* تواضعه وزهده صلى الله عليه وسلم: وشواهده كثيرة، منها: سيلان ماء المطر من سقف المسجد على مصلاه صلى الله عليه وسلم وسجوده في ماء وطين[21]، وصلاته صلى الله عليه وسلم قيام الليل على حصير [22]، واعتكافه صلى الله عليه وسلم في قبة تركية على سدتها حصير [23]، واعتكافه صلى الله عليه وسلم في بيت من سعف [24]، وتواضع فطوره وسحوره صلى الله عليه وسلم، كما تقدم، ومنها: قلة طعامه صلى الله عليه وسلم. قال عبد الله بن أنيس: "فأُتي -أي: النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان- بعشائه فرآني أكفُّ عنه من قلِّته" [25].
ومن هذا يتبين أن الأقرب إلى هديه صلى الله عليه وسلم هو التواضع والزهد وهو: ترك ما لا ينفع في الآخرة، والتقلل من نعيم الدنيا، والحرص على الاخشيشان والبذاذة والتبسط وترك التكلف الذي يكون دافعه تواضع القلب لله تعالى وإخباته له، وإقباله عليه، وطمأنينته ورضاه به، وتعلقه بنعيم الآخرة الباقي، وهذه حقيقة الزهد، لا أن نترك ذلك ظاهراً والقلوب شغوفة متطلعة إليه مشغولة به، فتلك عبودية الدنيا كعبودية الدرهم والدينار.
* إكثاره صلى الله عليه وسلم من الإحسان والبر والصدقة. قال ابن عباس: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة" [26]. وعلة زيادة جوده صلى الله عليه وسلم في رمضان: "أن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس، والغنى سبب الجود" [27]. إنه أثر القرآن... وثمرة الزهد، وكفى!!
* جهاده صلى الله عليه وسلم في رمضان، وجعله منه شهر بلاء وبذل وفداء، ويتجلى ذلك بأمرين:
الأول: غزوُه صلى الله عليه وسلم للمشركين في رمضان، وكون أعظم انتصاراته صلى الله عليه وسلم وأجلّها والمعارك الفاصلة التي تمت في حياته كانت فيه. قال أبو سعيد الخدري: "كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان" [28]، وقال عمر بن الخطاب قال: "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان غزوتين يوم بدر والفتح، فأفطرنا فيهما" [29].
الثاني: السرايا والبعوث العديدة التي كانت في رمضان، وهي كثيرة [30].
وجهاده صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع اجتهادهم في العبادات الأخرى دلالة على أثر الصيام الإيجابي فيما يورثه لصاحبه من قوة في النفس تورث قوة في الجسد.
على أن ما يحتاجه الجسم من الغذاء أقل مما نتصوره اليوم، وإنما تخور قوى الصائمين المترفين الذين ألفوا الملذات فجهدت نفوسهم بغياب ملذاتها وشهواتها وتأخرها عنهم؛ إذ لنفوسهم على قلوبهم غلبة وسلطان، والله المستعان.
* اعتكافه صلى الله عليه وسلم وخلوته بربه سبحانه: والمتأمل في حاله في الاعتكاف يلحظ ما يلي:
1- اعتكافه صلى الله عليه وسلم في المدينة في رمضان من كل سنة، وتقلبه صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف في كل عشر من الشهر، ثم استقراره في آخر الأمر على الاعتكاف في العشر الأواخر منه، لإدراك ليلة القدر.
2- أمره صلى الله عليه وسلم بأن يُضرب له خباء في المسجد يلزمه يخلو وحده فيه بربه [31]. قال ابن القيم: "كل هذا تحصيلاً لمقصود الاعتكاف وروحه، عكس ما يفعله الجهال من اتخاذ المعتكف موضع عشرة ومجلبة للزائرين، وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم، فهذا لون، والاعتكاف النبوي لون، والله الموفق" [32].
|