ونمضى فى شرح قصة الجزاء الهادى لنقول: إن مطالب الجسد محدودة وإجابتها قليلة الكلفة عندما تختفى رذائل الترف والسرف! فهل هى فوق الجزاء المعنوى؟ نقول لا... وتفاوت المواهب والهمم والجهود يلقى أجزية شتى بعضها أعلى من بعض..! قد يكون لك خادم مخلص تعطيه طبق الطعام فينظر إليه قبل أن ينظر إليك! وهو يشكرك بقوة لكن عينيه لا تعدوان الطبق وما فيه كما وكيفا.. وهناك آخر يعرفك ويقدرك ويعرف الناس بك وبقدرك. فإذا قدمت إليه الطبق كانت نظرته إليك أسبق وأعمق، وعندما يتناول الطبق منك يتمنى لو منحته كتابا من تأليفك يزيده بك علما ولك تقديرا! هل يستويان؟ إن من أهل الإيمان من تشغله أمجاد الألوهية، فهو معها فى فرح دائم! أو حضور غالب، وهو فى سرائه وضرائه ناظر إلى ربه... وحسب. لكن اللذة والألم قوانين نفسية لا ينفك عنها بشر، وعندما يعبر أهل الإيمان عن أحوالهم، فلن يخترقوا أبدا آداب الشرع ويعتدوا حدود الله. إذا قال الله " فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز "، فلا يجوز لأحد أن يقول: ما الجنة وما نعيمها؟ إننا نريد وجه الله! هذا كلام سقيم! هل يريد أن يرى وجه الله وهو فى ظل شجرة الزقوم؟ إن كان لها ظل!! إن الله يتجلى برضوانه على عباده المؤمنين وهم يرفلون فى حلل الجنة ويمشون فى ظلها الدائم. وفيما ذكرنا شرح لقوله تعالى " وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ". إن الرضوان الإلهى أعلى من كل نعيم وأقر للعين من كل لذة، ولكننا نرفض سوء الأدب مع عبارات الشارع الحكيم. وعلماؤنا مجمعون على أن ثواب الآخرة وعقابها ماديان وروحيان، وهناك حشود من الآيات والأحاديث تؤكد ذلك. قد يخطئ بعض الرجال الطيبين فينظر إلى نفسه وأحواله ثم يصدر حكما عاما غامضا فى شئون الناس. وذاك لا ينبغى! نحن نعلم أن عيسى ويحيى لم يتزوجا، لكن كلا الرسولين لم يشن حربا على الزواج، ولم يسن مسالك الرهبانية المستوحشة، لأنهما لم يبعثا لدمار الحياة! وعدم زواجهما هو لظروف تخصهما وحدهما..
ص _432
وقد عاش ابن تيمية ع**ا، وكذلك عاش جمال الدين الأفغاني، ولم يؤثر على أحدهما أنه دعا إلى عزوبة! هناك نباتيون يكتفون قى غذائهم بما يخرج من الأرض. أعرف منهم العلامة محمد فريد وجدى، لتكن هذه طبيعته! فليس أكل اللحم فريضة دينية.. بيد أننا نعترض على هذه الطبيعة إذا حاول صاحبها جعلها دينا. وقد ارتكب أبو العلاء المعرى هذه السخافة عندما قال: غدوت مريض الدين والعقل فالقنى لتعرف أنباء الأمور الصحائح! ومضى فى قصيدته يحرم لحوم الأنعام والطير، بل لقد حرم عسل النحل، فما جمعته كى يكون لغيرها!! الخ. ومن هذا القبيل ما يجرى على ألسنة بعض الأدباء اليوم من أن الجنة ليست "سوق خضار " يرمى بذلك إلى إنكار الجزاء المادى وتهوين شأنه!! وقد تأثر به ناس فى تاريخنا القريب والبعيد، وعدوه تساميا، وهو جهل كبير! إن أنس بن النضر كان يرى ربه، ويرى جزاءه الموعود، عندما استنكر موقف المنهزمين فى أحد، وأقبل وحده يقاتل المشركين، ويتحمل بجلد عض السيوف فى جلده، وهو يصيح: إنى أشم ريح الجنة من وراء أحد! هل هذا المؤمن العظيم رجل واهم؟ وهو الذى قال فيه رب العالمين: " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر... " . وجعفر الطيار، الذى احتضن علم الإسلام بيديه، فما سقط إلا بعد أن انقطعت ذراعاه، فسارع بطل آخر لحمل العلم الغالى. لقد كان يتشوف إلى الشهادة وهو يقول " يا حبذا الجنة أو اقترابها طيبة وباردا شرابها! ". فهل تطلع الرجل المعنى إلى الراحة فى ظلال الجنة وهم، أو ضعف فكر؟ كما يزعم أصحاب الخلل فى فطرتهم ونظرتهم!! إن أنصاف المتعلمين والمتدينين الذين يتكلمون فى الإسلام وهم بمعزل عن كتاب الله وسنة رسوله، خير لهم أن يصمتوا وأن يستحوا! وقد قرأت لبعض القساوسة المبشرين بالنصرانية تهكما بالجنة الذهبية وجهنم النارية! وتنديدا
