
2009-10-03, 06:07 PM
|
 |
عضو فعال بمنتدى أنصار السنة
|
|
تاريخ التسجيل: 2009-08-04
المشاركات: 128
|
|
تابع الجرح والتعديل عند المحدثين
ثانيا : الضبط
هذه الصفة تؤهل الراوي لأن يروي الحديث كما سمعه ، ومارد المحدثين بالضبط أن يكون الراوي متيقظا غير مغفل ،حافظا إن حدث ن حفظه ، ضابطا لكتابه إن حدث من كتابه ، وإن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالما بما يحيل المعاني .وتأسيسا على هذه الصفات فإنه :
1- لا يقبل حديث من عرف بقبول التلقين في الحديث ، ومعنى التلقين أن يعرض عليه الحديث الذي ليس من مروياته ، ويقال له : إنه من روايتك ، فيقبله ولا يميزه ، وذلك لأنه مغفل فاقد لشرط التيقظ ، فلا يقبل حديثه .
2- لا تقبل رواية من كثرت الشواذ ( أي المخالفات ) والمناكير ( أي التفرد الذي لا يحتمل منه ) في مروياته ، قال شعبة : " لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ " وعلة هذا أنه يدل على عدم حفظه .
3- لا تقبل رواية من عرف بكثرة السهو في رواياته إذا لم يحدث من أصل مكتوب صحيح ، لأن كثرة السهو تدل على سوء الحفظ أو التغفيل فلا يكون الراوي ضابطا .
4- من أصر على غلطه بعد تبيينه له وعاند فإنه تسقط روايته .
5- لا تقبل رواية من يتساهل في نسخته التي يروي منها إن كان يروي الحديث من تاب ، كمن يحدث من أصل غير صحيح أي من كتاب أو مكتوب غير مقابل على الأصول المسموعة المتلقاة عن المصنفين بالسند الصحيح .
منهج المحدثين في معرفة ضبط الراوي
يقول ابن الصلاح : " يعرف كون الراوي ضابطا بأن نعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم أو موافقة لها في الأغلب، والمخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطا ثبتا ، وإن ودناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتج بحديثه" .
واعتبار الروايات والموازنة بينها هو روح منهج النقد عند المحدثين والمرتكز الأساس فيه ، وسنعرض له بالتفصيل إن شاء الله عند الكلام عن مرتكزات المنهج عند المحدثين .
والمقصود أن الأئمة لا يوثقون أحدا حتى يطلعوا على عدة أحاديث للراوي تكون مستقيمة وتكثر حتى يغلب على الظن أن الاستقامة كانت ملكة لذلك الراوي ، وهذا كله يدل على أن جل اعتمادهم في التوثيق والجرح إنما هو على سبر حديث الراوي .
وتفصيل ذلك أن الناقد إذا أراد معرفة حال راو فإنه يعمد إلى جمع مروياته ويتتبع كل الطرق إليها ولا يكتفي بمجرد ورود مروياته من طرق معينة حتى يعرف أن تلك المرويات رويت عنه على الوجه ، ولم يحدث خطأ ممن تحته فيها، فإذا تجمعت لديه مرويات الراوي خالية من أخطاء غيره وازن بينها وبين مرويات الثقات الذين شاركوه في الرواية عن شيوخه مع اعتبار مرويات أولئك الثقات أيضا حتى لا يوازن بين مرويات الراوي الذي يبحث عن حاله مع أخطاء الثقات ، فإذا ما وجد أن مرويات ذلك الراوي تشابه روايات الثقات ولا تخالفها اعتبر ضابطا لما يرويه ، فإذا وجد بعض الخطأ النادر اغتفر له ذلك مع تنبيهه على ما أخطأ فيه ، فإذا كثر خطؤه وفحش غلطه ضعف أو ترك .
فاستبان بهذا أن طريق معرفة حال الراوي تحتاج إلى اطلاع واسع على مرويات الرواة وأسانيدهم ، وسنتعرض لشرح ذلك عند الكلام عن مرتكزات منهج النقد عند المحدثين .
وقد تشتبه هذه الطريقة في سبر حال الراوي بطريقة المحدثين في معرفة علة الحديث ، حيث تعتمد طريقة معرفة العلة على سبر روايات هذا الحديث بعينه عند كل الرواة الثقات وغيرهم ، والموازنة بينها ، وقد يوازن بين روايات الضعفاء مع الثقات أو روايات الثقات مع بعضهم ، بغية التوصل إلى الرواية التي اجتمع عليها الأكثر من الثقات الضابطين .
