<CENTER>
تابع الجرح والتعديل عند المحدثين
شروط الجارح والمعدل
وقد أدرك المحدثون جلالة ماهم فيه من تعرض لأحوال الرواة ، واعترفوا بأن مجال الجرح والتعديل مخطرة لا ينجو من تبعتها إلا من استعمل الديانة وركب متن التقوى والأمانة ، واشترطوا في الجارح والمعدل الخصال التي تجعل حكمه منصفا مبينا حال الراوي ، وهي :
أولا : العلم والتقوى والتحري . يقول الحافظ ابن حجر : " وينبغي ألا يُقبل الجرح والتعديل إلا من عدل متيقظ أي مستحضر ذي يقظة تحمله على التحري والضبط فيما يصـــــــدر عنه " .
ثانيا : أن يكون عالما بأسباب الجرح والتعديل . قال ابن حجر : " وتقبل التزكية من عارف بأسبابها لا من غير عارف لئلا يزكي بمجرد ما يظهر له ابتداء من غير ممارسة واختبار " .
ثالثا : أن يكون عارفا باصطلاح أهل الجرح والتعديل ومن باب أولى بتصاريف كلام العرب لئلا يخطئ في استعمال الألفاظ الموهمة .
رابعا : قد تقبل تزكية وتجريح كل عدل : ذكرا كان أو أنثى ، حرا كان أو عبدا متى استوفى الشروط الأخرى .
خامسا : يكفي أن يكون الجارح والمعدل واحدا لكي يثبت الجرح والتعديل بشرط أن يكون مستوفيا للشروط ، وقيل لا يثبت إلا برجلين كما في الشهادة . ورجح الأول الجمهور ، ومنهم ابن الحاجب والآمدي وابن الصلاح .
كما اشترطوا في الجارح آدابا يتأكد عليه الالتزام بها ديانة ، فمن ذلك :
أولا : عدم التجريح بما فوق الحاجة . قال السخاوي في فتح المغيب : " لا يجوز التجريح بشيئين إذا حصل بواحـــــد " .
ثانيا : لا يجوز الاكتفاء بإيراد الجرح فقط فيمن وجد فيه الجرح والتعديل .قال الذهبي عن كتاب الضعفاء لابن الجوزي : " وهذا من عيوب كتابه ، يسرد الجرح ويسكت عن التوثيق " .
ثالثا : لا يجرح من لا يحتاج إلى جرحه مثل العلماء الذي لا يحتاج إلى روايتهم . يقول ابن المرابط : " قد دونت الأخبار وما بقي للتجريح فائدة " ، يعني في حق رجال الأسانيد المتأخرة كما أسلفنا في نظرية الإسناد .
وقد اشتهر عن ابن دقيق العيد – من كبار علماء النقد – قوله : " أعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس : المحدثون والحكام " .
ومما ورد عن أئمة الجرح والتعديل في خوفهم من هذه المسئولية ما جاء عن ابن أبي حاتم أنه دخل عليـه يوسف بن الحسين الصوفي وهو يقرأ كتابه في الجرح والتعديل ، فقال له : كم من هؤلاء قد حطوا رواحلهم في الجنة منذ مائة سنة ومائتي سنة وأنت تذكرهم وتغتابهم ؟ فبكى عبد الرحمن .
لم تقتصر جهود المحدثين على اشتراط شروط قاسية في الناقد الجارح والمعدل ، بل إن الأمر تجاوز إلى وضع الضوابط والقواعد في الجرح والتعديل نفسه بحيث تكون الصفات المعتبرة في الجرح والتعديل أمرا غير خاضع للذوق أو الهوى الشخصي ، فوضعوا تلك الصفات على هدي من روح الشريعة ونظام النقد عند المحدثين .
أجمل هذه الصفات أبو عمرو بن الصلاح ، قال : " أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلا ضابطا لما يرويه ، وتفصيله أن يكون مسلما بالغا عاقلا سالما من أسباب الفسق وخوارم المرؤءة متيقظا غير مغفل حافظا إذا حدث من حفظه ، ضابطا لكتابه إن حدث من كتابه ، وإن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالما بما يحيل المعاني " .
وبالتأمل فيما ذكره ابن الصلاح نلاحظ أن صفات القبول والرد بالنسبة للرواة ترجع إلى أمرين : العدالة ، والضبط ، فمتى توفرا في راو قُبِل ، ويرد الراوي باختلال إحدى هاتين الصفتين .
