الموضوع: هجرة وتاريخ.
عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 2013-06-26, 08:10 PM
الصورة الرمزية أبو عادل
أبو عادل أبو عادل غير متواجد حالياً
عضو متميز بمنتدى أنصار السنة
 
تاريخ التسجيل: 2011-01-05
المشاركات: 3,175
أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل أبو عادل
مهم هجرة وتاريخ.





" ...... إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) " ( صدق الله العظيم ).
في السنة الثالثة عشرة للمبعث كانت الهجرة التاريخية التي اختارها بعد ثاني الخلفاء الراشدين " عمر بن الخطاب " رضي الله عنه . بداية للتقويم الإسلامي .
تقديرا لجلال الحدث الذي كان منطلق تحول حاسم وخطير في تاريخ الإسلام . وعلى امتداد الزمان يحتفل المسلمون حيثما كانوا . بمستهل عام الهجرة , دون أن يفوتهم لمح ما كان لها من أثر بعيد في حركة سير الدعوة الإسلامية ودون أن يخطئهم إدراك ما أعقب تلك الهجرة التاريخية من تغير في موازين القوى بين ح** الله وبين الوثنية الباغية من قريش .
وإن فاتهم أو فات كثيرا منهم وعي حركة التحول ذاتها وأعوزهم فهم التفسير التاريخي لتلك الهجرة الفاصلة بين أخطر المرحلتين من عصر المبعث .
ولقد مضى عليها أكثر من ألف وأربعمائة سنة كلما بدأت السنة القمرية بهلال المحرم تحركت أقلام تحيي الذكرى الخالدة , وشدت أبصار وقلوب إلى خطوات المهاجر العظيم ما بين مكة ويثرب منذ خرج صلى الله عليه وسلم من بيته في مكة ذات نهار ـ وقد بلغت محنة الاضطهاد أقصى مداها .
ص 143
بعد ثلاث عشرة سنة من المبعث ـ فاتجه إلى بيت صاحبه الصديق أبي بكر . وأسر إليه إن الله تعالى قد أذن له في الخروج والهجرة . هتف الصديق : " الصحبة يا رسول الله ..... الصحبة " .
وبدأ التأهب لرحيل عاجل :
بعث أبو بكر يدعو " عبد الله بن أريقيط " وكان دليلا ثقة خبيرا بمجاهل الطريق فدفع إليه براحلتين يرعاهما لميعاد موقوت .
ودعا المصطفى صلى الله عليه وسلم ابن عمه " علي بن أبي طالب " فاستخلفه بمكة ليؤدي عنه ودائع كانت للناس . ثم لما حانت ساعة الرحيل , وقف صلى الله عليه وسلم على مرتفع هناك ببيت صاحبه فرنا إلى البيت العتيق طويلا ثم أشرف على أم القرى فاستوعبها بنظرة حزينة وقال مودعا :
" والله إنك لأحب أرض الله إلى الله , وإنك لأحب أرض الله إلى ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت " . و تسلل الصاحبان من خوخة في ظهر الدار . فأخذا طريقهما إلى غار يعرفانه في جبل ثور بأسفل مكة , فأقاما فيه ينتظران ما يكون من أصداء الرحيل .
وجاء اليوم التالي يحمل إليهما في الغار الأنباء عن خروج نفر من طواغيت قريش لمطاردة المصطفى عليه الصلاة والسلام . وفي الخبر أنهم بلغوا غار ثور فتلبثوا عنده وهموا بأن يدخلوه لولا أن صدهم عنه نسيج عنكبوت على مدخله وحمامتان وحشيتان وقعتا عليه (1) .
قال الصديق للمصطفى صلى الله عليه وسلم :
" لو أن أحدهم نظر إلى قدمه لرآنا " . فكان جوابه صلى الله عليه وسلم : " لا تحزن إن الله معنا " .