وبهذا يستبين أن طريق معرفة حال الراوي تكون بسبر كل مروياته وموازنتها بمرويات الثقات من طبقته .
أما طريقة معرفة العلة فتكون بسبر روايات الحديث الواحد عند كل الرواة الذين رووا هذا الحديث لمعرفة مصدر الخطأ لو وجد ومعرفة الرواية المنضبطة المحفوظة .
ويأتي لذلك مزيد بيان إن شاء الله عند الكلام عن نظرية العلة .
عدالة الصحابة وضبطهم
انتقد طه حسين وأحمد أمين وأبو رية منهج النقد عند المحدثين بأنهم لم يتعاملوا بموضوعية مع كل رجال السند ، باعتبار أن تعديل الصحابة مساحة غير مسموح لأحد أن يتجاوزها مقررين أن بساط الصحابة قد طوي ومكانتهم جازت القنطرة ، في حين انهم بشر كغيرهم وثبت فيهم النفاق والخطأ وغير ذلك ، فما الذي يجعلهم منزهين عن النقد والجرح والتعديل .
وتحريرا لمحل النزاع فإن منهج النقد عند المحدثين لا ينزه الصحابة عن أي خطأ بل الاعتقاد بعصمتهم ليس في معتقد أهل السنة أصلا ، والنقاد يستجيزون نسبة الخطأ إلى الصحابة متى قام الدليل القوي على ذلك ، وقد ثبت أن الصحابة خطأ بعضهم بعضا ، وهذه النقطة متعلقة بجواز ورود الخطأ على الصحابي ، وهذا لا ينازع فيه المحدثون .
أما ما ينازع فيه المحدثون ( ولا يقوله المستشرقون ومن تبعهم ) أن تعرض مرويات الصحابة لمعرفة الحافظ منهم والساهي وكثير الخطأ ، فالمحدثون يفترضون مسبقا ضبط الصحابة وعدالتهم (أي ديانتهم ) .ولنتحدث عن القضيتين كلا على حدة .
عدالة الصحابة
إن قضية عدالة الصحابة أمر مجمع عليه بين أهل السنة ومنهم أئمة المذاهب الأربعة وغيرها من المذاهب المتبوعة كالظاهرية وأتباع الأوزاعي وغيرهم ممن انقرضوا الآن ، والمخالف لهذه القضية محجوج بالآيات المستفيضة والسنة الصحيحة في تعديل كل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم .
والاستطراد في ذكر ذلك يخرج بالبحث عن موضوعه ، ويهمنا أن نقرر أن عدالة الصحابة قضية متناسقة مع المنهج العلمي .
يقول الخطيب البغدادي : " والأخبار في هذا المعنى تتسع ، ولكنها مطابقة لما ورد في نص القرآن وجميع ذلك يقضي طهارة الصحابة والقطع على تعديلهم ونزاهتهم ، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم المطلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق لهم ، فهم على هذه الصفة إلا أن يثبت على أحد ارتكاب ما لا يحتمل إلا قصد المعصية والخروج من باب التأويل ، فيحكم بسقوط العدالة ، وقد برأهم الله من ذلك ، ورفع أقدارهم عنه ، على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين والقطع على عدالتهم والاعتقاد بنزاهتهم وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذي يجيئون من بعدهم أبد الآبدين " . وهذا تأصيل متين لقضية تعديل الصحابة .
ويزيد هذا التأصيل قوة أمر بالغ الأهمية ، وهو كاف في إثبات منهجية المحدثين في تعديل الصحابة .
ذلك أن المنطق العقلي يفترض التسليم ببعض الحتميات التاريخية ، وبمبدأ العلة والسبب المؤثر ، والذي لا يستطيع طه حسين وأحمد أمين وأبو رية أن ينكروه .
وتأسيسا على ذلك نقول : إن التاريخ الذي كتبه أهل السنة وغيرهم لا يوجد فيه نص واحد يفيد أن الصحابة كانوا يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويستحيل في المنطق العقلي أن يجتمع كل المؤرخين على اختلاف مشاربهم ( بما فيهمه الشيعة الذي حنقوا على الصحابة أيما حنق ) على نفي الكذب أو عدم رواية شيء يفيد ذلك عن الصحابة ثم يأتي باحث في القرن الخامس عشر الهجري ويقول : يجوز أن يكذبوا .