ص _433
بالأجزية المادية التى شرحها الإسلام! إن هؤلاء الناس متأثرون بأفكار أرضية وفلسفات مقطوعة الصلة بالوحى. ولننظر: ماذا أسدوا للإنسانية من خير بهذا الكلام؟ هل ارتقوا بالحضارة المعاصرة وخففوا من كثافتها؟ هل حولوا العوام والخواص إلى روحانيين يكبتون الشهوات ويحلقون فى السموات؟ إنهم أخطئوا فى علاج النفس البشرية، ولم يعرفوا المفتاح الذى يدور فى أقفالها فتنفتح! إن مقادير ضخمة من الترهات، تسكن فى عقول القوم وأفئدتهم، صرفت أولى الألباب عن الدخول فى الدين، واحترام مواريثه.. إن الإنسان الذى هو مادة وروح لا يصلح إلا بتعاليم تعترف بمادته وروحه معا. وهذه التعاليم حمل رايتها الأنبياء كلهم ومن بينهم موسى الذى قال معتذرا عن قومه "أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين * واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك ". وقبله إبراهيم الذى دعا ربه قائلا " رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين * واجعل لي لسان صدق في الآخرين * واجعلني من ورثة جنة النعيم * واغفر لأبي إنه كان من الضالين * ولا تخزني يوم يبعثون * يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم * وأزلفت الجنة للمتقين * وبرزت الجحيم للغاوين". ينقسم أهل النعيم فى هذه السورة قسمين. الأول: السابقون بالخيرات. والثانى: الفائزون بقدر راجح من الحسنات! أما من بقى فهم أصحاب الشمال!.. وأخطأ بعض المفسرين فحسب أن هذه الأصناف الثلاثة هى المذكورة فى قوله تعالى ".. فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله". إن سورة الواقعة تحدثت عن الناس كلهم، مؤمنهم وكافرهم، أما الآية الموهمة، فهى تتحدث عن المسلمين خاصة! وصدر الآية يدل على ذلك " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات". ووصفت سورة الواقعة أهل السبق بأنهم "ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين". ويرى البعض أن الثلة من الأولين تعنى أصحاب الأنبياء الذين سبقوا محمدا برسالاتهم وأن القلة من الآخرين تعنى المسلمين! ويظنون أن هذا طبيعى لكثرة من سبق من أنبياء وأمم! والذى نراه أن الوصف هنا لأمة محمد وحدها، وأن الثلة من الأولين هم سلفنا الصالح،
ص _434
الذين نشروا الدين فى أرجاء الأرض بعلمهم وعملهم! وأن القلة من الآخرين، هم الغرباء بتقواهم، وسط قوى مناوئة، وخصومات مؤذية.. أما الرسل السابقون، فقد كانت رسالاتهم مؤقتة ومحدودة، تمت فى أعصار قليلة ومدن معدودة.. ونحن نحترم أصحاب موسى المؤمنين بتوراته، وأصحاب عيسى المؤمنين بإنجيله، وأين هم من قرون طوال؟! اختفوا واختفت هداياتهم، وحل مكانهم من لا صلة له بالسماء. ونلحظ أن أولى أوصاف السابقين، أو أولى الميزات التى يربحونها هى القرب من الله سبحانه، أو هو الرضوان الأكبر، ولذلك قيل " والسابقون السابقون * أولئك المقربون * في جنات النعيم". فلنتأمل فى حال أولئك الذين سكنوا فى بلاد الأفراح. إن الإيمان بالغيب الذى عرفوه فى الدنيا أضحى إيمان شهود! وعظمة الله التى صدقوا بها نظريا فى