وينبغي أن نوسع الكلام شيئا في هذين الأمرين لفهم منهج المحدثين في التعديل والتجريح .
الخلاصة
1- نشأ الجرح والتعديل من حيث المبدأ في عهد الصحابة ، وكان أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب أول من عرفوا بالاحتياط في قبول الأخبار ، ثم كان محمد بن سيرين من أوائل التابعين الذين اهتموا بالتفتيش في الأسانيد ، ويمكن اعتبار فتنة المختار بن عبيد الثقفي هي السبب المباشر في بداية اهتمام ذلك الجيل بالإسناد .
2- قام المحدثون بالتأصيل الشرعي لمبدأ الجرح والتعديل والتنظير له منذ وقت مبكر ، وقد واجه الجرح والتعديل هجوما من بعض الأوساط لكنه احتل مكانته العلمية التي لم تعد تحتمل الخلاف فيه بعد ذلك .
3- اشترط في الجارح والمعدل آداب تمثل البعد الأخلاقي في منهج النقد عند المحدثين .
العدالة والضبط ومنهج المحدثين فيهما
أولا : العدالة
هي ملكة تحمل صاحبها على فعل الطاعات واجتناب الموبقات والتنزه عن ما يخل بالمروءات.
ويشترط في العدالة التامة الأمور التالية :
1) الإسلام ، لقول الله تعالى : ( ممن ترضون من الشهداء ) ، وغير المسلم ليس من أهل الرضا قطعا .
2) البلوغ ، لأنه مناط تحمل المسئولية والتزام الواجبات وترك المحظورات .
3) العقل ، لأنـه لا بد منه لحصول الصدق وضبط المسموع والمشاهد عند التحمل .
4) التقوى ، وهي اجتناب الكبائر وترك الإصرار على الصغائر .
5) الاتصاف بالمروءة وترك ما يخل بها ، وهو كل ما يحط من قدر الإنسان في العرف الاجتماعي الصحيح .
وينبغي أن يعلم أن هذه الشروط يجب توافرها في الراوي عند الأداء ، أما عند التحمل فقد قبل المحدثون رواية الذي تحمل حال كونه كافرا أو صبيا مميزا ، وقد مر معنا في نظرية الإسناد .
وعليه فلا تقبل رواية الذي يؤدي روايته حال كونه كافرا أو فاسقا أو غير مميز ولا عاقل واشتراط هذه الشروط من باب الاحتياط العام والتثبت في القبول عمن يظن أنه لا يكذب ، وأصل ذلك قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا .. ) .
وتأسيسا على هذه الشروط بحث المحدثون في رواية التائب من الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورواية المبتدع ومن أخذ على الحديث أجرا فلنفرد الكلام حول كل مسألة من تلك المسائل لأنها تنادي على دقة منهج المحدثين في النقد .
رواية التائب من الكذب على رسول صلى الله عليه وسلم
يقول ابن الصلاح : " التائب من الكذب في حديث الناس وغيره من أسباب الفسق تقبل روايته، إلا التائب من الكذب متعمدا في حديث رسول صلى الله عليه وسلم ، فإنه لا تقبل روايته أبدا وإن حسنت توبته على ما ذكر غير واحد من أهل العلم ، منهم : أحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدي شيخ البخاري .. " .
والسبب في ذلك هو الاحتياط في حديث من هذا حاله ، ومبالغة في زجر من تسول له نفسه فعل ذلك .
وقاس السيوطي عدم قبول خبر التائب من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم على الزاني إذا ثبت زناه ثم تاب وحسنت توبته فإنه لا يعود محصنا ولا يحد قاذفه بعد ذل لبقاء ثلمة عرضه ، فهذا نظير أن الكاذب لا يقبل خبره أبدا .
والأولى عندي أن يقاس على القاذف الذي لم يأت بأربعة شهود وهو من قياس الأولى ، لأن الافتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حتى نقل عن بعض أهل العلم تكفير الذي يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم متعمدا .