ثم إن الخلافات التي جرت بين الصحابة والحروب التي قامت بينهم سبب قوي وعلة دافعة أن يستغل كل طرف عيوب الآخر في التنقيص والذم ، ولم يثبت عن أحد منهم أن اتهم أحدا ( مع حصول العداوة من بعضهم لبعض ) بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أفلا يكون هذا السكوت دليلا على العدم مع قيام الداعي القوي ؟!!
أما القول بوجود النفاق فيهم فهذا ما لا يقوله المحدثون ، لأنهم عرفوا الصحابي بأنه من رأى الرسول صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على ذلك ، أي في واقع الأمر .
وقد تأدب الصحابة بأدب القرآن فلم يذكروا أسماء من عرف بالنفاق لا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بعد وفاته ، ولو كان ثمة مصلحة في تعيينهم لعينهم القرآن وأشاع الفضيحة بين الناس بأسمائهم واحدا إثر آخر .
وتجويز النفاق على أي صحابي لا يتفق مع المنهج العلمي في شيء ، لأن مجرد الاحتمال الذي لا يقوم على أساس يسوغ استخدامه في إصدار الأحكام ، وإلا جاز اتهام جبريل نفسه ( عليه السلام ) بالنفاق ، ولا يخفى ما في هذا المسلك من الوهاء والبطلان .
وهؤلاء المتهوكون في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر لهم منهج النقد التاريخي الأوروبي خروا له ركعا وسجدا ، وفي هذا المنهج يقرر لانجلوا وسينوبوس أن انتحال الكتب في العصور الوسطى كان عادة جارية مقبولة في أوروبا لا يعاقب صاحبها ، ومع ذلك فالمنهج العلمي لديهم يسوغ الاعتماد على نسخ لا يعرف من كتبها ولا من نسخها ولا من رواها معتمدين على عمايات وظلمات بعضها فوق بعض للوصول إلى أية حقيقة من وراء تلك الوثيقة اللقيطـــة .
لماذا لا يعتبر هذا المنهج غير موضوعي بل غير علمي أصلا ، إذ يسوغ الاعتماد على المجهول الذي لا يعرف ، بينما صحابة النبي صلى الله عليه وسلم قد عرفت أسماؤهم وكناهم وفضائلهم ومواليدهم ووفياتهم وكل صغيرة وكبيرة في حياتهم ، فأي الفريقين أولى بقبول الرواية منه والأخذ عنه ؟
ويستدل القادحون في عدالة الصحابة بحديث أنس بن مالك وأبي هريرة وغيرهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر عن أناس سيطردون عن حوضه يوم القيامة وأنهم هم الذين بدلوا وأحدثوا بعده ، وهو حديث متواتر ، ووجوده دليل على عدالة الصحابة وليس قادحا فيها ، فالمتهم لا يقدم دليل اتهامه ، والسارق لا يصطحب في السوق مسروقاته معه ، كما لا يروي الكاذب دليل كذبه .
ضبط الصحابة
يمكننا حصر الكلام في أبي هريرة رضي الله عنه باعتباره الصحابي الذي نال من الهجوم أكثر من غيره (أعني من المستشرقين ومن تبعهم ) .
فإذا أثبتنا ضبط أبي هريرة وحفظه – وهو الذي روى خمسة آلاف حديث كما يقدر بعض المحدثين – فإن حفظ الصحابة الآخرين وضبطهم يكون أمرا مفروغا منه .
وبدءا ينبغي أن نقدر الأمور قدرها ، فالأحاديث التي رواها أبو هريرة رضي الله عنه ليست كلها أقوالا ، بل جزء منها أفعال وتقريرات وهذه يسوغ روايتها بالمعنى ولا تشقى الذاكرة بحفظها لأن حفظ الحدث وحكايته بأي لفظ ليس أمرا خارقا للعادة حتى نتهم به أبا هريرة رضي الله عنه.
وثرثار سفيه في أي مقهى يستطيع أن يحكي عن مواقفه ومواقف أصدقائه الآلاف ويكون صادقا في جميعها ، فكيف لو كان الحاكي أبو هريرة ، والمحكي عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!
