
2013-05-29, 07:12 PM
|
 |
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
|
|
تاريخ التسجيل: 2011-01-05
المشاركات: 3,175
|
|
سورة الواقعة.

الواقعة من أسماء شتى ليوم القيامة، مثل الحاقة والقارعة والساعة، ومعالم هذه السورة واضحة، فهى تبدأ بحديث وجيز عن انتهاء العالم وبدء الحساب، ثم تذكر صنوف الناس بعد البعث.. وهم أصحاب السبق البعيد، وأهل اليمين وأهل الشمال. وتسوق بعد ذلك خمسة أدلة على أن البعث حق، وأن إنكاره خبال. وتختم بوصف لرحيل البشر عن هذه الدنيا بالموت، وبوادر تصنيف الأقسام الثلاثة، السابقين وأهل اليمين وأهل اليسار. إن كثيرا من الناس تحت مشاغل العيش ووطأة الشهوات وممكرة الحاضر لا يحسون إلا وجودهم المادى الغريب. يقول أحدهم وهو ذاهل: ما أظن الساعة قائمة! ويقول الآخر: إن هى إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وما يهلكنا إلا الدهر!! وقد يحلفون على هذا المجون، ويؤكدون ألا حياة بعد الموت " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت " وترى ميت الغد يشيع ميت اليوم، وهو يحدث صاحبه فيما يراوده من أمل، ويخامره من طمع غير مستفيد من موكب الموت عبرة! وتمضى القرون وتطوى الجماهير، والمنكرون يزيدون ولا ينقصون، وللكفر صوت عال فى المشارق والمغارب. وبغتة تقوم الساعة، ويخرس صوت الإلحاد، ويتبدد صداه " إذا وقعت الواقعة * ليس لوقعتها كاذبة ". إن الإنسان بطبعه مجادل، عنيد ولكن ما عساه يقول وقد وقع الهول؟ لقد جفت حلوق الأفاكين، فما يقدرون على لغو! "خافضة رافعة " هناك رؤساء وملوك سيبعثون سوقة وصعاليك لأنهم ما أعدوا لهذا اليوم عدة!! وهناك أخفياء مغمورون سيكونون يوم القيامة قمما! " ورب كاسية فى الدنيا عارية يوم القيامة "إنه يوم تصحيح الأوضاع، وفناء الزور وجلاء الحق! ومن المفسرين من يرى الخفض والرفع فى سطح هذه الأرض، كما جاء فى الحديث " يحشر
ص _426
الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقى، ليس فيها معلم لأحد". الكل حفاة عراة قيام لرب العالمين "ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا * فيذرها قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا ولا أمتا" . وكلا التفسيرين يكمل الآخر، ليس بينهما تدافع، فهناك زلزال اجتماعى يهدم ما شاء الناس من أباطيل ووضعوا من أنساب وألقاب. وهناك زلزال مادى بدأ وصفه فى قوله تعالى " إذا رجت الأرض رجا * وبست الجبال بسا * فكانت هباء منبثا". مع قيام الساعة تهيج زلازل تهد كل شىء، وتتحول بها الصخور الصلدة إلى ذر كتلك الكائنات الدقيقة التى نراها تسبح فى الشعاع! " يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار ". ولسنا ندرى كم نبقى هنا قبل أن تتبدل الأرض؟ عشرات ومئات من القرون؟ إن تحديد الرقعة الزمانية غير مهم، المهم هو إستتابة الحصاد الأخير لهذا التاريخ الطويل. وقد بين الله سبحانه أن أبناء آدم سيتوزعون على ثلاث زمر " وكنتم أزواجا ثلاثة * فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة * وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة *والسابقون السابقون * أولئك المقربون * في جنات النعيم". ذكرت سورة الواقعة أدلة على أن البعث حق، فذكرت خمسة أدلة متنوعة من آفاق الكون، وتجارب الناس!! الأول " نحن خلقناكم فلولا تصدقون ". لماذا يتهم صاحب الخلق الأول بالعجز عن الخلق الثانى؟ إننى عندما أنشى درسا أتعب فيه، فإذا أعدته كان على سهلا! "وتنزلا مع هذا الفكر يقول الله فى آية أخرى " وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ". وليس عند الله سهل وصعب وهين وأهون، ولذلك أتبع هذا التنزل بقوله ".. وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ". وقد تكرر هذا الدليل فى سور كثيرة، وهو بديهى لا يرده إلا مكابر بليد
ص _427
سورة الواقعة
" وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا * قل كونوا حجارة أو حديدا * أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة... " . والقرآن الكريم يلح فى طلب النظر. واستقصاء الفكر فى هذا الوجود لمعرفة البدء والعودة! إننا موجودون يقينا فكيف وجدنا؟ والمتأمل فى النشأة الآخرة، يرى استبعادها حماقة! " أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير * قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير * يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون ". وقد لخصت هذه المعانى كلها فى آية قصيرة " نحن خلقناكم فلولا تصدقون ". الدليل الثانى: إن الذى خلق العالم لأول مرة لم يبذل فيه جهده ويستنفد قدرته! إنه كل يوم، بل كل ساعة، بل فى كل طرفة عين يتجدد خلقه! ويبدو ذلك فى تخلق البشر، واستقبال ذريات جديدة باستمرار.. ويتقرر هذا الدليل فى قوله تعالى " أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون * نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون". والمنى سائل عجيب! فهذا الماء المهين ـ فى منطق القادر الأعلى ـ تحمل الدفقة الواحدة منه مائتى مليون حيوان منوى. هذا الحيوان الذى لا يرى لضآلته يحمل فى كيانه كل خصائص النوع الإنسانى المادية والمعنوية. ذلك معروف من قديم. ففى قصة الملاعنة التى وردت بسورة النور يقول الرسول الكريم فى المرأة الحامل المتهمة: " إن جاءت به أكحل العينين سابغ إلاليتين خدلج الساقين، فهو لشريك بن سعماء الذى رميت به..! ". انظر كيف انتقلت الصفات الجسدية من الأب للابن عن طريق الحيوانات المنوية، وكما تنتقل هذه الصفات العقلية والخلقية! هل فى الخصيتين مصانع عالمية تديرها عصابة من العباقرة تصنع ذلك؟ لا شىء هنالك. إن هذه الغدد تأخذ مادتها من الدم، والدم يجىء من الغذاء، والغذاء يجىء من الطين! والمشرف أولا وأخرا على هذه الأطوار هو الله
ص _428
" الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين * ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون" . والمدهش أن الإنسان يتخلق من حيوان منوى واحد فقط، والبقية الأخرى من المائتى مليون تذهب إلى دورات المياه! كأن الله يقول للإنسان المتكبر إن إيجادك، وإيجاد مليارات مثلك لا يكلف شيئا. قلت لامرئ أحمق يزعم أنه يشتغل بالفلسفة: من صنع الحيوان المنوى الذى اخترقها واستقر فيها؟ إن كلا من أبويك لا يدرى شيئا وتجىء أنت تصنع الإلحاد " ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون". الدليل الثالث: إن الأرض التى تحيا فوقها حافلة بالروائع، فأنت واجد بها جنات معروشات وغير معروشات وحقولا وغابات وأنواعا من الثمار لا حصر لها بين حبوب وفواكه وموالح وزيوت وأنسجه وألوانا من الأزهار المختلفة الريح والصبغة.. إلخ. من منشئ ذلك كله؟ إن الفلاح يشق الأرض ويلقى البذر ولا يدرى شيئا بعد. إنه يشهد ما تصنع القدرة العليا، ويستقبل هدايا الله وهو مستسلم! أما يدفع شىء من هذا إلى معرفة المنشئ المبدع؟ أما يبعث ذلك إلى إدراك قصة الحياة والموت؟! فى سورة الواقعة إشارات إلى ما فى الزرع والحصاد من دلائل على البعث الأخير. " أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون * لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون ... ". إن إحياء الموات قصة تتكرر فى أرجاء الدنيا. " وآية لهم الأرض الميتة أحييناها.. ". وإخراج البشر من الأجداث لا يزيد عن إخراج النبات من ظلمات التراب حاملا صنوف المعادن والمواد المذهلة "والله أنبتكم من الأرض نباتا * ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا". وفى سور أخرى بيان أكثر " والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج * تبصرة وذكرى لكل عبد منيب " إن التوبة هنا يقظة عقل: كان غافيا
فصحا، وكان ذاهلا فأنتبه... نعم الخروج للقاء الله، ومواجهة الحساب مثل هذه الزروع التى خرجت من التربة العفنة السبخة تحمل السكر والدهن والنشا وتتورع عليها ألوان الطيف.. ثم يدعو إلى إنكار البعث وفى كل حين بعث..