الأيام الخالية رأوها معاينة فى هذه الأيام! ومن ثم فهم يلهجون بالثناء على الله وشكره وتحميده وتمجيده! وهذا الذكر الموصول! يتم دون معاناة أو كلل أو ملل، بل ينبعث عنهم كما ينبعث الزفير والشهيق من صدورنا فى هذه الحياة.! وفى الآية " دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين". إنهم يشركون الملائكة فى استدامة التسبيح دون أى شعور بكلفة " يسبحون الليل والنهار لا يفترون". وإذا كان فى القوم من قام بالقرآن فى الدنيا وعاش له يحميه ويتلوه ويبلغه، فإنه يقال له ما جاء فى الحديث الشريف " يقال لقارئ القرآن يوم القيامة اقرأ ورتل كما كنت ترتل فى الدنيا ". نعم لقد أضحى مع السفرة الكرام البررة، بهذه المهارة وتلك الإمامة. إن أهل الجنة يحلو فى مذاقهم ترديد الباقيات الصالحات فهم يهتفون بها عن حب ورغبة، ولعلها وسمت بالبقاء والصلاح لأنها تعلو على الفناء، وكيف تفنى هذه الشعارات، سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؟ كانت فى الدنيا قواعد لسلوك المؤمن، ثم أضحت فى الآخرة شارة أهل النعيم. ماذا فعل غيرهم؟ استرخى فحجب. وقد قيل الأحجار فى طريق ال**الى عوائق وفى طريق الناشطين سلالم، الأولون ينكصون،
ص _435
والآخرون يصعدون! ومن ثم قيل فى وصف الجزاء المعد للمقربين " جزاء بما كانوا يعملون ". والكريم إذا وفد عليه ضيوف أكرم نزلهم، وأجزل عطاءهم، فأين كان أهل الجنة ينزلون بعد عودتهم إلى الله؟ إن أقل ما يقدم لهم هو أعلى وأغلى ما كان ملوك الأرض يتمتعون به! ونحن نعلم أن فى الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ونعلم أن الأسماء التى تطلق على ما فى الجنة هى عناوين تقريبية، وأن ذكرها ضرب من التشويق للعاملين فى الدنيا، والأمر فوق ما نتصور! المهم أن أهل الجنتين ـ مع ما يتقلبون فيه من نعماء ـ ليسوا أهل بطالة وخمول، إنهم يلهمون الذكر والشكر. ولا ريب أنهم سعداء بتكريم الله لهم، ولكنهم أسعد بما أتيح لهم من تحية الله ليلا ونهار، ومناجاته سرا وجهرا. ونشرح بعض الكلمات التى لا نألفها، والتى وردت فى وصف الجنان: فالسرر الموضونة ـ هى المضفورة من المعادن النفيسة. " متكئين عليها متقابلين "، أى لهم مجالس مؤنسة يواجه بعضهم بعضا فيها. " يطوف عليهم ولدان مخلدون". تخدمهم فتية يبقون ما حيوا فى سن الشباب! ومع كثرة الشراب فى الجنة من لبن وعسل وماء وخمر فإن الخمر المعنية خمرة أباحها الله لا تصيب بالصداع ولا الدوار "لا يصدعون عنها ولا ينزفون ". والنزف هو الهذيان واختلاط العقل وهو أمر معروف بين السكارى. من العلامات البارزة للجنة الحور العين. والحور العين هن بنات آدم بعد صوغهن فى قوالب أخرى تجعل العجائز شواب والدميمة وسيمة! أو هن خلق آخر يبدعه الله فى صور فتيات ساحرات العيون يستمتع بهن أهل الجنة. والظاهر أن الحور العين من الصنفين معا، وأن تغييرات كبيرة سوف تقع فى أجسام الرجال والنساء وفى هيئاتهم، وهو تغيير الأشرف والأكمل.. فلن تكون لأبناء آدم فضلات، وسيلتئم شمل الأسرة المؤمنة على الحب والرضا، مصداق قوله تعالى " جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب *
سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار". والواقع أن الجسم الإنسانى، على روعة، إبداعه له عوارض محرجة ومزعجة، وما يتم النعيم إلا بتعديل أجهزته على نحو أسمى وأنظف وأقوى وأجمل. وربما كان خلقه على ما نحس بعض الامتحان الذى فرض علينا فى هذه الدنيا.