وفي هدأة المساء من الليلة الثالثة لمقامهما في الغار جاء الدليل يسوق الراحلتين حذرا فأناخ قريبا من فتحته وخرج المصطفى وصاحبه وجاءت أسماء بنت أبي بكر بطعام لهما فلما أعوزها
ــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفصيل الهجرة في الجزء الثاني من : السيرة الهشامية وطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري .
ص 144
عصام تشد به الزاد إلى الرحل , حلت نطاقها فشقته نصفين , علقت الزاد بأحدهما وانتطقت بالشق الآخر . وسرى الركب في تلك الليلة التاريخية . آخذا طريق الجنوب من أسفل مكة وكان غير مطروق . وودعتهما " أسماء " ذات النطاقين ثم تلبثت تتبعهما بصرها وقلبها حتى أبعدا فعادت إلى بيت أبيها مستخفية حذرة وهي توجس خيفة من المطاردين . ولم تمض لحظات حتى فوجئت بطرقات عنيفة تلح على باب الدار وإذا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام يسألونها في غلظة : " أين أبوك يا بنت أبي بكر ؟ " أجابت : " لا أدري والله أين أبي " .
وما كذبت فقد كان آخر عهدها بأبيها مع المصطفى عليه الصلاة والسلام منطلقين من الغار إلى حيث لا تدري أين بلغ بهما المسرى في مجاهل الفلاة . وفجأة بغتتها لطمة فاحشة على خدها من يد أبي جهل طرحت قرطها . وانصرف بمن معه يتهددون ويتوعدون .
ومضت أيام وليال لم يكن لمكة فيها شاغل غير تلك المطاردة العنيفة تعدو فيها قريش وراء مهاجر أعزل إلا من إيمانه . وتضاربت الأنباء في الطريق التي أخذها ـ حتى جاء الخبر من يثرب أن النبي عليه الصلاة والسلام بلغ دار هجرته آمنا .
ووعت أذن الزمان ما لا نزال نردده في كل عيد للهجرة من هتاف المدينة ترحيبا بالمهاجر العظيم صلى الله عليه وسلم وما وجد في دار هجرته من مأمن ونصر ......
وفي واقع التاريخ أن الهجرة لم تنه الجولة الفاصلة بين الإسلام والذين تصدوا له بالعداوة والكيد والحرب . وإنما كانت بداية لهذه الجولة الفاصلة . ص 145
بقدر ما كانت أثرا لما سبقها من أحداث وتحركا إلى موقع جديد بعد جولة مريرة وطويلة في البلد العتيق . فإذا كان في الناس من يتصورون أن منافذ الخطر قد سدت بمجرد انتقال المصطفى من دار مبعثه وأن الإسلام صار بمأمن من كيد أعدائه بمجرد أن تلقاه الأنصار في دار هجرته , فالذي يعرفه الواقع التاريخي أن الصدام المسلح بين الإسلام والوثنية القرشية لم يبدأ إلا بعد الهجرة وبدأ معه في الوقت نفسه نضال شاق بالغ الصعوبة والحرج مع عصابات يهود التي تصدت للإسلام بعد الهجرة بكل ما تملك من أسلحة خبيثة ماكرة .
والذي تعرفه السيرة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم واجهوا مع الهجرة مرحلة خطرة معقدة كان عليهم فيها أن يخوضوا حربا في أكثر من جبهة وأن يستبسلوا في الجهاد تحت لواء عقيدتهم من حيث يأتيها الخطر . من مواقع مكشوفة سافرة , وأخرى خفية ماكرة .
والتحول التاريخي لموقع المعركة لا يمكن فهمه على الوجه الشائع الذي يحسب أن الهجرة عزلت مكة عن مسرح الأحداث . بل تظل مكة في صميم الصراع الدائر مهما ينتقل موقعه إلى شمال الحجاز .
