السيرة سيدنا أبو بكر الصديق - دخوله في الإسلام ومصداقيته مع النبي لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
السيرة سيدنا أبو بكر الصديق - الدرس (2-5) : دخوله في الإسلام ومصداقيته مع النبي
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-03-28
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
المعدن الذي انطوى عليه الصديق في الجاهلية وسما فيه في الدين الحنيف :
أيها الأخوة, مع الدرس الثاني من سيرة سيدنا الصديق رضي الله عنه وأرضاه, هذا الصحابي الجليل هو الصحابي الأول، لذلك إذا قرأتم سيرته يمكن أن يكون قدوة لأي مؤمن في طريق الإيمان، فكان في نفسه تساؤل مستمر، تساؤل عن الحق، تساؤل عن الهدى، فكان هذا الصحابي الجليل صديق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى ذلك أنه قريب جداً منه، كلما ارتفع مستوى الرجل إلى مستوى صنوه صار صديقاً له, النبي عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح عَنْ عَمَّارٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقِهُوا "
(أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في الصحيح)
مكارم الأخلاق في الجاهلية :
هذه الأمة العربية التي اختارها الله لتكون أمة وسطاً، هذه الأمة وهي في جاهليتها تنطوي على مكارم للأخلاق, فقد كان حاتم الطائي وهو من سادة العرب في الجاهلية يقول لغلامه :
أَوْقِدْ فَإِنَّ اللَّيْلَ لَيْلٌ قَــرٌّ والرِّيحَ يَا مُوقِدُ رِيحٌ صِرُّ
عَسَى يَرَى نَارَكَ مَنْ يَمُـرُّ إِنْ جَلَبْتَ ضَيْفًا فَأَنْتَ حُـرُّ
أي إن جئتني بضيف, ومكنتني من إكرامه, فأنت حر، فبعضهم يوقد النيران الشاهقة في الليل كي يستدل بها الضيوف على مكان القِرى والإكرام، والعرب في الجاهلية كانوا يكرمون الضيف ، وينصرون المظلوم، ويعينون على نوائب الدهر فلديهم مكارم أخلاقية حقاً .
أيها الأخوة, العرب في الجاهلية كانت لهم أشهر حرم، أنا لا أنسى أنه كانت لهم نواقض كثيرة، لكن هناك مكارم أخلاق رغم الجاهلية التي كانوا يعانون منها
" خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقِهُوا " .
(أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في الصحيح)
ففي هذه الأشهر الحرم تتحوّل السيوف إلى أغصان، وتتوقف الحروب، ويتوقف سفك الدماء، هذه ميزة كانت عندهم، بينما نسمع الآن أن الحرب دامت ثلاثة عشر عامًا, وحروب أهلية لا تبقِي ولا تذر .
موقف العلماء من الرؤيا التي رآها الصديق في منامه :
كان الصدِّيق عليه رضوان الله في قِمَّة هذه النماذج التي عاشت في الجاهلية، والتي جاءها الإسلام، وهي على نقاء فطري، هذا الصحابي الجليل كما قلت لكم: لم يشرب خمراً, ولم يعبد صنماً, وكان في مخيلته تساؤل كبير عن الحق الذي يعد شفاء للنفوس, كان مرة في بلاد الشام في عمل تجاري، وقبل أن يغادر الشام إلى بلده مكة رأى رؤيا، رأى قمراً قد غادر مكانه في الأفق الأعلى، ونزل على مكة حيث تجزأ إلى قطع وأجزاء، تفرقت في جميع منازل مكة وبيوتها, ثم تضامنت هذه الأجزاء مرة أخرى، وعاد القمر إلى كيانه الأول، واستقر في حجر أبي بكر، صحا هذا الصديق من نومه، وقد رأى هذه الرؤيا، فسار إلى أحد الرهبان المتقين الذين ألفهم، وعقد معهم صلات بالشام، وقص عليه الرؤيا، فتهلل وجه الراهب الصالح، وقال لأبي بكر : لقد أهلَّتْ أيامُه، قال: من تعني؟ قال: النبي الذي يُنتَظَر، ويجيبه الراهب: نعم، وستؤمن معه، وستكون أسعد الناس به .
هذه يسميها علماء السيرة إرهاصات، والأشياء الجليلة العظيمة لا بد لها من إشارات تؤكد قدومها، وتبشر بها، سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام كلم الله في المهد قال:
إني عبد الله، فلما كبر, وأرسله الله رسولاً لقومه, تذكروا أن هذا الغلام هو الذي تكلم في مهده، فالمعجزات التي تظهر على أيدي الأنبياء في وقت مبكر جداً من إرسالهم للناس ليست معجزات بالمعنى الدقيق, ولكنها كما يقولون علماء السيرة: إرهاصات، وحينما يبعث النبي برسالته إلى أمته يذكر الناس أن لهذا الإنسان وضعاً خاصاً حينما كان صغيراً، فيربطون بين الحدث القديم وبين البعثة الجديدة، وهذاالربط لديهم مما يؤكد أن العناية الإلهية اختارت هذا الرجل ليكون نبياً, وهذا معنى قوله تعالى:
﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾
( سورة طه الآية : 39)
هذه الإرهاصات تؤكد للناس صدق بعثة الأنبياء .
فسيدنا الصديق يحتل مرتبة الصديقية، حينما تقرؤون سيرته ستجدون فيها ما لا يصدق ، الحب الذي ينطوي عليه هذا الصحابي الجليل للنبي يكاد لا يصدق، المؤاثرة، التضحية، الولاء ، الفهم، الإدراك في أعلى مستوى، وهذه القدرات الفذّة التي يمنحها الله للمؤمنين تقابل صدقهم في طلب الحقيقة .
كلما اشتد صدقك في طلب الحقيقة منحك الله قدرات استثنائية تعينك على تحقيق مطلبك في الحياة، إذاً: هذه كانت بالمعنى الدقيق إرهاصات لظهور النبي عليه الصلاة والسلام .
الخبر الذي ضج به أهل مكة وتصديق الصديق له :
سيدنا الصديق كان مسافراً، وعاد إلى مكة المكرمة، لكن هذه المرة عاد إلى مكة المكرمة، وفيها حدث جلل، وفيها أمر عظيم، وفيها خبر يدوي الأرجاء، ما هذا الخبر؟ اقترب أبو بكر من مكة المكرمة فشعر أن فيها حدثًا لم يكن حينما غادرها، فلما دخل مكة، وقابل أصدقاءه تقدمهم أبو جهل وتعانقا، وبدأ أبو جهل يقول: أَو حدَّثوك عن صاحبك يا عتيق، سيدنا الصديق كان اسمه في الجاهلية عتيقًا، فأجابه أبو بكر: ماذا تعني؟ فقال أبو جهل: أعني يتيم بني هاشم، قال أبو بكر: تعني محمداً الأمين، ودار حوار سريع بين أبي جهل وبين الصديق، قال: سمعت أنت ما يقول يا عمرو بن هشام؟ قال : نعم سمعته، وسمعه الناس جميعاً، قال: وماذا يقول ؟ قال: يقول إن في السماء إلهاً، أرسله إلينا لنعبده، ونترك ما كان يعبد آباؤنا، ثم إنّ سيدنا الصديق سأل أو قال: إن الله أوحى إليه؟ قال أبو جهل: أجل، قال الصديق: ألم يقل كيف كلمه ربُّه؟ قال أبو جهل: إن جبريل أتاه في غار حراء، وتألق وجه أبي بكر كأنه الشمس، قال في هدوء وسكينة: إن كان قال هذا: فقد صدق .
|