثا: التعرف على مراحل الدعوة وأساليبها، فدراسة السيرة -معاشر الإخوة والأخوات- تكشف عن مراحل دعوته صلى الله عليه وسلم المختلفة، وترسم المنهج الأمثل للدعوة، ومن المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم أسر في دعوته بـمكة فترة من الزمن، كان لهذه الفترة ظروفها وملابساتها، وكان له صلى الله عليه وسلم فيها أسلوب مميز للدعوة شاد فيها أسس البناء، واختار العناصر الصالحة للعطاء، وأبعد عن الدعوة مخاطر الأعداء، ثم جهر بالدعوة وأعلنها على الملأ، وكان له ولصحابته مع الكفار مواقف وأحداث استطاع خلالها أن يرسم الأسلوب الأمثل للمواجهة، ثم هاجر إلى المدينة فاحتاجت الدعوة إلى أسلوب آخر، فما جمد الرسول صلى الله عليه وسلم وما تردد، ورسم منهجاً ومارس وسائل الدعوة التي تناسب هذه المرحلة، وهكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته لا يمل ولا يكل، ولا يتوقف عند أسلوب يرى أن غيره أنسب للدعوة منه.ولذا فإن على الذين يمارسون الدعوة أن يقرءوا هذه السيرة العطرة، وسيجدون فيها ما يجيب على تساؤلاتهم، ويلبي حاجياتهم، ويفي بمتطلبات دعوتهم، مهما اختلفت الأزمان وتنوعت البقاع، أجل! لقد حوصر النبي صلى الله عليه وسلم وشرد، ونفي وأهين، وواجهته ضغوط نفسية واجتماعية ومؤامرات وخيانات، وتعرض لكيد المنافقين وكيد الكفار والطغاة والمجرمين، وتعرض لمساومات سياسية وعقد مصالحات، وواجهته مشكلة بناء أمة وإقامة مجتمع على أسس جديدة، فما وهن ولا استكان، بل ترك في هذه وتلك توجيهات كريمة وأسساً رشيدةً، وعلى قدر المسيرة عليها تصلح الدعوة وينجح الدعاة. وليس بمقدور الدعوة، بل وليس بمقدور الدعاة أن يعيدوا منهج الدعوة بغير معرفة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم.
تأكيد الواقعية في هذا الدين
ثانياً من أهداف دراسة السيرة تأكيد الواقعية في هذا الدين، فإن من سمات الدين الإسلامي أنه دين الواقعية يتعامل مع النفس البشرية بكل ملابساتها وبمختلف أحوالها وظروفها، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم تأكيد لهذه الواقعية، فهو مع كونه صورة مشرقة وقمة سامقة للإسلام، إلا أنه لم ينسلخ عن بشريته يوماً من الأيام، ولم يكن وهو يزاول تعاليم الإسلام ملكاً مقرباً؛ بل كان بشراً سوياً، فعاش مع نفسه حالة الخوف والرجاء، وعانى من الفقر، وعرض له الغنى، وعاش ظروف الغربة كما عايش الأمن والاستقرار، كما مرت حياته بظروف العزلة والاختلاط، والعزوبة والزواج، وكان قائداً حربياً ومخططاً سياسياً، وأحست نفسه بآمال النصر كما أحست بآلام الهزيمة، ففرح وحزن وغضب ورضي، وهكذا كان في كل هذه الأحوال ينهج نهج الاستقامة والعدل، والذين يقرءون هذه السيرة يتبينون هذا الأمر، ويسيرون في حياتهم على نهج سيرة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.وهكذا كان في كل هذه الأحوال ينهج نهج الاستقامة والعدل، ويتعامل مع النفس البشرية بشكل واقعي، يتيح لمن بعده أن يقتدي به في كل حال من أحوال الحياة، وفي هذا المجال يجد الدارس للسيرة تلازماً بين القول والعمل، والمبدأ والسلوك، فلا يأمر الناس بالبر والخير وينسى نفسه، والذين لا تتاح لهم دراسة السيرة دراسة واعية تظهر في سلوكياتهم التناقضات، وتكثر في حياتهم المنغصات.