ويظل البيت العتيق مهوى أفئدة المهاجرين والأنصار في دار الهجرة كما كان مثابة حج العرب من قديم العصور والآباد . وفي مكة كان مهد المصطفى صلى الله عليه وسلم ومبعثه .
وفيها مستقر الوثنية العربية من قديم موغل في القدم ولم تكن الأرستقراطية القرشية التي ورثت وظائف الشرف الدينية في أم القرى وحققت بها نفوذها وسلطانها مستعدة لأن تتخلى عن نضالها للإبقاء على الأوضاع الموروثة والأعراف الراسخة . والدفاع عن دين الأسلاف وما تجنبت الصدام المسلح مع الإسلام في مكة إلا رعاية لما للبلد العتيق من حرمة جعلته معبد القبائل العربية ومركز مواسمها التجارية .
كان في حسابها أن تواجه الخطر بالمفاوضة والمساومة ثم بالإلحاح في إيذاء المسلمين وتعذيب المستضعفين منهم وتحذير كل وافد إلى مكة في الموسم من الإصغاء إلى ما يتلو محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من كتاب الإسلام ص 146
ثم كان الحصار المنهك وسيلة أخرى من وسائلهم في مقاومة الدعوة والترصد لمن يحاول الهجرة من المسلمين ومطاردتهم حيثما ذهبوا . حتى كان عام الحزن إيذانا بحتمية التماس منفذ من الأسوار التي سدت الطريق . أحس المصطفى صلى الله عليه وسلم بموت زوجه السيدة خديجة وعمه أبي طالب . فراغ مكانهما في دنياه إحساسا شديد الوطأة , حتى لتقول إحدى الصحابيات " خولة بنت حكيم السلمية " رضي الله عنها : " يا رسول الله . كأني أراك قد دخلتك خلة لفقد خديجة " .
وثقل عليه شعور بالغربة في بلدع وبين أهله وعشيرته . لكن بيعة العقبة الكبرى هي التي وجهت مؤشرالأحداث نحو يثرب دون أن تنأى بمكة عن مكانها في مركز الثقل لمصير التحول ....
احتشدت يثرب في انتظار المهاجر العظيم الذي لم يكن هناك أدنى شك في وجهته برغم ما ذاع من توغل المطاردين في طريق مكة إلى يثرب دون أن يظفروا بأثر منه .
اليهود أرسلوا راصدهم يرقب مقدم النبي المهاجر , فأخذ مكانه على مشارف يثرب . وغير بعيد منه كان المهاجرون والأنصرا من أوس وخزرج يخرجون كل صباح بعد الصلاة إلى ظاهر المدينة فما يزالون ينتظرون حتى تغلبهم الشمس على الظلال فيعودوا إلى دورهم . واليهودي قائم هناك في مرصده لا يريم .
وإذا هم يدخلون بيوتهم ذات يوم بعد أن لم يبق ظل . سمعوا ليهودي يصرخ بأعلى صوته : " يا بني قيلة , هذا جدكم قد جاء " .
وسرت البشرى في أنحاء دار الهجرة فتعالى الهتاف من الأحياء العربية يشق أجواز الفضاء ترحيبا بالمهاجر العظيم . صرخة اليهودي المعلنة بأعلى الصوت عن وصول المصطفى إلى دار هجرته زلزلت الأرض تحت يهود في مستعمراتهم الناشبة في شمال الحجاز : من نوع حي بني قينقاع في قلب يثرب إلى قريظه وخيبر وفدك وتيماء ووادي القرى .
ورج صداها حصون الأبلق والوطيح والسلالم وناعم والقموص , وعشرات غيرها من ص 147
الحصون المنيعة والآطام العازلة التي " أقاموها على رءوس الجبال والقلاع ليتحصنوا بها وقت الخطر (1) . وبدأ من اليوم الأول للهجرة تأهبهم لدورهم الخبيث في مقاومة الإسلام .

يتيع...
__________________








رد مع اقتباس