دليل ذلك يوم حادثة الإسراء والمعراج :
دققوا في هذه القصة, كان أبو جهل ذاهباً لبعض شأنه حين مر بالكعبة, فأبصر النبي صلى الله عليه وسلم جالساً وحده في المسجد الحرام، صامتاً مفكراً، وأراد أبو جهل أن يؤذي النبي عليه الصلاة والسلام ببعض سخرياته, فاقترب منه وسأله, أولم يأتك الليلة شيء جديد؟ فرفع النبي عليه الصلاة والسلام رأسه, وأجاب في جد: نَعَم، أُسرِي بي الليلة إلى بيت المقدس في الشام، فقال أبو جهل مستنكراً: وأصبحتَ بين أظهرنا، طبعاً كل عصر له معطياته، الآن مثلاً سهل جداً أن تركب الطائرة من جدة الساعة التاسعة، وتكون الساعة العاشرة في الشام، لكن تصوروا العصر الذي عاش فيه النبي بين مكة وبيت المقدس، أعتقد أنّ المسافة كانت شهرًا أو شهرين مِن ركوب الناقة، وهنا صاح أبو جهل في جنون: يا بني كعب هلموا، وأقبلت قريش ينادي بعضها بعضاً، فماذا حل بالنبي؟ وهو مأمور أن يبلغ الناس أنه أسري به، من دون إسراء لم ينته منهم، وهو مكذَّب، فكيف بالإسراء والمعراج؟ ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبر أحداً من أصحابه بنبأ الإسراء بعدُ، فتجمع الناس عند الكعبة، ومضى أبو جهل يحدثهم في حبور بما سمع، وقد ظنها الفرصة المواتية التي عندها سينفض الناس عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنّ أمْر النبي انتهى إلى الأبد، لكن الذي انتهى وصار في مزبلة التاريخ أبو جهل وأبو لهبٍ وأمثالهما، قال تعالى:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾
( سورة المسد الآية : 1)
هؤلاء الذين عارضوا النبي أين هم الآن؟ وتقدم واحد من المسلمين وسأل النبي:
يا رسول الله أحقاً أسري بك الليلة؟ فقال النبي: نعم, وصليت بأخواني الأنبياء هناك، وهذه أفظع أيضاً، وسرى في الجمع المحتشد خليط متنافر من المشاعر المهتاجة، ورحب المشركون بما سمعوا أشد الترحيب، ثم وصل هذا الجمع الغفير إلى دار أبي بكر, وقالوا له: هذا صاحبك، وهذا الذي تقول عنه: الصادق الأمين، والذي تظن به خيراً، تعال واسمع هذا الخبر يا عتيق، وخرج أبو بكر دهشاً تجمله السكينة والوقار, وسألهم: ماذا وراءكم؟ قالوا: صاحبك، قال: ويحكم هل أصابه سوء؟ مِن شدَّة حبه له، وتراجع القوم، وقالوا: لا، إنه هناك عند الكعبة يحدث الناس أن ربه أسرى به الليلة إلى بيت المقدس، وتقدّم آخر يكمل الحديث ساخراً، ذهب ليلاً وعاد ليلاً وأصبح بين أظهرنا، فأجابهم أبو بكر, وقد تهلل وجهه: أي بأس في هذا؟ إني لأصدقه فيما أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء يأتيه في غدوة أو روحة، إن كان قال هذا: فقد صدق .
( أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح )
هو الصديق أدرك إدراكًا عظيمًا، هذا الذي خلق السموات والأرض، وأنزل عليه جبريل من فوق سبع سموات، الذي فعل هذا بإمكانه أن يأخذه إلى بيت المقدس، وأن يعيده في ليلة واحدة, ما هذا اليقين؟ هذا يقين الصدِّيقية، سيدنا علي, يقول: والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً، المؤمن كلما ارتقى إيمانه يصبح هو والحقائق وجهاً لوجه، يعني يقينه بالحق الذي يؤمن به أقوى من وجوده .
سيدنا الصديق ليس عنده مشكلة, كيف ذهب؟ وكيف عاد؟ عقله الراجح، وخبرته بالنبي عليه الصلاة والسلام يقينية، ويبدو أن نظره في هذا الكون العظيم، والذي خلق هذا الكون قادر على أن يأخذه، ويعيده في ليلة واحدة, وهرول أبو بكر إلى الكعبة حيث الرسول صلى الله عليه وسلم، وعند الكعبة رأى الجمع الشامت المرتاب متحلقين، ورأى نور الله هناك في جلسته الخاشعة مستقبلاً الكعبة لا يحس بهذا اللغط من حوله, ولا يسمع للقوم ركزا، وانطرح أبو بكر عليه يعانقه، ويقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والله إنك لصادق, والله إنك لصادق، لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام من تكريم الله له أنه أحاطه بهؤلاء الأصحاب .
فكلما كان أصحابك من علية القوم صدقاً, وأمانةً، وورعاً، ووفاءً، وبذلاً، وتضحيةً، فأنت عند الله في مكان رفيع، و كلما كان الذين من حولك مقصرين مترددين متشككين متخاذلين أحياناً ، فهذه علامة ضعف إيمانك .
|