ثم إن حفظ أبي هريرة لهذه الآلاف من الأحاديث ليس بمستغرب أمام حفظ الصحابة لآلاف الأبيات الشعرية وروايتها ، فحفظ أبي هريرة في سياقه طبيعي وعادي بالموازنة مع قدرات أهل جيله وليس أمرا خارقا للعادة كما بينا .
وأهم نقطة في هذه القضية أن الصحابة ثبت عنه اتخاذ موقفين من أبي هريرة :
الأول : تخطئته في بعض الأحاديث ،كما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها خطأت أبا هريرة في روايته لحديث : " إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار " وأن أبا هريرة سمع الحديث مبتورا فرواه على غير وجهه ، ولم تكذبه رضي الله عنها وعنه .
الثاني : أن الصحابة اتهموا أبا هريرة بالإكثار من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذان الموقفان دليلا واضحان على أمور :
الأول : عدالة أبي هريرة رضي الله عنه وصدقه ، إذ لو كان كاذبا لكذبوه بل لمنعوه من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
الثاني : أن ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عرفه الصحابة وأقروه عليه ، إذ لو كان يروي حديثا ما سمعه أحد منهم لكان أسهل شيء عليهم أن يقولوا له : كذبت، كلنا لم يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث .
الثالث : على أقل تقدير يقال : إن الصحابة إذا شكوا في حديث رواه أبو هريرة لم يجرءوا على تكذيبه لتسليمهم بأنه كان منقطعا لسماع الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
الرابع : أنا أبا هريرة استمر يروي الحديث حتى مات رضي الله عنه ، وهذه السنون الطوال كافية في أن يختبر الصحابة حديثه ويعرضوه على ما يعرفون ، فلما لم يفعلوا دل على تسليمهم بذلك.
والمنهج العلمي يقتضي منا القول أن أحاديث أبي هريرة على وجه الخصوص تكتسب مصداقية أكثر من أحاديث بقية الصحابة لأنها كانت محل انتقاد الصحابة في كثرتها ولكنهم عجزوا عن إقامة الدليل على كذبه – مع ثبوت تخطئته في البعض – فيكون مثل ذلك دليلا على حصول إجماع سكوتي على الأحاديث التي رواها أبو هريرة رضي الله عنه .
وبهذا العرض يتبين أن ضبط الصحابة متوافق مع المنهج العلمي ، متناسق مع أصول النقد ، ومع ذلك فالمحدثون قد يشيرون إلى خطأ الصحابي إذا ثبت ذلك بالبينة والبرهان .
وقد وَهَّم الدارقطني رافع بن عمرو المزني رضي الله عنه في قوله : " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على بغلة بمنى" ، وروى الناس كلهم خطبة النبي صلى الله عليه وسلم على ناقة أو جمل ، ثم قال الدارقطني: "أفيضعف الصحابي بذلك ؟! " كالمستنكر .
ووهمت عائشة رضي الله عنها ابن عمر في تواريخ اعتمار النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النووي : " سكوت ابن عمر على إنكار عائشة يدل على أنه كان قد اشتبه عليه أو نسي أو شك " وقال ابن حجر : " وفيه دليل على أنه قد يدخل الصحابي الوهم والنسيان لكونه غير معصوم" . ووهم سعيد بن المسيب عبد الله بن عباس في قوله : " تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم " . وهذا التوهيم مع قبول المرويات الأخرى دليل على الضبط والحفظ .
وبهذا يستبين أن ضبط الصحابة مثل ضبط غيرهم ، لكن قبول الناس عنهم دليل على أنهم لم يستنكروا مما رووه ، وما ذلك إلا لأنه متفق على ما عرفوه وسمعوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا وحده كاف في ثبوت الإتقان وقبول الرواية عنهم .
الخلاصة
1- حصر المحدثون صفات القبول في الراوي على أمرين : العدالة والضبط .
2- اشترط المحدثون في الضبط والعدالة شروطا على ضوئها ردوا من فقد شرطا منها .
3- عدالة الصحابة جميعا أمر يستدعيه الدور التاريخي الذي قاموا به في تبليغ الدين ، ويقتضيه المنهج العلمي في النقد بدون تأثير عقدي ، خلافا للأصوات غير الموضوعية والآراء التي ثبت تأثرها بمؤثرات عقدية في قدحها في عدالة الصحابة .
4- وجد للمحدثين منهج واضح في معرفة عدالة وضبط الرواة .
