موقفه أيضاً الخطير والأعظم يوم وفاة الرسول :
لكن الموقف الذي لا ينسى، والذي عصم الله به المسلمين من الشتات يوم توفي النبي عليه الصلاة و السلام، أنا أعتقد أنه ما من أحد على وجه الأرض يحب النبي عليه الصلاة و السلام كما يحبه الصديق, و مع ذلك فإنّ هذا الخبر، خبر موت النبي عليه الصلاة و السلام لم يحتمله أحد من أصحاب رسول الله، فسيدنا عمر كذبه، وسيدنا الصديق كان في بعض شأنه في طرف المدينة يوم توفي النبي عليه الصلاة والسلام، سيدنا عمر حينما علِم بنبأ الوفاة, قال كلاماً اختل توازنه: إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله مات، وإنه والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، والله ليرجعنَّ رسول الله فليقطعنّ أيدي رجال زعموا أنه مات، ألا لا أسمع أحداً, من يقول: إنه مات إلا فلقت هامته بسيفي هذا، هذا موقف سيدنا عمر ، شيء غير معقول، أيموت رسول الله؟
أما سيدنا الصديق وهو في طريق العودة إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام سمع النبأ في الطريق،
فقال: لا حول و لا قوة إلا بالله، ولم يكلم الناس, ودخل على النبي عليه السلام, وهو مسجى في ناحية البيت عليه بردة حبرة، فكشف عن وجهه ، ثم قَبَّله، وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله, طبتَ حياً وميتاً، إن الموتة التي كتبها الله عليك قد متها (1) .
( أخرجهما البخاري ومسلم واللفظ للبخاري)
ثم خرج وعمر يكلم الناس، فدعاه للسكوت فأبى أن يسكت، وتابع عمرُ كلامه، فقال الصدِّيق: أيها الناس، فلما رأى الناس الصدِّيق يتكلم أنصتوا، وأقبل على الناس يكلمهم، فحمد الله، وأثنى عليه، فأنْ تحب إنساناً إلى درجة تفوق حدَّ الخيال، وتوحد الله إلى درجة تفوق حد الخيال، الجمع بين التوحيد و بين الحب، ليس أمرًا سهلاً، فأكثر الناس إذا أحب يشرك، وإذا وقع في الحب, وقع في الشرك, و إذا وقع في التوحيد, وقع في الجفوة، وأحياناً شخص عادي، داعية يزداد الحبّ له لدرجة أن أتباعه ينسون الله عز وجل من أجله، وقعوا في الشرك, و هم لا يشعرون، و إذا تعلم الشخصُ التوحيد بشكل فيه جفاء، تجده فظًّا غليظًا، وكلاهما غلط، لكن سيدنا الصديق وهو في أعلى درجات الحب ما غابت عنه حقائق التوحيد، قال أيها الناس: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، فهو واقعي وعاقل ومتماسك القلب والنفس، ومَن كان يعبد اللهَ فإن الله حي لا يموت، والأصل هو الله، الله حي لا يموت، ثم تلا هذه الآية:
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾
( سورة آل عمران الآية : 144)
قال:
فو الله لكأن الناس يسمعون هذه الآية أول مرة في حياتهم، أما عمر فقد وقع على الأرض حين علم أن كلمات أبي بكر تؤكد أنه قد مات (2).
( رواه ابن اسحاق وغيره , كما روى البخاري نحوه بألفاظ مختلفة )
هذا الموقف الذي لا يُنسى لأبي بكر، وهو يجمع قمة التوحيد مع قمة الوفاء، فلذلك يجب أن توحدوا، وأن تكونوا أوفياء في الوقت نفسه، وإذا حملكم التوحيد على الجفوة, فليس هذا هو التوحيد الذي أراده الله، و إذا حملتكم المحبة و الوفاء على الشرك, فليست هذه المحبة التي أرادها الله عز وجل، اجعلوا من هذا الصحابي الجليل الصديق العظيم قدوة، كان في أعلى درجات الحب و الوفاء للنبي، وفي أعلى درجات التوحيد، فما عبده من دون الله، ولا أشركه مع الله، لكنه أحبه حباً ما أحبه أحد من العالمين، لا تنس أن الله هو كل شيء .
قال الصديق للسيدة عائشة: قومي إلى رسول الله، بعد التبرئة من الإفك, فقالت: والله لا أقوم إلا لله، فتبسَّم النبي، وقال: عرفت الحق لأهله، لم ينزعج إطلاقاً، فيجب أن تجمع بين الوفاء و التوحيد, و ألاّ يحملك الوفاء على الشرك, و ألا يحملك التوحيد على إنكار الجميل .
الحمدالله رب العالمين
|