ص _436
ولاتوجد فى القرآن سورة تستوعب كل الأجزية الحسنة المعدة للمتقين، وإنما تعرض مناظر، أو تلتقط صور لجوانب من النعيم تناسب كل سورة، وتشرح صدور القارئين بما تثير من أشواق وتفتح من آمال. وفى هذه السورة رأينا لونا من النعم المعد للسابقين ولأصحاب اليمين، وهم أكثر عددا من الصنف الأول " ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين ". ولبيان بعض الكلمات التى وردت فى ثوابهم، تظهر صنوف النعيم. فالسدر شجر يثمر النبق! وينبت مع كثرة الماء، ولعل ذلك سر نفاسته فى الصحراء، مع نكهته اللطيفة، ويصحبه دائما شوك قد يخدش لكنه فى الجنة مخضود لا شوك فيه! أما الطلح المنضود، فهو الموز المنسق المركوم فى نظام، وقيل ثمر يعرفه أهل الغرب وغيرهم، والظل الممدود، هو الذى لا يتقلص مع وقدة الشمس " أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا ". والماء المسكوب ما يجرى تحت القصور فى الجنة أو ما تدفعه النافورات إلى أعلى. ولما كانت الفواكه فى الأرض موسمية تظهر فى بعض الشهور وتختفى بقية العام، وصفت فاكهة الجنة بأنها " لا مقطوعة ولا ممنوعة ". والعروب المرأة المتوددة إلى زوجها المقبلة عليه! والجمع عرب. وسواء كن من نساء الدنيا بعد صياغتهن الجديدة أو من الحور المنشآت لأهل الجنة، فهن متقاربات الأعمار، وذاك معنى قوله تعالى " عربا أترابا * لأصحاب اليمين ". والكلام كله ـ فيما نرى ـ من البشريات لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. فالسابقون قلة من المعاصرين، ولكنهم ثلة من الأخلاف كبيرة.. ويجوز غير ذلك. " ثم ينتقل السياق إلى أصحاب المشأمة، أو أصحاب الشمال، وهم جمهور الملاحدة والفسقة والمكذبين ممن شاقوا الرسل، وعادوا الدين كله، ورضوا بالحياة الدنيا، واطمأنوا بها وسخروا مما وراءها، ولم يعرفوا فى دنياهم إلا مآربهم. وقد استخدمت مصطلحات فى صفة العذاب " في سموم وحميم " تلك الريح اللافحة بحرارتها، من السم لشدة أذاها وحميم ذلك الماء الساخن الذى يغلى. " وظل من يحموم " دخان كثيف أسود لا قيمة لظله، ولذلك جاء فى موضع آخر "انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب * لا ظليل ولا يغني من اللهب " ، وهو من الحمم جمع حممة، الفحم
ص _437
وبم استحق أصحاب الشمال هذا العذاب؟ لأنهم لم يتقوه فى الدنيا بعمل صالح، بل هم لم يؤمنوا به أصلا، وكانت معيشتهم على ظهر الأرض تشبعا من اللذات المتاحة أو جريا وراءها سواء وجدت أم لم توجد. وقد وصف الله سبحانه معيشة الكافر فى الدنيا، وانحصاره فيها وحدها، فقال "إنه كان في أهله مسرورا * إنه ظن أن لن يحور"، يرجع إلى ربه " بلى إن ربه كان به بصيرا". والكافرون يبنون حياتهم على ألا بعث! وهذا الفكر يكاد يطوى الآن المشارق والمغارب، وهو أساس الإيغال فى المعاصى والانكباب عليها دون شعور بقبحها أو ندم على اقترافها.. وذلك هو الحنث العظيم، أى المعصية الفادحة التى عناها النظم الكريم فى الآيات " إنهم كانوا قبل ذلك مترفين * وكانوا يصرون على الحنث العظيم * وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون * أوآباؤنا الأولون * قل إن الأولين