قواعد في الجرح والتعديل
تواطأ المحدثون على العناية بسبر أحوال الرواة والمرويات وتصدى لهذا الشأن جهابذتهم الذين عرفوا بسعة الاطلاع والتيقظ وحدة الذكاء والموسوعية ، ونشأ عن ذلك رصيد هائل من أحكام الجرح والتعديل عن الأئمة على تعاقب العصور ، فعمد نقاد الحديث إلى وضع ضوابط للتعامل مع هذا الرصيد الضخم من معلومات الجرح والتعديل فاستقرءوا أحكام الجرح والتعديل ثم استنبطوا قواعد عامة حتى يتم تناول هذا الرصيد من معلومات الجرح والتعديل على أساس علمـي .
ونتعرض هنا إلى أكبر وأشهر القواعد الكلية التي يستخدمها النقاد عند تناول معلومات الجرح والتعديل .
القاعدة الأولى : لا يقبل الجرح إلا مفسرا ، أي مبين السبب ، أما التعديل فلا يشترط تفسيره .
قال ابن الصلاح :" التعديل مقبول من غير ذكر سببه على المذهب الصحيح المشهور لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها – حصرها – فإن ذلك يحوج المعدل إلى أن يقول : لم يفعل كذا .. لم يرتكب كذا ، فعل كذا .. وكذا .. فيعدد جميع ما يفسق بفعله أو بتركه وذلك شاق جدا .
وأما الجرح فلا يقبل إلا مفسرا مبين السبب لأن الناس يختلفون فيما يجرح وما لا يجرح ، فيطلق أحدهم الجرح بناء على أمر اعتقده جرحا وليس بجرح في نفس الأمر ، فلا بد من بيان سببه ، لينظر فيه أهو جرح أو لا ، وهذا ظاهر مقرر في الفقه وأصوله " .
وهذا المذهب هو المشهور كما قال ابن الصلاح وعليه المحققون من نقاد الحديث مثل البخاري ومسلم .
وسبب اشتراط التفسير في الجرح أن بعض أحكام الجرح في نظر النقاد قد لا تكون قادحا ترد به رواية الراوي في الحقيقة ، فمن ذلك أنه قيل لشعبة : لم تركت حديث فلان ؟ فقال : " رأيته يركض على بِرْذَون – حصان هجين غير عربي – فتركت حديثه "! .
ومن ذلك ما ذكروه عن مسلم بن إبراهيم أنه قال في راو : " ما تصنعون به ؟ ذكروه يوما عند حماد فامتخط حماد " .
ولاشك أن الجري وراء حصان أو امتخاط الناقد عند ذكر الراوي ليس شيء من ذلك قادحا مؤثرا في عدالة الراوي وضبطه .
لكنه يرد إشكال في أن معظم أحكام الجرح الواردة في مصنفات الجرح والتعديل تكون خالية من التفسير وبيان سبب الجرح ، بل يقتصر على مثل : فلان ضعيف وفلان ليس بشيء ، فاشتراط بيان السبب يفضي على تعطيل ذلك وسد باب الجرح في الأغلب الأكثر .
وقد أجاب عن ذلك ابن الصلاح فقال : " وجوابه أن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به فقد اعتمدناه في أن توقفنا عن قبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك بناء على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة قوية يوجب مثلها التوقف " .
ويسري التوقف في شأن الراوي المجرح جرحا غير مفسر في حالة ما لو ورد في حقه تعديل نصا أو حكما كما قال المعلمي .
لكنني أرى – والله أعلم – أن التوقف ما هو إلا مخلص حسن – كما قال ابن الصلاح عن جوابه – يشابه ا لقول بعدم القبول ، وأن الأولى أن يقال : إن قول الناقد ضعيف ليس بشيء يتضمن تفسير الجرح فيه ، حيث مقصوده بيان أنه سبر حديثه فاستبان له ضعف حفظه وعدم صلاحية الاعتداد بروايته .
القاعدة الثانية : أن يسلم الجرح من الموانع التي تمنع قبوله
فمن ذلك :
1- ألا يكون الجارح نفسه مجروحا ، فحينئذ لا يبادر إلى قبول جرحه ، وكذا تعديله ما لم يوافقه فيه غيره . قال ابن حجر في ترجمة أحمد بن شبيب بعد ما نقل عن الأزدي قوله فيه " غير مرضي " ، قلت – أي ابن حجر - : " لم يلتفت أحد إلى هذا القول ، بل الأزدي غير مرضي " .