رواية المبتدع
قال ابن الصلاح : " اختلفوا في قبول رواية المبتدع الذي لا يكفر في بدعته ، فمنهم من رد روايته مطلقا لأنه فاسق ببدعته .. ، ومنهم من قبل رواية المبتدع ، إذا لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه أو لأهل مذهبه سواء كان داعية إلى بدعته أو لم يكن . وقال قوم : تقبل روايته إذا لم يكن داعية إلى بدعته ، وهذا مذهب الكثير أو الأكثر من العلماء ، وقال أبو حاتم بن حبان البستي من أئمة الحديث : الداعية إلى البدع لا يجوز الاحتجاج به عند أئمتنا قاطبة لا أعلم فيه خلافا . وهذا المذهب الثالث أعدلها وأولاها ، والأول بعيد مباعد للشائع عن أئمة الحديث فإن كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة ، وفي الصحيحين كثير من أحاديثهم في الشواهد والأصول " .
وتحصل من هذا أن المحدثين لهم في ذلك ثلاثة أقوال :
الأول : أنه لا تقبل رواية المبتدع مطلقا سواء كان داعيا على بدعته أو غير داع لها . وهذا المذهب مُطَّرح مهجور أو كما قال ابن الصلاح : " بعيد مباعد للشائع عن أئمة الحديث " .
الثاني : أنه تقبل روايته إذا كان صادق اللهجة ولا يستحل الكذب في نصرة مذهبه سواء كان داعية أو غير داعية لبدعته . وهذا القول انتصر له جمال الدين القاسمي في رسالته في الجرح والتعديل ورجحه أحمد شاكر حيث قال : " والعبرة في الرواية بصدق الراوي وأمانته ، والثقة بدينه وخلقه ، والمتتبع لأحوال الرواة يرى كثيرا من أهل البدع موضعا للثقة والاطمئنان وإن رووا ما يوافق رأيهم" .
واحتج أصحاب هذا القول بأن البخاري ومسلما أوردا في صحيحهما أحاديث مبتدعة دعاة، ولم يقدح ذلك في كتابتها ولا حديثهما بل صحيحاهما من أصح كتب الحديث عند النقاد .
وقد تمحل ابن حجر عذرا للصحيحين في ذلك بأن ما وقع فيهما نم الرواية لبعض المبتدعة الدعاة أنه من القليل النادر الذي لا يخل بالقاعدة ، وأيده في ذلك نور الدين العتر ، وليس بسديد ، لأنه مخل بالقاعدة على ندرته ..مع أن بعض الباحثين تصدى لإحصاء عدد المبتدعة في الكتب المشهورة فبلغ بهم 141 راويا من المبتدعة روي لهم في الكتب الستة .
القول الثالث : انه لا تقبل رواية المبتدع إذا دعا إلى بدعته . وهذا القول هو الذي عليه جمهور المحدثين وادعى فيه ابن حبان إجماع أهل الحديث عليه .
وهذا القول رجحه الأستاذ محمد الأعظمي لكنه استدل له بأبحاث لبعض علماء النفس تفيد أن المتعصبين لمذاهب متطرفة قد يكذبون بطريقة لا شعورية وأن هذا يؤكد صواب مذهب المحدثين الذي لم يقبلوا رواية المبتدع الداعي إلى بدعته إذا كان الحديث يؤيد بدعته .
وهذا استدلال متهافت جدا ، لأن أبحاث علم النفس مازالت غير مجمع على حجيتها في محيط الدراسات الإنسانية بسبب نسبيتها الشديدة وتعقد معطياتها التي تفقد نتائجها سمة الحتمية والقانونية ، فكيف نستجيز أن نستدل أو حتى نستأنس بها في تصحيح أو تأييد مسالك في علم نقد الرجال الذي تميز بشفافية شديدة وأخلاقية صارمة .
ثم إن الدراسات المذكورة أجراها أصحابها كما قال الأستاذ الأعظمي على أصحاب المذاهب المتطرفة التي تحجرت اتجاهاتها على احتقار أجناس وطوائف معينة من البشر ، ونحن لا نعرف بالتحديد نوعية تلك المذاهب المتطرفة ، ولكنها – على الجزم – تختلف في دينها وأخلاقياتها واتجاهاتها عن مبتدعة الملة الإسلامية ، وهذا التفاوت اليقيني كاف في دفع الاستدلال وفساده .