فهم الإسلام وتريعاته
أولاً: السيرة النبوية تجسيد حي لتعاليم الإسلام، فلا بد لمن يريد أن يفهم الإسلام وتشريعاته، أن يقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فسيرته هي التجسيد الحي، بل هي الصورة المشرقة لتعاليم الإسلام؛ فإن الإسلام منذ أن نـزل لم يكن نصوصاً جامدة لا وجود لها ولا أثر في الحياة، وإنما نـزل ليكون منهجاً للبشر، ولهذا تمثل النبي صلى الله عليه وسلم كل تعاليمه سلوكاً واقعياً في الحياة، ومجموع هذا السلوك هو سيرته عليه الصلاة والسلام، فالنبي صلى الله عليه وسلم يمثل الإسلام في كل أحواله، سواء أكان ذلك في حال النوم أم في حال اليقظة وسواء أكان على مستوى الفرد أم على مستوى الجماعة، في حال الرضا أم في حال الغضب، في حال السلم أم الحرب، وفي حال الجد أو المداعبة، وميزة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه في كل هذه الأحوال -وهو البشر الذي يمكن أن يقع منه فعل خلاف الأولى- ميزته أنه يلقى التوجيه من ربه إذا ما قدر له ذلك، فينبه إلى الأولى ولا يكتم شيئاً مما أوحى الله إليه، فتستمر سيرته على الهدى والحق. وعلى سبيل المثال: تحفظ لنا نصوص السيرة قصته مع عبد الله بن أم مكتوم، وقصته في زواجه لـزينب بنت جحش، فالأولى قال الله تعالى عنها عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس:1-3]... إلى آخر الآيات، والأخرى قال الله عنها:وَإِذْ تَقُولً لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [الأحزاب:37].
الأسئلة
الأسئلة التي وردت كثيرة، ولعلنا نأخذ ما تيسر منها، ونرجو أن نجيب على أكثرها ولو باختصار، والأسئلة على قسمين قسم منها يطالب الشيخ بدرس في السيرة؛ لأن الساحة خالية من هذا الموضوع، وكانت المطالبات كثيرة، وإن قلت: إن نصف الأسئلة تطالب الشيخ بهذا الموضوع، فلست مبالغاً، وأرجو من الشيخ أن يعلق على هذا الموضوع، وأن يعد الحضور وعداً يثلج الصدور في طرق مثل هذه الدروس القيمة التي نحن في أمس الحاجة إليها.الجواب: على أية حال أشكر الإخوة على ثقتهم، وأسأل الله تعالى أن يغفر ويتجاوز، وأعدهم خيراً، بل إنني أفكر كثيراً في تخصيص درس للسيرة النبوية، فأنا المستفيد الأول من هذا الدرس، أرجو الله تعالى أن يعجل بقيامه وأن يعينني على إتمامه، ولعل هذا اللقاء يكون بداية طيبة بإذن الله تعالى، وأعد الإخوة إن شاء الله بإقامة درس، لكنه إن كان فسيكون بمشيئة الله في المسجد الذي أصلي فيه وهو في حي السلطان، وأرجو أن يعينني الله تعالى على إعلانه قريباً.
معجزات الرسول غير القرآن
السؤال: هل هناك معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم باقية إلى هذا الوقت غير القرآن الكريم؟الجواب: نعم! من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ومن دلائل نبوته إخباره عن المغيبات، والمغيبات منها أمور وقعت بعد موته، من أمثال حديثه عن الفتن والحروب التي حصلت في عهود الصحابة رضي الله عنهم، ومن أمثال حديثه عن نشأت كذلك الفرق التي نشأت بعد موته، ومن أمثال حديثه صلى الله عليه وسلم عن كثرة المال، وقد كثر المال اليوم، وهناك أحداث أخبر عنها ولم تقع وستقع، وهذه معجزة وتعد من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم.
الدراسة الجامعية
السؤال: هل تنصح بالالتحاق بقسم التاريخ في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهل هناك تعليق على هذا القسم؟الجواب: أنصح الإنسان أن يستخير الله تعالى قبل أن يدخل أي قسم وأن يستشير، فما خاب من استخار ولا ندم من استشار، وسواء كان ذلك في قسم التاريخ أو في قسم الشريعة وأصول الدين، أو قسم اللغة العربية أو في سواها من الأقسام، هذه أقسام كلها فيها خير، والمهم أن يتوفر عند الإنسان حين الدخول نية طيبة وهدف نبيل يسعى من ورائه إلى خدمة الأمة الإسلامية، حتى ولو كان في قسم العلوم والأحياء أو غيره من الأقسام كالهندسة والطب، أو نحوها من الأقسام الأخرى، فالقضية مربوطة بالهدف الذي يسعى الإنسان من أجله، فإذا كان الهدف نبيلاً والنية طيبةً، ويقصد من وراء ذلك تقديم خدمة لهذه الأمة، فإنني أنصحه بدخول أي قسم يرى فيه بغيته، ويجد فيه ما يتفقُ مع طبيعتَه.