ص _429
وقد يتصور الفلاح أن له عملا فيما يتم، فبين الله أنه لو أراد دمر ما أنشأ وأسلمه إلى أسراب الجراد " لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون * إنا لمغرمون * بل نحن محرومون" . إن بعث الأجساد كاستنبات الأرض، عمل تبرز فيه قدرة بديع السماوات والأرض، ويجب أن يكون مثار إيمان بالبعث والجزاء. لنتدبر قصة الجزاء الأخروى والزعم بأنه روحانى! من المعلوم أن الإنسان جسم وروح، فهل صحيح أن التسامى المنشود للإنسان لايتم إلا بتدمير الجسد، وتجاهل مطالبه؟ إننى لم أر فى الكتاب والسنة أى إشارة إلى تعذيب الجسد وإشقائه! نعم هناك صيام مشروع، وتعرض للعطش والجوع!! وهناك صلاة قد يطول فيها السجود والقيام، وقد تتورم فيها الأقدام! وربما اكتسب الإنسان رزقه من حرفة ينصب فيها ويتصبب عرقه! وربما انتهت حياته بالقتل فى سبيل الله فتزهق روحه، ويراق دمه، ويتحقق فيه قول ابن الرومى: فحب جسما على الأرض إذ هوى وحب بها روحا إلى الله تعرج! لكن ذلك كله فحوى الامتحان الإلهى للإنسان روحا وجسدا، وحظ الروح من هذا الامتحان قسيم لحظ البدن، بل دور البدن هنا الوسيط، فهو ينقل ما يصيبه إلى الوعى ومع الوعى يكون التحمل واتجاه الإرادة إلى مرضاة الله. ولو وقف الألم مكانه بالبنج مثلا ولم يشعر المرء بشىء حتى الموت، ما كان له من فضل! إن الإنسان جنس يتميز بخصائصه، وقد خلقه الله بيديه، ولم يخلقه فى أحسن تقويم، ليجىء رجل أو امرأة فيقول: إن الجسم حقير وينبغى أن يهان ويعذب! وعندما خلق الله آدم قال له: " وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما.. " فأين تعذيب الجسد فى هذه الإباحة؟! وخلق الله الرسل، وجعلهم صفوة خلقه، وقال
لهم " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا... " . فأين آثار الحرمان فى هذا التكليف..؟ ويسر الله الأرزاق الطيبة للمؤمنين به، ولم يطلب إلا الشكر على ما أنعم " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون". فهل فى هذا حرب على الجسد وتخطيط لإهانته؟
ص _430
وبين ـ جل شأنه ـ أن أبناء آدم بعد رحلتهم الطويلة فى أرجاء الدنيا وتوارثهم عمرانها حينا بعد حين سوف يعودون إلى الله كرة أخرى " كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين" فهل تتحقق هذه العودة بقيام الناس صورا لا أرواح فيها أو بقيامهم أرواحا لا أجساد لها؟ هذا تصور أخرق. الناس هم الناس، وسوف يحيون بجوارحهم ومشاعرهم التى باشروا بها المعاصى أو الطاعات! وعندما يحاول الذين مردوا على الجدل والمكابرة أن ينكروا ما فعلوا، نطقت أركانهم بتكذيبهم " حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون * وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون". إن الإنسان الذى أحس المعاناة والتضحية فى دنياه يكافأ بنعيم مقيم فى الآخرة. وروى ابن كثير عن الطبرانى أن النساء المؤمنات أفضل فى الجنان من الحور العين! قالت أم سلمة: فبم ذاك؟ قال بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن لله!! ثم جاء فى هذا الحديث أن النساء المؤمنات يقلن: "نحن الخالدات فلا نموت أبدا، ونحن الناعمات فلا نيأس أبدا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا، ألا ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا، طوبى لمن كنا له وكان لنا.. ". إن الذين جاهدوا فى الدنيا هم المستريحون فى الأخرى. والقول بأن الأجسام تفنى فلا تعود، وأن الآخرة مسرح الأرواح وحدها، وأن ثوابها وعقابها معنوى يشبه تأنيب الضمير أو راحة الضمير، قول باطل لا أساس له.. ويبدو أنه انتقل إلى النصرانية من بعض الديانات الأرضية المخرفه. وكم سطت الوثنيات على الأديان فقوضت أركانها ومحت معالمها! والغريب أن الذين يحملون فلسفة الرهبانية وقهر الأبدان هم عنصر الهزيمة والاستسلام فى الحضارة المعاصرة، وهى حضارة أسفت على نفسها فى إرواء الغرائز ويسرت للرعاع من فنون الملذات ما لم تشهده مقاصير الملوك الأقدمين، وهكذا تقود الأخطاء إلى الخطيئات!! وفى دنيانا ننظر إلى جائزة (نوبل) مثلا التى يصبو إليها العلماء الراسخون! إن فى منحها تقديرا أدبيا تهش له النفس! لكن التقدير الأدبى وحده لا يطعم من جوع ولا يؤمن من خوف، ومن هنا كانت الجائزة المرصدة ثمينة وسخية.
ص _431
يتبع...
|