والآخرين * لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ". ويعود الكلام مرة أخرى إلى وصف ما يلاقيه الملاحدة من عذاب " ثم إنكم أيها الضالون المكذبون * لآكلون من شجر من زقوم ". والزقوم طعام مرير قبيح - أعاذنا الله منه - إذا أكله صاحبه اهتاج إلى طلب الماء فلم يجد إلا ماء يغلى "وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم". ومع أثره الفظيع فإن أكل الزقوم يتطلب المزيد من الشراب لما يحسه من عطش! فهو كالبعير الأهيم المصاب فى أمعائه بحمى تحمله على طلب الماء بنهم لا ينقضى. وقد وصف أهل النار بأنهم يملئون بطونهم من الزقوم ثم يبحثون عن الماء بحث الإبل الهيم عما يرويها، وهيهات "هذا نزلهم يوم الدين ". وصور الثواب والعقاب كلها سيقت للترغيب والترهيب، ودعم تربية سليمة، لاسيما فى هذا العصر الذى تضافر فيه العلم والفن والإعلام الهازل والجاد على تجهيل الناس بالآخرة، وصرفهم عن العمل لها. وإيقاظ مشاعر الرغبة والرهبة لا يكفى! بل لابد من إيقاظ العقل الإنسانى ليفكر ويصدق ويتصرف بروية. الدليل الرابع الذى ورد فى سورة الواقعة على أن البعث حق، نجده فى قوله "أفرأيتم الماء الذي تشربون * أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون" .
ص _438
إن الماء أصل الحياة وأساس بقائها قال تعالى : " وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون " . ويكون الماء أربع أخماس الأرض، وله دورة تستحق التأمل العميق! فإن الريح تسوق السحب - مثلا - من المحيط الهندى لتسقط على أرضنا ودوابنا، ثم يذهب الماء المستعمل إلى مصارفه ومجاريه ويأخذ سبلا لا ندريها ليعود إلى البحار والمحيطات مكملا دورة ومبتدئا دورة أخرى لا يزيد ولا ينقص! قال تعالى: " وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون " . نعم الذى أوجده قادر على الذهاب به! " لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون " . إن المشيئة العليا وحدها مرجع الإيجاد والإفناء. والماء - وهو الوسيط الطبيعى للحياة هنا وللحياة بعد الموت - عنصر طيع لهذه المشيئة المطلقة، وقد جاء فى السنة أن "الله ينزل مطرا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس" وكانوا فى قبورهم هلكى.. وعذوبة الماء تتم فى الجو، بين تفاعلات كهربائية تحدث عنها علماء الطبيعة، يشرف عليها الله وحده. الدليل الخامس: - " أفرأيتم النار التي تورون * أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون * نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين ". هذا دليل كما أرى - يكشف عنه العلم الحديث فنحن عندما نتنفس نأخذ "الأو**جين " ونطرد " ثان أو**يد الكربون ". وع** ذلك يفعل النبات، فهو فى تنفسه يأخذ " الكربون " ويدع " الأو**جين ". والكربون هو الفحم! وعجيب أن تكون الخضرة مخزنا للوقود، وأن يكون رفيف الحياة ستارا لأسباب الاحتراق والتلاشى. إن الشجر فى جذوعه وفروعه وأوراقه الخضراء لا يلبث أن يجف ويتحول إلى هشيم تتأجج به النار! وهكذا نرى الموت فى تضاعيف الحياة. إن خواص المادة، مفردة كانت أو مركبة، لا تزال موضع الدراسة والاستفادة.