الواقعية والمثالية
السؤال: ذكرت أن من أهداف دراسة السيرة النبوية تأكيد الواقعية لهذا الدين، فكيف يكون ذلك؟الجواب: الواقعية حينما نقول الواقعية هي بخلاف المثالية أو على عكس المثالية، فهذا الدين أيها الإخوة ليس ديناً مثالياً، ومن ميزة النبي صلى الله عليه وسلم أنه واقعي، بمعنى أن سيرته حوت حياته وهو في أعلى الدرجات، وذكرت بعض الأمور التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع فيها من الخطأ الذي عالجه الله تعالى، فهو يصيب ويخطئ، يغضب ويرضى، يجاهد في حال السلم وفي حال الحرب. وأعني بالواقعية أنها أمور قريبة للنفس البشرية، فليس بمقدور الإنسان أن يقرأ السيرة، ويقول: إني لا أستطيع أن أطبق هذه السيرة، بل نقول له إذا حصلت له حالة ضعف أو حالة خطأ أن النبي صلى الله عليه وسلم حصل له شيء من ذلك، إذا حصل له حالة هزيمة في معركة ينبغي ألا يحبط نفسه، ويقال له: حصل للنبي صلى الله عليه وسلم قبلك ما حصل، إذا اشتدت عليه حالة العزبة فكان النبي صلى الله عليه وسلم عزباً، إذا اشتدت عليه حالات الغربة تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم عاش غريباً.. وهكذا بمجملها، فهي تؤكد الواقعية، وليست نموذجاً لملك نـزل من السماء لا يفتر عن التسبيح والتهليل، بل النبي صلى الله عليه وسلم عايش النساء وعاش في الدنيا فافتقر واغتنى، وسالم وحارب، إلى غير ذلك من الأمور التي تؤكد الواقعية، وهي ضد المثالية التي لا يمكن وقوعها، أما المثالية ومعالي الأمور التي يمكن أن يوصل إليها لكن يجهد فهذا أمر مطلوب، لكن حينما نقول: الواقعية فهي بخلاف اللاواقعية بتعبير أدق.
الكتب المؤلفة في السيرة النبوية
السؤال: ما أهم الكتب التي تنصحنا بقراءتها في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وما أهم المؤلفين الذين ينصح باقتناء كتبهم في هذا المجال؟الجواب: هذا سؤال يحتاج إلى درس خاص به، نتحدث فيه أو نتحاور فيه عن مصادر السيرة النبوية وعن أهميتها، فمن المعلوم -وهذه ميزة ألمحت إليها- تميز سيرة النبي صلى الله عليه وسلم عن سائر الأنبياء والمرسلين بأنها وفرة المصادر كثيرة المراجع، فأول مصادرها القرآن الكريم، وأنا أنصح بداية أن يقف المرء على بعض الآيات التي تتحدث عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد يجد فيها معلومات لا يجدها في غيرها من كتب السير، أولاً أن المعلومة من القرآن الكريم هي من الصحة بحيث لا تحتاج إلى نقاش؛ لأن القرآن الكريم كلام الله، ثم إن كتب التفسير تعتبر عاضداً مهماً في تجلية هذه الآيات، فأحياناً تقرأ آيات قرآنية ولا تعلم المقصود بها، وكم من قارئ يقرأ: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [الأحزاب:37] ولكنه لا يدري ما المقصود، لكنه عندما يرجع إلى كتب التفسير، أو حتى كتب السير الموثوقة، ويجد تفسير الحادثة فإنه يطمئن لذلك.على أية حال إضافة إلى التأمل في آيات القرآن الكريم مع تفسيرها من كتب التفسير الموثقة، هناك كتب السيرة الموثقة، وفي مقدمتها الصحيحان صحيح البخاري وصحيح مسلم: في كتاب الفضائل، وفي كتاب المغازي، وفي كتاب المبعث، وفي كتب أخرى مفرقة في صحيح البخاري وصحيح مسلم فيها مادة طيبة وجميلة، وأما المصدر المتوفر فهو سيرة ابن هشام، وهي يغلب عليها الصحة، وإن كان فيها معلومات دون ذلك، وعلى أية حال فمن بين كتب السيرة أرشح للقارئ السيرة النبوية للإمام ابن كثير عليه رحمة الله وهي منتزعة من البداية والنهاية، ففيها تحقيق يندر وجوده في غيرها، بالإضافة إلى الشمول، وإلا فهناك كتاب للذهبي، وهناك كتاب لـابن القيم، لكن ميزة سيرة ابن كثير أن فيها تحقيقاً، هذا لمن يستطيع أن يقرأ المطولات، أما من لا يستطيع ذلك، وخاصة المبتدئين الشباب، فهناك كتب ميسورة يستفيد منها أمثال كتاب الندوي في السيرة النبوية ودراسات في السيرة لـمحمد بن سرور، وكتابات أكرم العمري في السيرة النبوية، وهي كتب حديثة، ومحمد رسول الله لـصادق عرجون.. إلى غير ذلكم من الكتب التي يمكن أن يستفاد منها في هذا المجال.