وأرى أن الصواب هو المذهب القائل بعدم قبول رواية المبتدع الداعي لبدعته وإذا كانت روايته في نصرة بدعته ، وليس ذلك إلا في إطار نظرية التثبت الكبرى التي بنى عليها المحدثون نظرياتهم في نقد الأحاديث ، والاحتياط سمة ظاهرة في كل التصرفات النقدية عند المحدثين ، أما ما ورد في الصحيحين من الرواية عن بعض الدعاة إلى بدعتهم – وإن لم يكن نادرا – فذلك محمول على أن الشيخين – البخاري ومسلم – قد تثبتا في أحاديثهم ووجدوها على الجادة ، أو أنها جاءت من طرق أخرى غير طرقهم ، ولكنهم أوردوها لغرض أو فائدة ما ، وهذا عين الجواب الذي قال في إيراد الشيخين أحاديث المدلسين على صيغة العنعنة ، فالأصل اطراح روايتهم لكن العلماء أحسنوا الظن وحملوا ذلك على أن الشيخين قد اطلعا على طرق صرح فيها أولئك بالتحديث ولا بد .
ويظهر لي – والله أعلم – أن البخاري ومسلما قد تعمدا إيراد أحاديث المبتدعة الدعاة وغير الدعاة لتكون الحجة فيها أوثق على سائر الطوائف والمذاهب جريا على مقولة : والفضل ما شهدت به الأعداء .
ولهذا أيضا – والله أعلم – كتب لهذين الشيخين من الإجماع والتواطؤ على الإذعان ما لم يكتب لغيرهما .
فرد أحاديث المبتدعة الدعاة على بابه من الاطراد عند المحدثين خلا ما احتاج الرواة لنقله عن أولئك المبتدعة بعد التوثق من عين تلك الرواية بورودها من طريق آخر أو استيقان عدم كذب راويها المبتدع الداعي .
رواية من أخذ على الحديث أجرا
مضت سنة الصحابة والتابعين أن يرووا الحديث للناس احتسابا يبتغون الأجر عند الله ، حتى شاع قولهم : " علم مجانا كما علمت مجانا " ثم جاء بعض الرواة وخالفوا هذا العرف وصاروا يتقاضون من طلابهم أجرا لإسماعهم الحديـث .
وقد أثار هذا التصرف علماء الحديث ونقاده ، واستنكروه ، وحذروا من السماع من هؤلاء المتجرين بالرواية لما في صنيعهم هذا من خرم المروءة ، ولما يخشى أن يجر أحدهم الحرص على الأجرة إلى الوقوع في شبهة الكذب أو صريح الكذب لكي يرغب فيه .
لكن بعض حفاظ الحديث الثقات ألجأتهم الخصاصة لأخذ الأجرة حيث كانوا محط رحال الطلاب مع التفرغ لهذا الشأن وكثرة العيال ، فاغتفر لهم النقاد ذلك ، مثل أبي نعيم الفضل بن دكين وعبد العزيز المكي وهما من شيوخ البخاري ، قال أبو نعيم : " يلومونني على الأجر وفي بيتي ثلاثة عشر وما في بيتي رغيف " .
وفيما عدا تلك القلة التي تقاضت الأجر على الحديث جرى سائر المحدثين على الأصل في رفض الأجرة وضربوا لذلك أعلى الأمثلة .
قال جعفر يحيى البرمكي : " ما رأينا في القراء مثل عيسى ين يونس ، عرضت عليه مائة ألف فقال : لا والله ن لا يتحدث أهل العلم أني أكلت للسنة ثمنا " .
وأهدى أصحاب الحديث للأوزاعي شيئا فلما اجتمعوا قال لهم : " أنتم بالخيار إن شئتم قبلته ولم أحدثكم ، أو رددته وحدثتكم " فاختاروا الرد وحدثهم .
من جهلت عدالته وضبطه
ينقسم الرواة من حيث معرفة صفتهم على قسمين :
القسم الأول : معروف الوصف ، وهؤلاء على قسمين : معدَّل أو مجروح ، فيعمل بما علم فيهم من الجرح أو التعديل حسب المراتب التي سنشرحها .
القسم الثاني : من لم يعرف وصفه ، وهو المجهول ، وهو على قسمين :
القسم الأول : مجهول العين
قال الخطيب البغدادي في تعريفه : " المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه ولا عرفه العلماء به ، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد " .
وحاصل ذلك أن مجهول العين هو من لم يرو عنه إلا راو واحد ، ومن أمثلته : جبار الطائي ، لم يرو عنهما غير أبي إسحاق السَّبِيعي .