والمركب الكيماوى قد تظهر له صفات مضادة للمفردات التى تألف منها، فالماء مثلا نشربه لنرتوى به ونذهب عطشنا! على حين نرى عنصريه اللذين تكون منهما أقرب إلى الإحراق منهما إلى الإرواء!
ص _439
نحن نبصر فى الحدائق والحقول آيات النضارة والنماء، ولا نبصر ما يتم بعد قليل من مظاهر التلاشى والاحتراق، وكذلك تتعاقب الأضداد، وما أيسر ذلك على القدرة الإلهية "تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب" . والأخشاب والأحطاب التى تتحول إلى تراب، يتحول ترابها مرة أخرى إلى سماد لأنواع النبات، كما يتحول النبات الذى نطعمه إلى خلايا حية فى أجسامنا! والواقع أن الإنسانية كلها أمام موعدين: أحدهما قريب متعجل، والآخر متراخ متمهل. إنها أمام الموت الذى لا يطول غيابه، ولابد لكل امرئ أن يذوقه، ثم هى أمام الساعة التى لابد منها وإن طالت الأيام "هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون" " ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد " . والتكرار المتعمد لذكر القيامة ليس تهديدا للحضارات أو وقفا للعمران البشرى ـ كما فهم القاصرون ـ وإنما هو ل**ر الغرور ومنع التطلعات الطائشة. والبشر مازالوا بحاجة ملحة إلى تذكر يوم القيامة، فإن هذا التذكر يهذب غرائزهم ويكفكف أطماعهم. والعقل العادى إذا علم أن هذا اليوم حق لم يؤثر قليلا على كثير، ولا فانيا على باق، ولم يزهد فى جزاء الآخرة كما هو مسلك الحضارة المعاصرة! إن العلم الحديث ربما نجح فى استكشاف بعض أسرار المادة وقوى الكون، فما دلالة ذلك وما جدواه؟ إنه لا يلغى حكمة الوجود ولا رسالة الأحياء على ظهر الأرض، تلك الرسالة التى لخصها القرآن الكريم فى هذه الكلمات "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور". بل إن ميدان الاختبار الإلهى يتسع ويعمق بقدر ما انفتح على الإنسان من إمكانات مادية وأدبية. وقد ختمت سورة الواقعة بلون من التحدى تخسأ أمامه الخلائق: هل يستطيع أحد الإفلات من الجزاء الحتم؟ هل يقدر البشر مهما سند بعضهم بعضا على أن يدفعوا الموت، وينقذوا منه قريبا أو صديقا؟ " فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون * ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون * فلولا إن كنتم غير مدينين * ترجعونها إن كنتم صادقين" .
ص _440
لن ترجع نفس إلى الدنيا بعدما استوفت الأجل المكتوب لها، بل سينقسم البشر زمرا وفصائل حسب ما قدموا لأخرتهم ويتوزعون على الدرجات التى اكتسبوها. " فأما إن كان من المقربين * فروح وريحان وجنة نعيم * وأما إن كان من أصحاب اليمين * فسلام لك من أصحاب اليمين". إنها تحية الملائكة للناجين الناجحين فى معركة الحياة، تستقبلهم لتكون بشرى سارة يوم عودتهم إلى الله. "وأما إن كان من المكذبين الضالين * فنزل من حميم * وتصلية جحيم". هؤلاء أصحاب الشمال والمصير الأسود. هكذا صدق آخر السورة أولها، ولخص مجملها فهل يعى الناس ما يستقبلون من هذه المصاير؟ سواء وعوا أم ذهلوا، فلن يتغير الواقع " إن هذا لهو حق اليقين * فسبح باسم ربك العظيم"
ص _441
مأخوذ من كتاب نحْوَ تفسير مَوْضوعيّ.
الشيخ محمد الغزالي.
<A href="https://fbcdn-sphotos-b-a.akamaihd.net/hphotos-ak-prn2/p480x480/179709_570053866349332_385530784_n.jpg" target=_blank>