كيفية تعبد النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة
السؤال: فضيلة الشيخ! ذكرت أنه قبل البعثة كان هناك من يتعبد على دين إبراهيم الحنيفية، فماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعبد في غار حراء حيث كان يتعبد شهراً كاملاً؟ من كل سنة؟الجواب: وقف أهل السير عند تعبده شهراً كاملاً كل سنة في غار حراء، فقال بعضهم: إنه كان يصوم فيه، وقال بعضهم: إنه كان يتصدق على الفقراء والمساكين، وقال بعضهم: إنه كان يتأله أي ينظر في هذا الكون، ويتأمل فيه، وكأنه ينظر إلى قومه من علو، وهو في غار حراء، وغار حراء كما هو معلوم في القمة، فهو ينظر إلى هذا الكون، وكأنه يسفه أحلامهم، ويأخذ عليهم عباداتهم، وبالتالي فأهل السير مختلفون، لكنهم مجمعون على أنه يخرج من أجل أن يروح عن نفسه، ومن أجل أن يصقل فكره، ومن أجل أن يتأمل في هذا الكون، وعلى أية حال فأقرب الروايات أو أقرب شيء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتعبد بالحنيفية، وإن لم يكن هناك نصوص واضحة وصريحة تحدد كيف كانت عبوديته، لكنَّ هناك نصوصاً أخرى تؤكد أنه كان يخالف قومه في عبادة الأصنام وفي عباداتهم من أمثال الطواف بالبيت وهم عراة، أو من أمثال الوقوف بـمزدلفة حين يقف الناس بـعرفة، فقد خالف قومه في هذه الأشياء، وكانت هذه إرهاصاً لنبوته، فكان يتأله ويتعبد بهذه الأشياء كلها، أو يبتعد عن المعبودات الوثنية والأصنام، دون أن يمسها أو يقربها، وينظر في ملكوت الله تعالى وعظمته وقد هداه الله تعالى.
إشكالية التخيير بين الموت والبقاء مع إخبار الله بموت جميع الخلائق
السؤال: كيف يخير الأنبياء بين الموت والبقاء؟ والله عز وجل أقسم ألا يبقى عليها أحد، كيف التوفيق بين ذلك؟الجواب: ليس معنى التخيير الحياة إلى الأبد، وإنما هو المد في الأجل والفسحة فيه، وقد ورد في الصحيح { أن موسى عليه السلام لما جاءه ملك الموت صكه على وجهه، فرجع ملك الموت، وقال لله تعالى -وهو أعلم بما حصل-: إن عبدك لا يريد الموت، فقال: ارجع إليه وقل له: ضع يدك على ظهر ثور، فما وقع تحت يدك من شعراته فلك به عدد السنين، فرجع الملك إلى موسى عليه السلام، وقال له ذلك، فقال موسى: وماذا بعد ذلك؟ قال: الموت -لأنه ليس هناك أحد مخلد كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [الأنبياء:35] لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد:38]- فقال موسى عليه السلام: إذا كان لا بد من الموت فليكن من الآن} فليس المقصود البقاء إلى الأبد، وإنما المقصود الفسحة في الأجل، ولذلك خير النبي صلى الله عليه وسلم -كما جاء في الحديث الصحيح- فاختار الرفيق الأعلى على مزيد المكث في الحياة الدنيا، والله أعلم.
عصمة الأنبياء
السؤال: نعلم أن الأنبياء معصومون فماذا نقول في موسى عندما قتل نفساً قال كما حدث عنه القرآن قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ [القصص:16]؟الجواب: أولاً: هذا كان قبل النبوة، ثم إن الآيات القرآنية تشير إلى أن الله تعالى غفر له، وكان هذا خطأ من موسى عليه السلام فغفر الله تعالى له بعد أن سما في طريق القرآن الكريم، علماً بأن العصمة بالنسبة للأنبياء قبل النبوة هي محل خلاف بين العلماء، وقد ألف الرازي رحمه الله كتاباً خاصاً في عصمة الأنبياء، وعلى أية حال فهم متفقون على عصمتهم من الشرك ومن العبودية لغير الله أو السجود لصنم حتى قبل النبوة.
|