وحكم هذا الراوي – على الصحيح الذي عليه أكثر نقاد الحديث – أنه لا يقبل حديثه ، ورجح بعض المتأخرين قبوله بشرطين :
الأول : أن يوثقه غير من ينفرد عنه على الأصح . الثاني : إذا وثقه من يروي عنه إذا كان أهلا لذلك أي كان من أئمة الجرح والتعديل .
القسم الثاني : مجهول الحال وهو المستور .
قال الحافظ ابن حجر في شأنه : " قد قبل روايته جماعة بغير قيد " ، ثم اختار أن التحقيق أنه لا يطلق القول بردها ولا بقبولها ، بل هي موقوفة إلى استبانة حاله ، والقول بالتوقف قريب من القول بعدم القبول .
منهج المحدثين في معرفة عدالة الراوي
قد أشرنا من قبل إلى أن منهج النقد عند المحدثين يقوم على أساس معلومات موثقة ومعطيات معروفة بالمشاهدة والملاحظة بخلاف منهج النقد الأوروبي الذي يجنح إلى الرومانسية حينا ، وإلى الخرص والتخمين في أغلب الأحايين .
فالنقد الباطني الذي يعادل في معناه الجرح والتعديل يقوم أساسا على مبدأ التفسير التاريخي الذي يعتبر كل الاحتمالات والفروض واردة ، ومن ثم فأصحاب المنهج الأوروبي حينما ينقدون رواية مؤلف نقدا باطنيا قد لا تكون عندهم أية معلومات عن هذا المؤلف فيبدءون في طرح الأسئلة حوله :
1- هل كان أمينا فيما اعتقده ؟
2- هل أخطأ فيما عرفه ؟
3- هل حاول جلب منفعة عملية وخداع قرائه ؟
4- هل كذب المؤلف أو أرغم على الكذب ؟
5- هل مال إلى مذهبه على حساب تشويه الوقائع ؟
6- هل انساق وراء غرور فردي أو جماعي ؟
7- هل تملق الجمهور ؟
8- هل استعمل الأسلوب الأدبي في تشويه الوقائع ؟
وكما نلاحظ : أن هذه الأسئلة تدور حول شخصية المؤلف ( الراوي ) من حيث أخلاقياته (عدالته ) ، وليست تذكر مؤلفات المنهج الأوروبي شيئا عن كيفية الإجابة على الأسئلة ، بل إنهما رسمت المنهج التخميني خطاً لكل ناقد يريد أن يستخلص نتيجةً من وثيقة حتى لو كانت مجهولة الصاحب .
وتأتي سلسلة أخرى من الأسئلة تدور حول ضبط المؤلف ( الراوي ) من قبيل :
1- هل كان في موضع يسمح له بملاحظة الواقعة أم أنه تخيلها ؟
2- هل كان في موضع يستطيع فيه أن يلاحظ الوقائع ولكنه لم يكلف نفسه عناء مشاهدتها ؟
3- هل كانت الواقعة المروية من طبعها ألا يمكن أن تعرف بالملاحظة وحدها مثل أسرار الحياة الزوجية مثلا ؟
4- ومع أن كل هذه الأسئلة تدور حول الشاهد الأصلي أو ما يسمونه ( وثيقة من الدرجة الأولى ) إلا أنهم لا يبينون أية مراجع تفيد في بيان حالة هذا الشاهد .
وفي حالة لو كانت الوثيقة من الدرجة الثانية أو الثالثة ( رواة رووا عن الشاهد الأصلي ) فإن الأمر يزداد تعقيدا في ا نعدام المعلومات عن أولئك الرواة .
ولقد ظن أصحاب المنهج الأوروبي أن المسلمين على شاكلتهم في الافتقار إلى المعلومات عن رواة الأخبار والوقائع . يقول سينوبوس :"وهذا البحث عن المشاهد الأصلي ليس غير معقول من الناحية المنطقية ، فمجامعي الروايات العربية القديمة تعطي أسانيد الرواية لكننا في الواقع العملي نفتقر دائما تقريبا إلى معلومات عن السند تصعد بنا إلى المشاهد الأصلي " .
لذلك اضطر أصحاب هذا المنهج إلى تجشم الإجابة على تلك الأسئلة التخمينية لاستلهام أية قرائن تفيد أمانة الراوي ودقته في ضبط الواقعة .