2- ألا يكون الجارح من المتعنتين المتشددين ، وقد ذكروا ابن حبان والنسائي ويحيى بن معين في المتشددين . وأرى أن إطلاق التشدد والتساهل أو التوسط على ناقد ما غير سديد، فكل ناقد له تشددات وتساهلات ، والأوفق اعتبار نقده بغيره من النقاد والحكم عليه على ضوء تفرده وشذوذه في النقد كما يعلم ذلك من تصرفات أئمة النقد أمثال الذهبي ، فهو من المعروفين بالاستقراء الواسع في نقد الرجال .
القاعدة الثالثة : إذا تعارض الجرح والتعديل
إذا تعارض الجرح والتعديل في راو واحد بأن ورد فيه الجرح والتعديل ففيه أقوال ذكرها العلماء :
الصحيح الذي نقله الخطيب البغدادي عن جهور العلماء وصححه ابن الصلاح وغيرهما من المحدثين وجماعة من الأصوليين أن الجرح مقدم على التعديل ولو كان المعدلون أكثر ، لأن المعدل يخبر عما يظهر من حال الراوي والجارح يخبر عن باطن خفي على المعدل .
ولكن ينبغي أن يقيد تقديم الجرح على التعديل بشروط هي :
1- أن يكون الجرح مفسرا .
2- ألا يكون الجارح متعصبا على المجروح أو متعنتا في جرحه .
3- ألا يكون التعديل متضمنا الرد على الجرح .
والاختلاف بين النقاد في الجرح والتعديل ليسب الدرجة التي يظنها البعض ، بل هو أمر قليل بالمقارنة مع اتفاقاتهم حتى إن الذهبي قال : " لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة " أي في نفس الأمر ، والذهبي من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال .
ألفاظ الجرح والتعديل ومراتبها
اصطلح علماء هذا الفن على استعمال ألفاظ يعبرون بها عن وصف حال الراوي من حيث القبول أو الرد ، ويدلون بها على المرتبة التي ينبغي أن يوضع فيها من مراتب الجرح والتعديل ، ولا ريب أن معرفة هذه الألفاظ في غاية الأهمية لأنها الأداة التي يعبر بها النقاد عن حكمهم في الراوي .
وقد كتب المحدثون كثيرا عن هذه المراتب ، واجتهدوا في تقسيمها وبيان منازلها ، وكان أول من وصلنا من ذلك تصنيف الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي المتوفى 327هـ في كتابه العظيم "الجرح والتعديل " فقد صنف مراتب التعديل أربع مراتب وكذلك مراتب الجرح .
مراتب التعديل عند الرازي
قال ابن أبي حاتم : " وجدت الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى :
1- فإذا قيل للواحد إنه ثقة أو متقن أو ثبت فهو ممن يحتج بحديثه .
2- وإذا قيل له : صدوق أو محله الصدق أو لا باس به ، فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه ، وهي المنزلة الثانية .
3- وإذا قل : شيخ ، فهو بالمنزلة الثالثة يكتب حديثه وينظر فيه إلا أنه دون الثانيـة .
4- وإذا قالوا : صالح الحديث ، فإنه يكتب حديثه للاعتبار .
مراتب الجرح عند الرازي
1- وإذا أجابوا في الرجل بـ"لين الحديث " فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه اعتبارا .
2- وإذا قالوا : ليس بقوي ، فهو بمنزلة الأولى في كتبة حديثه إلا أنه دونه .
3- وإذا قالوا : ضعيف الحديث فهو دون الثاني لا يطرح حديثه بل يعتبر .
4- وإذا قالوا : متروك الحديث ، أو ذاهب الحديث أو كذاب فهو ساقط الحديث لا يكتب حديثه ، وهي المنزلة الرابعة .
وقد تابع الرازي على هذا التقسيم ابن الصلاح والنووي وغيرهما ، فوافقوه موافقة تامة ، وجاء غيرهما فوافقوا على التقسيم وأحكامه من حيث الإجمال وزادوا عليه بعض التفاصيل أشهرهم الذهبي والعراقي وابن حجر والسخاوي .
وأرى هؤلاء كان لكل واحد منهم اصطلاحه ، وهي متقاربة ، ولا يمكننا أن نضع فواصل واضحة وجامدة بين هذه المراتب في الجرح والتعديل ، وقد يستعان بالقرائن اللفظية والحالية على تعيين مرتبة التعديل والجرح لراو من الرواة .