والواقع أن منهج المحدثين في النقد أكثر وضوحا وصرامة . فالراوي الذي يروي الواقعة تكون مؤلفات الجرح والتعديل في الغالب قد استوفت ذكر عدالته وضبطه ( أي أمانته ودقته كما يقول سينوبوس ) بل إنها تتعرض لتفاصيل أكثر دقة مما يتخيل المنهج الأوروبي ، مثل كيفية روايته للواقعة، ومستوى ضبطه لمجموع ما يروي ، إلى أمور أخرى تند عن الحصر .
فإذا انعدمت المعلومات عنه ، فإن صرامة المنهج تعتبره مجهولا لا يقبل خبره ولا يوثق بروايته ، حتى لو كان معروفا باسمه وشخصيته ، لكنه مجهول الحال (أي العدالة والضبط) فإنهم يترددوا في قبول روايته كما أسلفنا .
وطريقتهم في معرفة عدالة الراوي أي أمانته لا تركن إلى الخرص والبحث على عماية في ثنايا جمل الراوي وعباراته ، بل تعتمد على تنصيص الأئمة على عدالته بما عرف عنه من الديانة والخلق، يقول الأستاذ الأعظمي : " أما طريقة معرفة عدالة الرواة – ما عدا الصحابة – فتتوقف في الأعم الأغلب على تزكية المعاصرين من العلماء الأبرار ، ولا يمكن إخضاعها لمنهج النقد " .
ومعنى ذلك أنه لا بد من أن يكون التعديل مشتهرا عن الراوي ، وعلى أقل تقدير أن يشهد بعدالته عالم معتبر ، أما التعديل على الإبهام كأن يقول حدثني الثقة أو كل ما أرويه عن ثقات ولا يذكر أعيانهم فهذا رفضه النقاد المحدثون واعتبروه توثيقا غير مجد .
وقد يلجأ المحدثون إلى طرق فنية أخرى في معرفة عدالة الراوي مثل اختبار أقواله وقياسها على التاريخ ، كما قال سفيان الثوري : " لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ " .
قال أبو الوليد الطيالسي : " كتبت عن عامر بن أبي عامر الخزاز ، فقال يوما : حدثنا عطاء بن أبي رباح ، فقلت له : في سنة كم سمعت من عطاء ؟ قال : في سنة أربع وعشرين ومائة ، قلت: فإن عطاء توفي سنة بضع عشرة . قال الذهبي: " إن كان تعمد فهو كذاب ، وإن كان شبه له بعطاء بن السائب فهو متروك لا يعي " .
وقد اعترف أحد المستشرقين ( وهو مرغليوث ) بعبقرية المحدثين في التأريخ الدقيق للحوادث ، يقول : " نلاحظ مناهج معينة ابتكرها المؤرخون العرب لضمان الصحة في تسجيل الأحداث ، أحدها : تأريخها بالسنة والشهر بل باليوم ن ويصرح – بكل Buckle – مؤرخ الحضارة أن ذلك العمل لم يحدث في أوروبا قبل 1597م ونجده متطورا عند الطبري من بين مؤرخي العرب " أي قبل أوروبا بسبعمائة عام تقريبا .
وقد يفحصون الورق والحبر وموضع الكتابة ، قال زكريا بن يحيى الحلواني : "رأيت أبا داود السجستاني قد جعل حديث ابن كاسب وقايات على ظهور كتبه (أي جلد بها كتبه) فسألته عنه فقال : رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها فطالبناه بالأصول فدافعنا ثم أخرجها بعد فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيرة بخط طري، كان مراسيل فأسندها وزاد فيها " .
وفي ترجمة أحد الرواة يقول الذهبي : " زور سماعات الخطيب الموصلي ثم انكشف أمره وسقط نقله " .
لكن الأعم الأغلب في عدالة الراوي وديانته وتنزهه عن السفه والكذب وغير ذلك من مسقطات العدالة ، أنها تعرف بالتنصيص والاعتماد على أقاويل العلماء لتقويم المستوى الخلقي .
وليس معنى التنصيص على ذلك أن يوجد نص من الناقد بأن فلانا عدل ، بل المقصود اشتهار هذا الأمر عنه ، أما من لم يشتهر هذا عنه فهو المجهول الذي مضى معنا موقف منهج النقد المحدثين منه .
يتبــــــــــــــــــــــــع بإذن الله
</CENTER><!-- / message -->