وقد وجدت ألفاظ اختلف النقاد في تفسيرها فبعضهم ذهب إلى أنها من ألفاظ التوثيق وآخرون إلى أنها من ألفاظ التضعيف ، ومن ذلك :
1- مقارب الحديث ، بفتح الراء وكسرها ، وهذا من صيغ التعديل على الصحيح ، والمعنى على الفتح : أن حديث غيره يقارب حديثه ، والمعنى على كسر الراء أن حديثه يقارب حديث غيره ، أي أن حديثه ليس بشاذ ولا منكر .
2- هو على يَدَيْ عَدْلٍ ، كان الحافظ العراقي يقول : إنه من ألفاظ التوثيق وينطق بها : على يَدِيْ عَدْلٌ ، برفع عدل وكسر الدال في يدي ، لكن حقق الحافظ ابن حجر أنها من ألفاظ التجريح الشديد كناية عن الهالك ، لأنه مأخوذ من المثل السائر : وضع على يدي عدل ، وعدل هو رجل من شرط تبع ، فكان إذا أراد قتل رجل دفعه إليه .
إرشادات عند النظر في كتب الجرح والتعديل
هذا وقد أرشد النقاد إلى ضرورة مراعاة أمور فنية عند النظر في كتب الجرح والتعديل ، ذكروها ليحتاط الناظر من أن يشرع في تلقف الأحكام دون ترو وبصيرة فيؤدي به الحال إلى الخطأ أو الحكم الجزاف .
ومن تلك الإرشادات :
1- إذا بحث الباحث في ترجمة راو ، فليتحقق أن تلك الترجمة هي لذاك الرجل ، فإن الأسماء كثيرا ما تشتبه ويقع الغلط والمغالطة .
2- أن يستوثق الباحث من النسخة التي ينظر فيها وليراجع غيرها إن تيسر له ليتحقق أن ما فيها ثابت عن مؤلف الكتاب .
3- إذا وجد الباحث في الترجمة كلمة جرح أو تعديل منسوبة إلى بعض الأئمة فلينظر أثابتة هي عن ذاك الإمام أم لا ؟
4- ليستثبت أن تلك الكلمة قيلت في صاحب الترجمة فإن الأسماء تتشابه .
5- وإذا رأى في الترجمة " وثقه فلان " أو " ضعفه فلان " أو " كذبه فلان " فليبحث عن عبارة فلان ، فقد يكون قال " هو ثقة " أو " هو ضعيف " .
6- أصحاب اكتب كثيرا ما يتصرفون في عبارات الأئمة بقصد الاختصار أو غيره وربما يخل بذلك بالمعنى ، فينبغي أن يراجع عدة كتب ، فإذا وجد اختلافا بحث عن العبارة الأصلية ليبني عليها .
7- ليبحث عن رأي كل إمام من أئمة الجرح والتعديل واصطلاحه مستعينا على ذلك بتتبع كلامه في الرواة واختلاف الرواية عنه في بعضهم مع مقارنة كلامه بكلام غيره .
الخلاصة
1- عني المحدثون بوضع قواعد عامة في ا لجرح والتعديل تضبط هذا الميدان وتجعل له بعدا منظما واضحا وتنأى به عن الأحكام الشخصية القائمة على الذوق أو الهوى ، بحث يدل دلالة واضحة على علمية منهج النقد عند المحدثين .
2- اختلفت بعض عبارات التعديل والتجريح عند النقاد ، فعني المحدثون بضبط تلك العبارات وبيان مراتبها وتحرير مراد النقاد منها بحيث بدت ألفاظ الجرح والتعديل كأنها اصطلاح عند كل النقاد وهو ما يؤكد تماسك وتناسق منهج النقد عند المحدثين .
3- نظرية الجرح والتعديل نظرية متكاملة ، تمثل ركنا مهما في منهج النقد عند المحدثين ، وقد عني النقاد والمحدثين بإقامة هذه النظرية على أسس علمية رصينة تشمل التأصيل والتقعيد والتطبيق .
........
لم نستطع إرفاق حاشية الكتاب فرجاء أخذها من الملف الأصلي للكتاب في مكتبة (صيد الفوائد)
ولتحميل الكتاب من موقع صيد الفوائد
|